تكرر على لسان أكثر من رمز حدسي (الحركة الدستورية الإسلامية الكويتية) خلال الفترة الأخيرة، خطابٌ متباينٌ عن مشاركة المرأة في العمل العام وحضورها السياسي، وهذا بلا شك يساهم في "زغللة" الصورة الذهنية عن موقف حدس تجاه المرأة، ويمنح خصومَها ومناوئيها فرصةً للنيل منها والتشكيك بمصداقية خطابها، بل وبيان تردد التيار الإسلامي تجاه ملف المرأة الأكثر تشابكًا وحساسيةً لاعتبارات أهمها قياس مدى مرونة أي فصيل في العمل الإسلامي تجاه قبوله خيارَ الدولة المدنية وتعايشه مع السياق التحرري العام الذي نادت به مؤتمرات تمكين المرأة في بكين واتفاقيات سيداو التي تدعو إلى إتاحة مساحات أوسع لمشاركة المرأة، مع تأكيدنا خروجَها أحيانًا خارج نطاق الخصوصية الثقافية والهوية الدينية للمجتمعات.
الاعتبار الآخر أن ملف المرأة في الخطاب الإسلامي يمثِّل أحد العناوين التي يناور فيها الجدل منذ وقتٍ طال أمدُه وبات يستهلك من أولويات الحركة الإسلامية الشيء الكثير، ونظرًا لتداخل السياقات الاجتماعية في نمطية صورة المرأة من تكوين اجتماعي لآخر، بالإضافة إلى هيمنة نزعة التشدد التي تتبنَّاها بعض التيارات التي تُعرَف بغُلوِّها وتعنُّتها، خاصةً أننا في المجتمعات الخليجية، وكم أفقدتنا هذه المناورة رصيدَ عطاء المرأة التي كان يمكن لها أن تغطِّيَ جوانب النقص في أداء الحركة الإسلامية!؛ نظرًا لما تعانيه من محدودية الطاقات وندرة الكفاءات وقلة الكوادر التي تُلبي متطلبات العمل ذات التمدد الأفقي والرأسي.
أعود فأقول: إن حدس تبنَّت الاعتراض على ترشيح المرأة إبَّان طرح مشروع القانون في مجلس الأمة، وكان الاعتبار واضحًا حينها لظروفٍ اجتماعية ورغبةً في مزيدٍ من التأهل والاستعداد؛ حيث لم يترجَّح موقف شرعي حينها؛ فقد تساوت كفة المنع والإجازة الشرعية، وعندما حسم البرلمان خياره أفسح المجال، وبات الخيار متاحًا للجميع، فشاركت المرأة الحدسية بفاعلية في الحملة الانتخابية، وهي للمرة الثانية تثبت كفاءةً عاليةً في إدارة الشأن الانتخابي، وكانت سببًا في أكثر من مرةٍ لترجيح عددٍ من رموز حدس ونوابها في البرلمان بشهادتهم الشخصية، ويأتي على رأسهم د. ناصر الصانع القطب الأبرز في البرلمان الكويتي، وبات إفساح المجال لمشاركة المرأة ترشيحًا مرهونًا بآلية شورية تبنَّتها حدس والتزمت بها خيارًا في تزكية مرشحيها للدخول في معترك الانتخابات من خلال قواعدها رجالاً ونساءً؛ فمرشح حدس هو اختيار شوري ديمقراطي لأعضاء حدس الذي تُعدُّ المرأة جزءًا أصيلاً من نسيجها التنظيمي.
وأعلم في هذا الاتجاه أن خطاب المرأة الذي أعلنه مكتب المرأة في حدس في الملتقى الرابع، والذي عُقد أواخر يناير الماضي كان متضمِّنًا إتاحة الخيار للمرأة في المشاركة السياسية، وتم تأكيد أن العمل السياسي ليس محصورًا في قاعة البرلمان، وتعضد هذا الخطاب باستدلالات شرعية كان أهمها قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: من الآية 71)، ومفهوم الولاية في هذه الآية يستوجب التعاون والمشاركة الجادة في إصلاح المجتمع لا التفرد والتعسف في هذا الدور مع مراعاة تحقيق التوازن بين الأدوار المختلفة للمرأة.
