ألف باء الوطنية أن تكون مصر فوق الجميع بمختلف ألوانه: مصر فوق الأحزاب والأندية والأفراد.. مصر فوق أهل السياسة والاقتصاد والفن والرياضة.. مصر فوق القبيلة والعائلة.. مصر فوق الرئيس والغفير.

 

مصر فوق الجميع رسالة يجب أن تعمل لها المدرسة والجامعة، البيت والحكومة والإعلام، الأحزاب والنوادي، الشرطة والجيش، الكنيسة والمسجد، الإعلام بكل أطيافه، أن يصنع الإعلام الانتماء لعلم بلادي الذي أُمِرنا أن نحبه ونخلص له، نعمل تحت لوائه انتماءً وولاءً؛ أيمانًا منَّا بأن التضحية من أجله جزء من عقيدتنا الدينية، وأنَّ من الدين ألا يعلوَ أحد فوق الله سبحانه وتعالى.

 

المتابع الذي يدقق البصيرة فيما يُقدمه الإعلام الرياضي يدرك أنه يساهم بقدرٍ كبيرٍ في الانتشار قوي التأثير في إضرام فتنة طائفية من نوعٍ جديدٍ ليست بين منتسبي دين وآخر، ولكنها فتنة طائفية بين جموع شعبٍ يكوِّن نسيج هذا الوطن، من خلال عنصرية ممقوتة وقبائلية كريهة قال عنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "دعوها؛ فإنها منتنة"، ومن خلال الفتك بقيمةٍ عليا هي أن تكون المحبة في الله والبغض في الله، والتي إن تحقَّقت تكن الحياة في أجمل حُلُلها ومتصلة بخالقها.

 

الإعلام الرياضي ينسج خيوط هذه الفتنة حينما أصبح بوقًا لنشر التعصب الممقوت وثقافته الرديئة من خلال السعي الدءوب إلى محاولةِ فرض هيمنة القطب الأوحد في مجال الأندية الرياضية على غرار ما يحدث من هيمنة الحزب الواحد على الحياة السياسية والاقتصادية، وإعلاء ظاهرة تهميش المنافس وإلغائه، والتي لا يخفى على أحد مرارة نتائجها، مخالفًا مبدأ التوازن وحتميته والتعددية وضرورتها.

 

ويكفي أن ندلل على وقعةِ موضوع التعبير في امتحان الصف الثاني الإعدادي في مدرسة "الصنافين" بنين، التابعة لمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، والتي نشرتها جريدة (البديل)، والذي تضمَّن سؤالاً يقول: "حقًّا.. لقد أصبح الأهلي بطلاً عملاقًا للدوري العام.. وضِّح قصة كفاحه"، ويبدو أن واضع الأسئلة قرر- منفردًا- أن جميع الطلبة "أهلاوية"، بل قرَّر أن كلهم متابعون مثله لمباريات الدوري العام، وكلهم رياضيون مثله، ويحفظون تاريخ نادي الأهلي، وعليهم تذكّر هذا الكفاح الأهلاوي من أجل الحصول على البطولة (على حدِّ قول الجريدة)، ومن المؤكد أن هذا المُعَلِّم مُخرِجٌ من مخرجاتِ هذا الإعلام.

 

الإعلام الرياضي يشارك في جريمة تربوية حين يسمح للغة الشارع أن تشكِّل أسلوبه وترسم هويته، مستسلمًا لها دون محاولةٍ منه لتوجيهها وإرشادها وتعليمها، لكن- وللأسف الشديد- أصبح جزءًا منها، وأصبحت هذه اللغة تقوده وتوجِّهه، وتسيطر عليه من خلال شهوةِ حُبِّ الانتشار والربح المادي، متسلِّحًا بمبدأ "الغاية تبرِّر الوسيلة".

