د. حامد أنور

 

عندما نذكر كلمة "وطن" فإنك بلا شك تتذكر المنزل، والجيران، وأصدقاء المدرسة، وذكريات من الماضي عطرة فيحاء، ولكنك لا تتذكر حين يرددها عليك ضابط القسم، وربما عدة مرات أو المصلحة الحكومية التي ساقتك سوء الأقدار إليها لتقف في طابور طويل والموظفة تنصحكم بالانتظار ثم بعد طول مكوث يُفاجَئ البشير أن الكمبيوتر تحوَّل إلى جثةٍ هامدة، وفوتوا علينا بكرة بالطبع.

 

لن تتذكر حين ألقي على مسامعك هذه الكلمة ذلك اليوم الذي تلظيت فيه بشمس يوليو الحارقة لساعات طوال في إشاراتِ المرور حتى يمر موكب المسئول الكبير بعد أن عاد بسلامة الله إلى أرض هذا الوطن، فالوطن مصطلح وجداني عاطفي، وليس مصطلحًا سياسيًّا فهو يعبر عن المكان الذي نشأت فيه وتعلمت في سني عمرك الأولى؛ لذلك فأنا أرفض كلمة المواطنة لأنه لا يترتب عليها أي حقوق سياسية ولا يشفع لديها عندي كونها مستقاةً من اللغة الأثينية القديمة؛ حيث كان يطلق لفظ المواطن على كل شخصٍ ما عدا النساء والعبيد أي أنها في الأساس كلمة تحمل تمييزًا بين أفراد المجتمع وكم من المواطنين هذه الأيام لا تعمل لهم الدول أي اعتبار؛ لذلك فأنا أفضل عليها كلمة "الرعية" في الفكر الإسلامي السياسي أو كلمة الرعايا في الفكر السياسي الغربي.

 

وكلمة المواطن في العصر الحديث أيضًا مبهمة عندما أقول المواطن المصري العالم الفاضل الدكتور أحمد زويل هل أقصد بكلمة المواطن هنا فترة نشأته الأولى بمصر وتعليمه فيها ولكنه الآن شخص ترعاه أمريكا اجتماعيًّا وعلميًّا، وإذا قلت المواطن الأمريكي الدكتور أحمد زويل فهي لن تشير إلى نشأته الأولى، فكلمة المواطن في القاموس العصري تشير إلى مرحلة النشأة أم مرحلة الرعاية؟ وعلى كل فالدكتور أحمد زويل في كلا الحالتين لن يستطيع أن يرشح نفسه في الانتخابات الرئاسية في كلا البلدين؛ وذلك طبقًا لأحكام الدستور في كلا البلدين لعدم ثبات الشروط المطلوبة عليه فيهما معًا، وهو العالم الكبير الحائز على نوبل رغم أنه مواطن، فالوطن والوطنية كما أشرنا مصطلح وجداني عاطفي، وهو ليس عقيدة أيديولوجية أو منظومة فكرية تستطيع أن تجمع بين أفراد الشعب كلهم، خاصةً إذا كانوا طوائف وأعراقًا شتى، فلا يمكن أن يتحول إلى بوتقة تنصهر فيها الفروق أو تتحد فيها الأهداف بين أفراد المجتمع على اختلاف توجهاتهم الفكرية؛ لأنها هي أصلاً ليست لديها دلالة فكرية، لقد كان الأوس والخزرج في حالة حرب دائمة رغم أنه كانت تجمعهما حدود المدينة، ولم يجمعهما إلا الأيديولوجية الإسلامية، وعندما أتحدث عن الوطن الصيني فإنما أتحدث عن حدود أو عرق وليس عن نظرية فكرية كالليبرالية مثلاً ولا أجد أحدًا في العالم يتبنى ما يعرف بالأيديولوجية الصينية، وعلى ذلك فالوطنية ليست معينًا فكريًّا يتلاقى فيه الجميع إلا أنها بسبب تأثيرها العاطفي أحد أسباب التعصب وعدم قبول الآخر فهي تحمل في طياتها تعصبًا لجنسية دون أخرى أو عرق دون آخر، إنها حمية الجاهلية؛ لذلك فالإسلام رفض هذا الأمر وساوى بين كل الأوطان والأعراق ولم يجعل لعرق فضل على عرق آخر إلا بالعبادة والأخلاق.. "لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"؛ أي أن الإسلامَ هو الوحيد في العالم الذي ساوى الأعراق البشرية كلها ببعض ورفض العصبية الوطنية البغيضة والتناحر العرقي البشع.

