منذ عمليات القاعدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001م في الولايات المتحدة، وخروج أسامة بن لادن في خطابه الشهير ليعلن تقسيم العالم إلى فسطاطين، الأول يناصر الخير وأهله ويناهض الاستعمار والاستكبار الأمريكي، والآخر معادٍ للإسلام وللعدل والحق الذي يدعو إليه، وما تبعه ذلك من خروج أبرز نازيي العصر الحديث جورج بوش ليقسم العالم إلى فريقين، فريق الأخيار وفريق الأشرار، وضمه لإيران وسوريا وكل حركات المقاومة بما فيها حماس ضمن فريق الأشرار، منذ ذلك الحين وربما قبله والمنطقة- الشرق الأوسط- تمر بمرحلة فرز واضحة على أساس هذين الفريقين حسب تعبير بوش أو هذين الفسطاطين حسب تعبير بن لادن، فريق المقاومة والممانعة للمشاريع الأمريكية والصهيونية، وبرنامج التسوية المتساوق مع الأهداف الإستراتيجية الجيوسياسية لأمريكا و"إسرائيل" حيال المنطقة لجهة امتصاص أكبر قدرٍ ممكن من ثرواتها والسيطرة على مقدراتها حتى ولو سحقت في طريقها كل ما يمت للعدالة بصلة.
غني عن الذكر أن المشروع الإسلامي وممثليه في المنطقة على اختلاف أسمائهم ومسمياتهم هم مَن يقود جبهة المقاومة والممانعة في مختلف ساحات الصراع، بدءًا بفلسطين مرورًا بالعراق وأفغانستان، وربما ليس انتهاءً بكشمير والشيشان.
والمتتبع لسير الأحداث في مختلف هذه الساحات يلحظ تراجعًا شديدًا لأهداف أمريكا وسطوتها العسكرية ومخططاتها الإمبراطورية في مختلف ساحات الصراع في المنطقة، لما لذلك من تداعيات أبرزها هزيمة الموالين في الساحة اللبنانية من الجولة الأولى ومنذ اللحظة التي قررت فيها المقاومة اللبنانية وضع حد لمخططاتهم التي تستهدف المقاومة وسلاحها وأدواتها في لبنان لجهة تحويلها قاعدة للمخابرات الأمريكية، وما المصالحة اللبنانية بشروط المقاومة إلا إمعانًا في هزيمة فريق الموالاة وتقدم لفريق المقاومة والممانعة، وخطاب الرئيس اللبناني الجديد ميشال سليمان شاهد على ذلك.
وهزيمة مشرف وحزبه في باكستان ما هو إلا دليل آخر على تراجع السطوة الأمريكية في المنطقة لصالح قوى الممانعة، خصوصًا بعد اتفاقات الحكومة الباكستانية الجديدة مع طالبان باكستان، والتي تمثل الوجه الآخر لطالبان أفغانستان والقاعدة الخلفية لها.
وما الضربات المتلاحقة للقوات الأمريكية والقوات العراقية الموالية لها رغم الحملات الأمنية المسعورة التي تشنها هذه القوات المشتركة على المقاومة إلا دليل صارخ على تهاوي الرهان الأمريكي على استمرار السيطرة على العراق وسقوط الرهان على القوات العراقية التي استغرق تدريبها وتجهيزها سنواتٍ طويلةً وجهدًا كبيرًا، وما تصريحات الجزار الأمريكي بتريوس حول سحب جزء من القوات خلال الشهور القادمة إلا مقدمة للهروب الأمريكي الكبير من العراق خصوصًا مع احتمال قدوم إدارة جديدة للبيت الأبيض بقيادة أوباما الذي يتوعد بالانسحاب من العراق.
واندحار أنصار التسوية وأمراء التنازلات في الساحة الفلسطينية عن غزة على الأقل وتهاوي شعبيتهم في الضفة الغربية لتوالي اللطمات التي يوجهها إليهم العدو المحتل، وتحول قواتهم فيها إلى مقاولين أمنيين لحماية أمنه ومستوطنيه.