 

الإعلام الرياضي يغذِّي لغة التعصب، والتي وصلت في أحيانٍ كثيرة إلى العدوان اللفظي، ولنا في هذا الموج الذي غرق فيه كثير من الشباب من خلال المداخلات التليفونية وأشرطة الرسائل الموجودة أسفل شاشات العرض على القنوات الرياضية عبرة، ولا تفسيرَ لها عندي غير أنها لغة عدوان لفظي يمهِّد في مرحلةٍ مقبلةٍ إلى عدوانٍ بدني حينما يتوفَّر له الظرف المناسب زمانًا ومكانًا، ولنا في إحراق بعض الجماهير لمشجع نادٍ آخر ناقوس خطر، خاصةً أننا على أبواب منافسات رياضية قد تجمع بين أكبر ناديين في مصر من حيث الشعبية ثماني مرات على مدار موسم واحد.. فهل يُمهِّد الإعلام لهذا الأمر؟! أم أن الصدفة وحدها هي التي تصنع الحدث؟!.

 

نسأل الله ألا تتكرر في مجتمعنا المحاولة التي صرَّح بها أسطورة كرة القدم الهولندية بوهان كرويف لمحطة "راديو كاتلونيا" الإذاعة الأسبانية، أنه تعرَّض لمحاولة خطف دبَّر لها مشجعو فريق منافس؛ حيث أوضح أن عددًا من الأفراد اقتحموا منزله خلال الليل وقيَّدوه هو وأفراد أسرته تحت تهديد السلاح، ولكنه هرب وفشلت محاولة اختطافه، وأكد كرويف أن هذا الحادث كان من بين الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ قراره بعدم المشاركة في نهائيات كأس العالم 1978م في الأرجنتين، وأعتقد أن مثل هذه الحوادث إفرازٌ طبيعي لجنون التعصب، وإفراز طبيعي لإعلامٍ يدعو إلى هيمنة القطب الأوحد والنجم الأوحد.

 

الإعلام الرياضي يُولِّد في نفس كلِّ مصري إحساسًا بالدونية لدرجةٍ تجعل كلَّ مواطن غيورٍ يعيش حالةً خزي وألمًا؛ لما يعكسه هذا الإعلام عن مصريتنا التي نقدمها للعالم من خلال القنوات الفضائية الرياضية من خلال التركيز على الصور السلبية وربطها بكلمة (المصري)، وكأنَّ مقدِّم البرنامج أو ضيفه من وطنٍ آخر، وأصبح التركيز على البقع السوداء لدرجةٍ جعلت الثوب كله أسودَ من خلال نظرةٍ تعصبيةٍ عصبيةٍ تحكمها الأهواء والانتماءات؛ فكل شيء سيئ أصبح صناعة مصرية من وجهة نظرهم، فاللاعب سيئ لأنه مصري، ومتكاسل لأنه مصري، والحكم رديء لأنه مصري، ويرجع ذلك إلى عدم إدراك الإعلاميين وضيوفهم لتأثير الرسالة السلبية على المتلقي؛ فالتركيز على الإيجابيات يجب أن يأخذ مساحته، وأي أمرٍ فيه الجميل والسيئ.. كفانا النظر إلى نصف الكوب الفارغ.

 

أعتقد أن القنوات الرياضية يمكن أن يكون لها دَور فاعلٌ ومؤثرٌ في التبصير والتوعية والإرشاد والتوجيه إذا ما وَضعت ضمن رسالتها ورؤيتها وأهدافها غرسَ روحِ الوطنية والإيجابية وتحمُّل المسئولية، والتعاون والتضحية والإخلاص وبذل الجهد؛ وذلك من خلال:

أولاً: أن يكون لمنظومة الإعلام الرياضي معاييرُ للحكم على الأشياء تنطلق من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: من الآية 162).

 

مرجعية الحق والباطل، مرجعية الصواب والخطأ، مرجعية ميزان العدل؛ وهو ما يعني عدم ازدواجية المعايير؛ فالكل سواسية، والفيصل الوحيد هو مرجعية الضمير لا مرجعية الولاء للونٍ معينٍ أو كرسي مُحبَّب؛ فكل شيء يجب أن يبدأ من الضمير.

 

ثانيًا: على الإعلام الرياضي أن يقوم بتوجيه التعصب نحو القدوة كلمةً وسلوكًا وفعلاً، وإن أتت النتائج في المرتبة الثانية، وهنا تسقط الأقنعة عن رؤساء الأندية ومجالس إداراتها والإداريين والمدربين واللاعبين الذين يضعون المبادئ والقيم في سلة المهملات حين تتعارض مع النتائج.