 

أما كلمة الدولة فهي مصطلح سياسي يُعبِّر عن السلطة السياسية التي من المفروض أن يختارها أفراد المجتمع، أو يرضوا عنها لإدارة شئون حياتهم ومعيشتهم وفق عقد اجتماعي واضح لا لبس فيه فهي تختلف عن كلمة الوطن الوجدانية لذلك من أسوأ الأشياء أن يتم الخلط بينهما، ويصبح الوطن هو السلطة السياسية والسلطة السياسية هي الوطن، فعندما يتعرض مسئول ما لهجومٍ يتباكى على مصر وسمعة مصر مع أن هناك فرقًا كبيرًا بينهما ولا يمكن لوطن تضرب حضارته في أعماق التاريخ أن يختصر في شخص واحد.

 

ولا بد للسلطة السياسية في الدولة أن تكون متفقة فكريًّا وأيديولوجيًّا مع أفراد شعبها وإلا حدثت التوترات والتناحرات من حين لآخر فالمفروض أنها تعبر عقيديًّا عن هذا الشعب أو أغلبيته مع إعطاء الأقلية حق التقاضي إلى عقيدتها التشريعية الخاصة بها، ولكن الإشكالية تأتي حين تنصب الدولة نفسها إلهًا يسن قوانين وتشريعات تصطدم مع معتقدات الشعب فيقع الشعب في حيرة أيهما أحق بالإتباع الدولة أم الدين؟ وهذا ما أشار إليه كارل شميت في نص مشهور عام 1922م بعنوان "اللاهوت السياسي"؛ حيث اقترح أن تحل الدولة مكان الرب وأن تكون هي مصدر كل قانون، وفوق كل حق، ومن هنا تشتعل الإشكالية الكبرى، فالدولة ليست عقيدةً دينيةً تجيب على الأسئلة الحائرة الملحة على النفس البشرية من أين أتت؟ وما المصير؟ لماذا أفعل الخير؟ ما الثواب؟ ما العقاب؟ كيف الحال بعد الموت؟ وهي أسئلة تطارد كل البشر على اختلاف أعراقهم وطوائفهم؛ لذلك فلا يمكن لها أن تحل محل الدين، وهذا لم يحدث إلا أيام الفراعنة والدولة الرومانية قبل المسيحية، ففي أيام الدولة الفرعونية كانت الدولة بالفعل عقيدةً دينيةً؛ حيث نصب الفرعون نفسه إلهًا يعبده أفراد الرعية ليس ذلك فحسب بل يخبرهم أنه سوف يحكمهم أيضًا في الآخرة، فكان يوضع معه بعد تحنيطه الأكل والشراب أي أنه لن يعتقهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالحمد لله على نعمة الإسلام ﴿.... وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)﴾ (هود)، فجاءت الدولة السياسية الحديثة لتؤصل لهذا الوضع الفرعوني إنه اللاهوت السياسي؛ حيث لا يحق لأحد أن يختلف مع مجموعة قوانينها أو توجهاتها التشريعية، وإن اختلفت مع معتقدات أغلبية الشعب، وبذلك تضع الدولة نفسها في عداء مع الشعب.

 

لذلك لا الوطنية ولا اللاهوت السياسي الحديث قادر على أن يذيب الفوارق بين البشر أو يوجد التلاحم المطلوب بين أفراد الشعب، أما الدين خاصةً إذا كان يتفق مع الفطرة فهو الوسيلة المثلى لتهذيب النفوس، وتلطيف الطباع هو أفضل رابط بين البشر أن الإسلام هو حبل الله الذي ألف القلوب المتعادية وأنقذ النفوس الحائرة ورسالة الله إلى كل البشر أن أول أمر في القرآن الكريم ليس موجهًا للمسلمين بل إلى الناس أجمعين في الآية رقم 21 من سورة البقرة، وهي والآيات التي تليها تجيب على كل الأسئلة الحائرة التي تجول بخاطر الإنسان وتضع الدليل على صدق الدعوة وتخاطب البشر بمنهج عقلاني موضوعي فإن كنتم تشكون في هذا الأمر فأتوا بسورة من مثله إنه- ورغم أنف توران المتحدث الإعلامي باسم الفاتيكان- كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ثم توضح الآيات بعد ذلك الثواب والعقاب يقول المولى سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)﴾ (البقرة).

-----------------------

d.hamedanwar@yahoo.com