د. حلمي محمد القاعود

في مقاطع نفيسة من كتابه الرائع (منطق الطير) يعالج الشاعر الفارسي "فريد الدين العطار" النيسابوري (عاش في القرن السادس الهجري) مشكلة التعصُّب بين أهل السنة والشيعة في سياق شعري أخَّاذ؛ يبدأ بقوله:
"يا من وقعت أسير التعصُّب، وظللت أبدًا أسير البغض والحب؛ إذا كنت تفاخر بالعقل واللبِّ، فكيف تنطق بعد ذلك بالتعصب؟!
أيها الجاهل.. لا رغبة في الخلافة؛ إذ كيف تتأتَّى لدى أبي بكر وعمر مثل هذه الرغبة؟ لو كانت لديهما الرغبة، وهما صاحبا قدوة، لأعطى كل منهما لابنه من بعده الولاية، ولو كانا قد سلبا الحقَّ من المستحقين لكان منعُهما واجبًا على الآخرين، ولكن ما قام هؤلاء بمنعِهما، بل تركوا القيام بهذا الواجب لمن انتُخِب.
وإذا كان أحد لم يتقدم لمنع الصدِّيق فلك أن تكذب الجميع وتلزم جانب التصديق، أما أن تكذِّب صحابة الرسول فإنك بذلك تُنكِر أحاديث الرسول؛ فقد قال: "أصحابي نجوم زاهرة"، و"أفضل القرون قرني"، و"أفضل الخلق صحابتي وأقربائي ومن حظوا بصداقتي".
وإذا كان الأفضل لديك أسوأ فكيف يمكن أن يقال إنك صاحب نظر؟ وكيف تُجيز لصحابة الرسول أن يتقبَّلوا بقلوبهم رجلاً غير صاحب قبول؟ أو أن يُجلسوه مكان الرسول؟ فمثل هذا الباطل لا يجوز من صحابة الرسول، وإذا كان اختيارهم خاطئًا فاختيار جمع القرآن الكريم يكون كذلك خاطئًا، إن كل ما يفعله صحابة الرسول هو الحق، ولا يفعلون إلا ما يليق بالحق؛ فإن كنت تُنكر على أحدهم تولِّي الأمر فإنك تكذِّب بذلك ثلاثةً وثلاثين ألفًا".
يستمر العطَّار في البرهنة على فساد الحُجَج التي يعتمد عليها المتعصِّبون في تسعير نار الخلاف بين السنة والشيعة، ويعدد مناقب الخلفاء الأربعة، ويتوقَّف عند منهج الإمام علي كرم الله وجهه في التعامل مع مخالفيه؛ بل مع قاتله، لدرجة أنه يرفض أن يشرب الماء قبل أن يشرب قاتله، وحينما قدموا الماء للقاتل قال: أي عذاب هذا؟! يريد الحيدر (اسم الإمام علي) قتلي بالسم هكذا؟ وقال المرتضى (علي بن أبي طالب): بحق الخالق لا بأس في أن تشرب جرعتي على الإطلاق، ولن أخطو خطوةً واحدةً أمام الحق في جنة المأوى دون صحبتي.
كنت أتمنى أن أنقل الصور الشعرية الجميلة التي عبَّرت عن أخلاق الصحابة، وعن علي؛ الذي يغتمُّ من أجل عدوِّه، ولا يمكن أن يكون عدوًّا للعتيق أبي بكر، وهو حبيبه الذي لا يوجد مثله، ولا يمكن أن يقع عليه ظلم منه، ولكن المساحة لا تحتمل، والغاية التي أريدها في هذه السطور تفرض الإيجاز والدخول مباشرةً في جوهرها.
لقد انفجرت أحداث لبنان في أوائل مايو 2008م في جوٍّ مشحون بالتآمر والتوتر، من جانب الغزاة النازيين؛ اليهود والأمريكان الصليبيين المتوحشين، وكانت هناك- وما زالت- رغبةٌ شيطانيةٌ شريرةٌ في إشعال المنطقة وإحراقها لصالح اليهود النازيين الغزاة، وبعد الإخفاق الواضح في عدوان يوليه 2006م ووصول صواريخ حزب الله إلى عمق الكيان النازي اليهودي، وصمود غزة المحاصرة في وجه الغارات اليومية والقتل الوحشي المستمر؛ فان المعتدين الغزاة ومسانديهم في واشنطن والغرب فكَّروا في التركيز على لبنان؛ ليكون مدخلاً ملائمًا لإشعال النار تحت دعوى دعم الحكومة القائمة في بيروت.
فقد تحرَّكت المدمرة "كول" بحجَّة حماية أهل السنة في مواجهة الشيعة الذين يقودهم حزب الله مسلَّحًا بترسانة من الصواريخ والرشاشات، وفي الوقت نفسه كانت هناك خطة لاغتيال زعماء الحزب تم إفشالها، وللتغطية على هذه العملية أصدرت حكومة فؤاد السنيورة مرسومًا يقضي بتفكيك شبكة الاتصالات الأرضية لحزب الله، وإقالة مدير أمن مطار رفيق الحريري (مطار بيروت الدولي).
تفكيك الشبكة وإقالة مدير أمن المطار كانا سبَبَي العصيان المدني، وليس الانقلاب على السلطة، كما وصفته قناة عربية موالية لأمريكا واليهود؛ لأن حكومة السنيورة ما زالت قائمةً حتى كتابة السطور، والأماكن التي سيطرت عليها المعارضة الغاضبة سلَّمتها للجيش اللبناني، وبعد وساطة الجامعة العربية تمَّ إنهاء العصيان المدني، وعادت الحياة إلى طبيعتها في بيروت ولبنان، وإن كان ما خلَّفه هذا العصيان من ضحايا ومصابين قد آلَمَ أصحاب الضمير في كل مكان.
