جمال ماضي

علم اليهود حقيقةً ضخمةً، وهي أنهم خاسرون حين يواجهون أهل الحق المخلصين الرافعين راية الجهاد، ولذا فإنهم لا يدخلون معركةً إلا إذا تأكدوا أن الشباب المسلم قد حِيل بينه وبينها.
ولم تكن الهزيمة التي مُنِيَت بها مصر في عام 1967م إلا حين خلَت ساحة الجهاد من كتائب عام 1948م من الإخوان المسلمين؛ ففي ذروة الاستعداد للمعركة كانت أعواد المشانق تَسقط بهامات رجال الجهاد وقادة الفكر؛ أمثال شهيد الظلال سيد قطب؛ الذي يقول عن علاقة اليهود بالحركة الإسلامية:
"إنه مما لا شك فيه أن تدمير حركة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية المماثلة في المنطقة هدفٌ صهيونيٌّ وصليبيٌّ استعماريٌّ، وهو وسيلةٌ من وسائل تدمير العقائد والأخلاق في المنطقة، وأنه تُبذَل جهودٌ ومؤامراتٌ مستمرةٌ لتحقيق هذا الهدف، وأنه لو استُخدم في معاملة حركة الإخوان أسلوبٌ آخر غير ما حدث، سواءٌ في سنة 1954م أو هذه المرة (1965م) لأمكن تدمير المخططات الصهيونية والصليبية الاستعمارية بدلاً من تدمير الحركة الإسلامية، التي مهما قيل في أخطائها فإنها وقفت في وجه حركة الإلحاد المادي والانحلال الخلقي، التي كانت قد أخذت في المدِّ بعد حركة أتاتورك اللا دينية في منطقة الشرق الأوسط".
ثم نراه يضع أعين الأمة على حقائق ضخمة؛ بسيرهم وراء يهود، وانغماسهم في مخططاتهم, فيقول: "إنه أعقبت ضرب الإخوان سنة 1954م موجةٌ من الانحلال الأخلاقي والانحلال الإلحادي، وسيعقب ضربهم الآن (1966م وقبل استشهاده) موجة أشد، لا يعلم إلا الله مداها!! فلحساب مَن هذا الانهيار؟".
ونجيب على مفكر الإسلام: أليس لحساب اليهود وحلفائهم من أصحاب النفوس الخائرة؟! فقد أعقب إعدام سيد قطب وضرب الحركة الإسلامية موجةٌ أشدّ من الأولى، لا يعلم مداها إلا الله! أليست هذه هزيمة 67 التي أطلقوا عليها النكسة؟! وقد صرخ جنود اليهود وهم يدخلون القدس في يونيو 1967م: "محمد مات وخلف بنات"، وستبقى خالدةً هذه العبارة: "ستعقب ضرب الحركة الإسلامية موجة أشد؛ لا يعلم إلا الله مداها!!".
ففي سبتمبر سنة 1981م كانت ضربة السادات للحركة الإسلامية فأعقبها في أكتوبر سنة 1981م مقتله بصورة لم يُقتل بها أحد من قبله.
عداوة أبدية للحركة الإسلامية
واستمر عداء اليهود للحركة الإسلامية حتى يومنا هذا؛ فقد جاء في مجلة يهودية: "احذروا أتباع هذا الشيخ" تحت عنوان: (اعرف عدوك)؛ فقد نشرت مجلة يصدرها الطلاب اليهود في الجامعة العبرية في عددها الصادر في شهر يونيو سنة 1970م صورة للإمام البنا, وكتبت تحت الصورة تعليقًا قالت فيه:
"إن صاحب هذه الصورة كان من أشدِّ أعداء إسرائيل؛ لدرجة أنه أرسل أتباعه عام 1948م من مصر ومن بعض البلدان العربية لمحاربتنا، وكان دخولهم الحرب مزعجًا لإسرائيل لدرجة مخيفة، ولولا أن أصدقاء إسرائيل في مصر تكفَّلوا آنذاك بكبْح جماح أتباع حسن البنا وتخليص إسرائيل منهم لكان وضع اليهود الآن غير هذا الوضع".