فعلى صعيدِ مفاوضات التسوية لا تشهد الأمور أي تقدمٍ ذي بالٍ رغم اللقاءات المكثفة، وعلى صعيد واقع الاحتلال على الأرض حملات الاعتقال تزداد والحواجز لم يرتفع منها شيء إلا إعلاميًّا، والكل في انتظار إدارةٍ أمريكية جديدة، في الوقت الذي سيرحل فيه مهندس اتفاقات التسوية محمود عباس لانتهاء ولايته نهاية هذا العام لِما لذلك من تداعيات ستزيد بالتأكيد من حالةِ الضعف والهزال الذي يمر فريق التسوية الفلسطيني.
خصوصًا في ظل حالة الضعف والتلاشي التي تمر بها حركة فتح لا سيما في أعقاب البرنامج السياسي الذي يتم صياغته لها الآن بأقلامٍ أمريكية تنسف القاعدة الوطنية التي قامت عليها حركة فتح، وتزيد من حالة الانقسام التي تمر بها.
إذًا على صعيد المنطقة ككل مشروع المقاومة والممانعة يتقدم على حساب تراجع فريق الموالاة لأمريكا والصهاينة وفريق التسوية والسلام مع المحتل الصهيوني.
ولكن.. ما خيارات حماس في الساحة الفلسطينية في ظل الأجواء السابقة؟
أولاً: على صعيد الحوار الداخلي من غير المتوقع حدوثه قبل نهاية العام الحالي أي قبل رحيل إدارة بوش وتولي الإدارة الجديدة، رغم المحاولات المستميتة التي تبذلها حماس مع بعض الدول العربية والجامعة العربية لتكرار تجربتهم الناجحة للمصالحة في الساحة اللبنانية.
ثانيًا: على صعيد الحصار لا يتوقع له أن يرفع قريبًا، خصوصًا في ظل المماطلة الصهيونية والشروط التعجيزية التي تحاول فرضها على المقاومة وحماس في غزة، أيضًا في انتظار حلول نهاية العام، ومع ذلك ومع بقاء الحصار فربما يشهد الوضع بعض الانفراجات في سياق العمل بالمثل القائل "لا يموت الذيب ولا يفنى الغنم"، والذي في سياقه ربما تسمح مصر بدخول بعض المساعدات الإنسانية، أو خروج بعض الحالات الإنسانية.
ثالثًا: على صعيد المواجهة الميدانية بين المقاومة والعدو المحتل في غزة من المتوقع أن يبقى العدو على حالة الاستنزاف المتبعة بالتوغلات المحدودة وعمليات الاغتيال والقصف.. إلخ.
وعليه ربما تنحصر خيارات حماس بعددٍ من الأمور نذكر منها على سبيل المثال:
أولاً: أن تتوقع حماس بقاء الوضع على ما هو عليه في انتظار تغير بعض المعادلات داخليًَّا وخارجيًّا، وأن تعمل جاهدةً على تعزيزِ برنامج المقاومة على حساب برنامج التسوية خصوصًا في ظلِّ الرحيل المرتقب لمحمود عباس من سدةِ الرئاسة كاستحقاقٍ دستوري، الأمر الذي قد يسمح وفي إطار محاولاتِ بعض الأطراف الدولية إنقاذ فريق التسوية من الانهيار بالسماح لحوار فلسطيني فلسطيني يُفضي للتقليل من الخسائر المحتملة من صعود برنامج المقاومة تمامًا كما حدث في الساحة اللبنانية.
ثانيًا: وإلى أن يتحقق ذلك قد تعمل حماس على الالتفات وبقوةٍ لتعزيز صمود الشعب من جانب، ومن جانبٍ آخر المحافظة على قوتها وحسن أدائها على الأرض لجهةِ ضمان المزيد من حسن الإدارة والشفافية في مؤسسات الحكومة، بما يُخفف من آلام الشعب ومعاناته في ظل الحاصر والعدوان.
ثالثًا: أن تعمل حماس على التوسع الأفقي في الشارع الغزي والانتشار التنظيمي لجهة استيعاب أكبر عددٍ من الأنصار استعدادًا ربما لاستحقاقات انتخابية قادمة، فضلاً عن كسب مزيدٍ من الأنصار لمشروعها الإسلامي التحرري، ولكسب مزيدٍ من القوة والقدرة على ضرب النموذج الحسن الذين يُقدِّم مصالح الدين والشعب والوطن على مصالح التنظيم الشخصية، وبث مزيدٍ من روح الأمل في الناس وإشاعة أجواء أكثر روحانيةً من خلال تذكيرهم بآيات الله ووعده بالنظر والتمكين.
----------
** صحفي وباحث سياسي