جانب آخر يحتاج التوضيح.. أن البعض يتباكى على الأسرة ويُبدي الكثيرَ من التخوف على وضع الأسرة، وأعتقد أن هذا إخلاصٌ في محله مُقدَّر، ولا أشك أنه متفهم لدى المرأة قبل الرجل، لكن السؤال الذي يلح في الطرح علينا جميعًا أن هذا التوصيف خاص بالمرأة المتزوجة، وبالتالي فإن هذا التخوُّف يسقط عن التي لم يحالفها التوفيق في الزواج، أو التي فاتها قطاره، أو المُطلَّقة والأرملة، والتي كبُر أولادها وتخفَّفت من مسئولياتهم.. هل نُهمل هذه الطاقات والقدرات لنمنعهن من رفد العمل الإسلامي بجهودهن وخدمة الوطن بإنتاجهن؟!!.. إنها جناية في نظري برغم تفهمي وتقديري لحماس بعض المتشبثين!!.
بل وحتى المرأة المتزوجة تستطيع القيام بدور فاعل إذا وازنت بين مسئولياتها، وكان زوجها عونًا لها في تحمُّل مسئولياته هو الآخر.
سُئل أحد الإخوة الذي ردَّ في إحدى المقابلات الانتخابية المتلفزة على موقفنا من المرأة ومشاركتها السياسية، فعبَّر برأيه الشخصي الذي نحترمه ونتفهمه، وقال بالمنع على أساس الاعتبار الشرعي، ولأنه مرشَّح في دائرة انتخابية يتسيَّد فيها خطاب المنع، فقد فمهنا- كما فهم أكثر من متابع- أن هذا موقف حدس، فكان يستلزم التأكيد أنه موقفه الشخصي لا خيارَ حدس، وسيعذره الجميع اتساقًا مع طبيعة ناخبيه؛ ولأنَّ هذا الموقف، وإن كان يحاكي ميول ناخبيه، لكنه في الوقت ذاته يربك صورتنا الذهنية في أماكن أخرى ويحرجنا بهذا التمايز الواضح.
لدى الحركة الإسلامية عدد من الإشكاليات يمكن لأي فاحصٍ متابع أن يلحظ تعثُّر خطابها تجاهها، ستجد رؤى مختلفة بين كل حركةٍ وأخرى، وقد يكون هذا مقبولاً إلى حدٍّ ما بسببِ تعدد المدارس الفقهية والفكرية، لكن الأعجب أن تجد هذا التشظِّي في التيار الواحد تجاه مسألةٍ من مثل الموقف من المرأة؛ وهو الأمر الذي بنى عليه التيار التغريبي مشروعه في بيان رجعية الحركة الإسلامية وتخلفها من وجهة نظره بالطبع، وزاد من الريبةِ تجاه المشروع الإصلاحي للتيار الإسلامي فزاد من تعنته وتشدده تجاهها، وهو ما أحدث حالةً من غياب الصورة اللائقة الملائمة لما نريده وتريده المرأة من غير تهميش ولا تسطيح لقيمتها.
ما أتمناه وأرجوه أن ننتقل في حدس، بل وفي الحركة الإسلامية بالعموم بكل جرأةٍ وإقدامٍ، من مرحلةِ التعثر والتأخر إلى مرحلةِ الريادة والقيادة في ملف المرأة، وصدقوني- يا إخوة- إن أتحنا لها الخيار فسوف تختار الاستقرار لأسرتها وبيتها، وسيكون العمل العام في المرحلة اللاحقة من أولوياتها؛ لنمنحها الفرصةَ بأصالة شرعية وعصرية إيجابية بدل أن تُفرض علينا بمثل ما حدث في إقرار قانون الانتخاب والترشيح في البرلمان الكويتي.
إننا بحاجةٍ لأن ننتقل إلى ملفاتٍ أكثر إلحاحًا وحاجةً في مسارنا الحركي، وألا نجعل الجدليات المحسومة لدى أغلب الفقهاء، بل وعند أكثر البلدان تقهقرًا في التنمية.. لئلا نجعلها عائقًا عن التوثب باتزان إلى مرحلة أكثر نضجًا في خطابنا الإسلامي، لن نغفر لأنفسنا عند شعورنا بالحرج البالغ على إضاعتنا لوقتٍ نحن في أمسِّ الحاجة إليه لبناء دعوتنا وقيام صرح أمتنا.. اللهم اهدنا إلى سواء السبيل، إنك نعم المولى ونعم النصير.
--------
* مسئولة مكتب المرأة- حدس - wafa-icm@hotmail.com