ما جرى في لبنان بين السلطة والمعارضة كان خلافًا سياسيًّا بالدرجة الأولى، ولكن شياطين الإنس حوَّلوه إلى صراع بين أهل السنة والشيعة، وراحت أبواق وأقلام تنفخ في نار الصراع على هذا الأساس، وتضع الشيعة في صورة الشيطان الأكبر؛ الذي يفوق في خطورته وضراوته الشيطان الأمريكي والشيطان اليهودي، وكلاهما أذلَّ العرب والمسلمين والسنة والشيعة جميعًا.
إن الشيطان الأمريكي يقتل أهل السنة يوميًّا في أفغانستان والصومال، ويذبح السنة والشيعة في العراق، والشيطان اليهودي يقتل أهل السنة على مدار الساعة في فلسطين، ويحارب الشيعة والسنة في لبنان؛ أي إن القاتل الحقيقي على الأرض هو أمريكا والصهاينة، وهم الغزاة الذين يحتلون بلادنا الإسلامية، ويستنزفون خيراتها وقواها؛ بما يُفقرها ويُضعفها ويجعلها معرَّةَ الأمم، ومع ذلك فهناك من وقَعَ في الفَخِّ، واستنهض الهِمَم، ونَفَخ في الثارات للانتقام من الشيعة ومن حزب الله؛ إنصافًا لأهل السنة وحمايةً لهم!!.
وللأسف فان البعض يتجاهل ما يحدث على الأرض ليقف في الصف الأمريكي الصهيوني.. لقد جاء جورج بوش مجرم الحرب الذي قتل مليونًا ونصف المليون مسلم سنّي وشيعي في أفغانستان والعراق والصومال ودارفور؛ ليقف في الكنيست الصهيوني ويتلو خطابًا توراتيًّا كان من خلاله صهيونيًّا أكثر من الصهاينة أنفسهم، وأكد بتعبيرات شديدة القوة لم يسبق أن وردت على لسان رئيس أمريكي سابق، كما يقول "دوف فايسغلاس" مدير مكتب شارون في يديعوت 18/5/2008م، التزام الولايات المتحدة والشعب الأمريكي بالكيان الصهيوني، وفعل هذا بوافر من المحبة الحميمة والصداقة والدعم، ومع ذلك فإن البعض ينحاز إلى أمريكا والصهاينة، ويتبنَّى الأجندة الأمريكية الصهيونية، ويتصور أنها ضمان بقائه واستمراره.
لقد جاء بوش إلى شرم الشيخ وألقى محاضرةً في السلوك الحميد؛ الذي ينبغي أن يتحلَّى به الحكَّام السنيون العرب، وأكد إصراره على محو حركة حماس السنيَّة وحزب الله الشيعي من الوجود، ولكن القوم ما زالوا يرون في إيران وحزب الله الخطر الأكبر على العرب والمسلمين.
إننا نختلف مع الشيعة في أمور كثيرة؛ أولها التعصُّب الذي أشار إليه فريد الدين العطار في (منطق الطير)، وأوردتُ طرفًا منه في بداية هذه السطور، وثانيها ولاية الفقيه، وثالثها جعل الحسين رضي الله عنه محورَ الإسلام قبل نبيه صلى الله عليه وسلم، فضلاً عن بعض المظاهر التي تُشين الإسلام؛ مثل ما يحدث في احتفالات عاشوراء من ضربٍ للصدور وإيلامٍ للأجساد، ومحاولةِ التبشير بالتشيُّع في البلاد العربية، وغمط حقوق أهل السنة في إيران.
ولكن هذا الاختلاف لا يعني بحال أن نجعل الشيعة هم الأعداء الرئيسيين بدلاً من الصهاينة والأمريكان؛ الذين لا يكفُّون عن قتلِنا وإذلالِنا وسرقتِنا ومنعِنا من القوة والتقدم.
وآن الأوان لأهل السنة أن يكونوا أقوياءَ؛ يأخذون بزمام المبادرة، ويصنعون الأحداث بدلاً من الاكتفاء برد الفعل والبكاء على الأطلال.
معذرةً إلى المماليك!
بعض الكتَّاب يصرون على تشبيه بعض المعاصرين في الانحطاط والفساد بالمماليك؛ لدرجة أن بعضهم راح يهلِّل لما فعله محمد علي باشا حين ذبح بقايا المماليك في القلعة، في الحادثة البشعة الشنيعة الشهيرة، ونسأل الله أن يرزقه وأمثاله بمن يفعل بهم مثل هذه الفعلة، ولكننا ساعتها سنغضب من أجلهم وندافع عنهم لأننا لا نقرُّ القتل أو الذبح!.
المماليك يا سادة لم يكونوا جميعًا فاسدين، كان منهم الأخيار الذين أبلَوا بلاءً حسنًا في الدفاع عن القدس ومصر وبلاد المسلمين، ومنهم: قطز وبيبرس والغوري، وقد تركوا آثارًا فخمةً وعظيمةً تدلُّ على تحضُّرهم وإخلاصهم للوطن الذي احتضَنَهم وآواهم!.
أما المعاصرون الذين لا يُجيدون إلا السرقة المقنَّنة والفساد الرسمي فأمرُهم إلى الله، وعما قريب سيقتصُّ منهم ومن خدَّامهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل!!.
-----------