 

ثالثًا: العناية الشديدة في اختيار معدِّي ومقدِّمي البرامج ورفع شعار (لا للتدليس)، ولا يعيب الإعلامي أن يكون له ولاؤه الخاص، ولكن عليه أن يخلع لون ولائه قبل دخوله الأستوديو، إلا إذا كان يعمل في قناة النادي الذي ينتمي إليه، هنا لن يعيب عليه أحد هذا اللون أو ذاك.

 

ويجب على الإعلامي أن يعلم أن الحرية أصالةٌ، وليست شعارات أو مجرد انطلاق من القيود بدون ضوابط أو روابط.. الحرية تبدأ بالسيادة على النفس وإطلاق إرادة الإنسان وعقله وعواطفه من قيود الشهوة، والإنسان الحر هو الذي تتجلَّى فيه المعاني الإنسانية السامية، فيضبط نفسه ويمنعها من الهبوط إلى سواقط الأمور، فلا يكون عبدًا لنفس أمَّارة بالسوء، والتحيُّز سوء؛ فالحرية والمسئولية ترتبطان برباط احترام النفس والغير.

 

رابعًا: ضرورة اختيار الإعلام الرياضي للكوادر المؤهلة المدربة؛ فلا يعتمد على مجموعةٍ من (الإعلاميين)، الذين لا يمتلكون المهارات الإعلامية، كما أنهم يفتقدون الحد الأدنى من الثقافة العامة؛ فثقافته تنحصر في ناديه فقط، فلا يقبل مثلاً من مقدِّم برنامج أن يخاطبنا بأنَّ عددَ سكان مدينة الإسكندرية 27 مليون نسمة، ولا يقبل من مقدِّم برنامج استخدام الغمز بالعين أثناء مداخلةٍ تليفونيةٍ؛ ظنًّا منه عدم تسليط الكاميرا عليه، ولا يُقبل منه اللمز بالشفاه حين لا يعجبه تعليق، ولا يُقبل من مقدِّم برنامج تناول المشروب بطريقة مقزِّزة أمام المشاهدين، وإن أقل مواصفات المقدم الجيد هي بُعده عن لازمة جسدية تتكرر عشرات المرات أثناء الحوار.

 

خامسًا: أتصور أن دَور القنوات الرياضية يجب أن يتعدَّى دَور تغطية الأخبار والأحداث الرياضية وتثقيف الناس رياضيًّا إلى تشجيع الناس على الممارسة اليومية للرياضة في المنازل والشوارع وفوق الأسطح؛ مساهمةً منهم في البناء السليم لأجسام هذه الأمة أطفالاً وشبابًا وشيوخًا.

 

فكما يشير الأستاذ إبراهيم حجازي في الأهرام: (أن الأندية وأعضاؤها ما هم إلا قطرة في محيط؛ لأن الأندية المصرية عددها الآن 1191‏ ناديًا، وداخلها الآن أعضاء عاملون‏ (زوج وزوجة‏)‏ قرابة الثلاثة ملايين عضو عامل، ولو أضفنا إلى كل أسرة ثلاثة أبناء في المتوسط أعضاء منتخبين يصبح إجمالي المصريين الأعضاء العاملين والمنتسبين داخل أندية مصر قرابة التسعة ملايين نسمة، وهذا معناه أنه في المقابل هناك 71‏ مليون نسمة خارج الأندية لو اعتبرنا تعداد مصر 80‏ مليون نسمة).. فهل يمكن أن يكون للقنوات الرياضية دَور في معالجة هذه الظاهرة؟.. يجب أن تتعدَّى نظرتنا النظر تحت أقدامنا والبُعد عن السطحية وتخطِّي القشور إلى ما بعد القشور.

 

التعصب الرياضي مثل ملح الطعام، وكمية الملح هذه هي الحد الفاصل بين استمتاعنا بتناول وجبة جميلة شهية المذاق، وبين أن نقوم تاركين كل الطعام؛ لأننا غير قادرين على استساغته من فرط ما به من ملح أجاج.