وأنهت المجلة اليهودية تعليقها بتحذير الشعب اليهودي من أتباع حسن البنا؛ الذين يشكِّلون أكبر خطر يهدد إسرائيل، حتى لو نجحت المساعي لعقد سلام دائم مع العرب، على حد تعبير المجلة اليهودية.
وليس عداء اليهود للحركة الإسلامية إلا لأن الحركة الإسلامية تُمثِّل الإسلام في معناه الشامل الكامل؛ الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الأمر الذي يقلق بالهم ويذكِّرهم دومًا بخيبر، ولذا فإنهم يواجهون الإسلاميين بالعنف والقوة، وقلوبهم مملوءة بالفزع والرعب، ويظهر ذلك في تصريحاتهم:
* ففي عام 1967م صرَّح الحاخام الأكبر (غورين): "يجب أن نؤجِّل الصلاة في الحرم القدسي حتى لا تؤدي إلى عودة الروح الإسلامية للانتعاش في نفوس المسلمين، وإذا حدث ذلك سيضع إسرائيل أمام مشاكل خطيرة قد تصعب مواجهتها".
* وحذرت وزارة إعلامهم من مواجهة المسلمين قائلةً: "حتى لا نواجه المسلمين الذين يؤمنون بالخلود في الجنة إذا قتلوا اليهود"، وذلك لأنهم يعلمون أنه لو استيقظت الروح الإسلامية لا يستطيعون مواجهة زحفها الجرَّار، وأعظم ما فعلوه وحققوه أنهم نحَّوا الإسلام تمامًا عن المعركة.
* يقول أحد الصحفيين اليهود: "ويجب أن يبقى الإسلام بعيدًا عن المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب ألا نغفل لحظةً واحدةً عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل وبأي أسلوب، ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش لإخماد أي بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا".
وهذا سرُّ ما يبذله اليهود لإبقاء الروح الإسلامية خامدةً، والقضاء على الحركات الإسلامية، ولا يتورَّعون عن الإقدام بالعنف حين تظهر بادرة إسلامية أو وميض من جهاد أو مقاومة.
هيهات هيهات
لو فقه المسلمون وعلموا أن فلاَحَهم الوحيد في المعركة ليس من شرق أو من غرب، وإنما هو الإسلام، لصنعوا النصر المرتقب، وأخمدوا نار اليهود كما أطفأها النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا الأمر الذي دفع مجلة (كريستيان سانيس مونيتور) عقب ظهور المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان وإرغامهم اليهود على الانسحاب أن تكتب تحت عنوان: (اليهودي في مأزق): "لأول مرة يلجأ الصهاينة إلى حرب دفاعية، بينما ازداد أعداؤها قوةً"، وذلك حين ارتفع شعار مسلمي الجنوب أثناء مجازر اليهود فيهم: خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد بدأ يعود.
وهذه أم استُشهد ولدها؛ تقول بعد أن دمَّروا منزلها وقتلوا وحيدها: "إذا كان اليهود يستطيعون قتلنا فلن يستطيعوا نزع الإيمان من قلوبنا"، وأضافت: "إنها ستُقيم خيمة على أنقاض منزلها الذي هدموه وترفع عليها علَم: (لا إله إلا الله).
اليهود.. اليهود.. يا أمتنا!!
هذا تحذير يا أمتنا؛ فلنستيقظ ولننتبه ولنستعد ولنقاوم.
وهذا دورهم القديم الجديد؛ من الدسِّ والتشكيك، ونَيلهم من العقيدة الإسلامية والحركة الإسلامية.
وهذا القرآن الكريم يكرر قصة بني إسرائيل إلى يوم الدين؛ لنستلهم منها الدروس والعبر العملية اليوم.
فالمعركة ما زالت مستمرة، وصناعة النصر هي السبيل الوحيد للتصدي لمكرهم وغدرهم وظلام مؤامراتهم.
نسأل الله تعالى أن يعودَ للأمة وجهُها المشرق، وتتصدَّى بالقرآن للمكر الخاسر، وأن يفكَّ قيد القدس الأسير من يد يهود.. اللهم آمين.
-------------