م. محسن عبد الفتاح القويعي

استطاع الرئيس بوش ومجموعة المحافظين الجدد بزعامة نائب الرئيس ديك تشيني أن يجعل سياسة المحافظين الجدد إستراتيجية لأمريكا، حتى بعد تركه وإدارته الحكم في يناير القادم.
وقد نجح بوش إلى حدٍّ ما في إقناع الإدارة الأمريكية بهذه الإستراتيجية التي من الممكن أن نطلق عليها التوريث الأيديولوجي الخاص بالمحافظين الجدد؛ حيث يريد أن يرغم الإدارة الأمريكية القادمة، سواءٌ أكانت جمهورية أم ديمقراطية، على أن تسير في نفس الطريق الذي سارت فيه إدارته، فبات المسرح العالمي الآن يهيّئ لضرب إيران قبل نهاية ولاية بوش كي تتورَّط الإدارة الجديدة في الحرب بعد رحيل بوش وإدارته، ويكون بذلك بوش قد وضع إستراتيجية جديدة يصعب التخلِّي عنها لفترة زمنية طويلة.
ومن هذا المنطلق يمكننا قراءة التحركات الأخيرة للإدارة الأمريكية في المنطقة على أنها تهيئة للأجواء في إطار هذه الضربة المتوقَّعة.
ففي مؤتمر القمة العربية الأخير قامت أمريكا بالضغط على الرؤساء المعتدلين- بالنسبة لأمريكا- من أجل عدم الذهاب إلى القمة لإفشالها؛ حيث إن دمشق تعتبر ضلعًا رئيسيًّا في الحلف الإيراني، وعلى الرغم من أن الرئيس الأسد لم يقم بدعوة إيران لحضور المؤتمر أصرَّ هؤلاء الحكام على عدم الحضور، وكانت الحجة هي أنه لم يتم انتخاب رئيس للبنان بسبب التدخل السوري في لبنان وعدم ضغطها على المعارضة اللبنانية الضغط الكافي، مع أن الموالاة والحكومة اللبنانية تدعمهما أمريكا والحكام المعتدلون العرب التابعون لأمريكا، وبسبب هذا الدعم لا توافق الموالاة على التفاوض والقبول بحلول مع المعارضة.
وعند زيارة الرئيس حسني مبارك إلى روسيا خاطب إيران قائلاً: على إيران أن يكون عندها شفافية في الموضوع النووي الخاص بها، مع أن المخابرات المركزية الأمريكية قالت إن إيران ليس عندها أسلحة نووية، وقبل ذلك صرَّح السيد محمد البرادعي رئيس هيئة الطاقة الذرية أن الهيئة قامت بالتفتيش على المواقع النووية في إيران ولم تجد سلاحًا نوويًّا أو أية محاولة لتصنيعه في إيران.
واستكمالاً لرحلة روسيا طالب السيد حسني مبارك بمفاعل نووي لمصر من روسيا، وهذا بتشجيع أمريكي، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: لماذا لم تعطِ أمريكا المفاعل النووي لمصر؛ حيث إنها أقرب إليها من روسيا؟! وكذلك الاتحاد الأوربي، بما فيه الدول النووية، مثل فرنسا وإنجلترا، لم يعطِ مصر مفاعلاً نوويًّا؟!.. فلماذا روسيا؟! والإجابة هي أن أمريكا تريد أن تجعل مصر بديلاً نوويًّا لروسيا؛ وبذلك تكون عوَّضت روسيا عما كانت تتقاضاه من إيران بسبب هذه المساعدة النووية؛ وبذلك لا تخسر روسيا ماديًّا، وتكون في نفس الوقت قوَّضت العلاقة بين روسيا وإيران، واستطاعت أن تعزل إيران عن روسيا، لتقف إيران منفردةً أمام الهجمة الأمريكية.. ولكن، هل روسيا بهذه السذاجة؟!.
وعلى الجانب الفلسطيني جاء الرئيس كارتر إلى المنطقة وجلس مع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وكذلك مع السلطة الفلسطينية ممثَّلةً في السيد محمود عباس وجلس مع "الإسرائيليين" لكي يدرس الحالة في الشرق الأوسط ويرفعها للقيادة الأمريكية لكي تبدأ مرحلة جديدة مع حماس يتم فيها عمل هدنة بين الفلسطينيين والصهاينة لكي يهدأ الجانب الفلسطيني بحيث يتم فضُّ التحالف بين حماس وإيران، وهو الثمن المطلوب للتهدئة من قِبل "إسرائيل".
ويُطرح التساؤل نفسه: هل حضور كارتر في هذه الظرف وفي ظل تهيئة الأجواء لضرب إيران كان نوعًا من جَسِّ النبض لحركة حماس حول مدى استعدادها للقبول بهدنةٍ مع الكيان الصهيوني لكي تستمر "إسرائيل" في الضغط على غزة للوصول إلى أقصى المطالب الصهيونية في المفاوضات مع الفلسطينيين، ولعل زيارة كارتر للمنطقة هي محاولة لتهميش الدور المصري في حلِّ المشكلة الفلسطينية و"الإسرائيلية"، ولكن السيد محمود الزهار تمسَّك بدَور مصر في حلِّ القضية وأيَّده في ذلك السيد إسماعيل هنية تمسُّكًا بدَور مصر في حمل الملف الفلسطيني.
وفي السياق ذاته لا تريد أمريكا من تركيا التي يحكمها حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي أن تقف نفس الموقف في حرب أمريكا ضد العراق الذي منعت فيه القوات الأمريكية من المرور عبر حدودها بموافقة برلمانها، وأرادت أمريكا أن تضع السكين على رقبة حزب العدالة، فأثارت المشكلة الدستورية ضد حزب العدالة والتنمية "التي يدَّعي فيها العلمانيون والعسكر أن حزب العدالة والتنمية يقوِّض الأساس الدستوري والقانوني لتركيا باتجاهه نحو الإسلام"، وفي نفس الوقت ذهب الرئيس رجب أردوغان إلى سوريا حاملاً رسالة من "إسرائيل" مفادها الجلاء عن الجولان مقابل السلام المزعوم، على أن تفض سوريا علاقتها بإيران كخطوةٍ ضمن مخطط بوش لتفكيك التحالف حول إيران.
وفي السياق كذلك تقوم الحكومة العراقية مع القوات الأمريكية بضرب الجنوب الشيعي المتاخم لإيران لكي يتم تأمين الجنوب العراقي ضد إيران ومنع إيران من الاستفادة من العمق الشيعي في الجنوب عندما تحاول أمريكا أن تضربها، حتى إن رئيس الوزراء البريطاني جولدن براون الذي أعلن عند تولِّيه السلطة أنه سوف ينسحب من العراق، إذ به يعلن أنه لن ينسحب من الجنوب العراقي، بل أخذ يدعمه كي يكون سندًا للجيش الأمريكي.
وكذلك ساركوزي؛ أراد أن يقف مساعدًا لأمريكا فيخفِّف عنها الضغط في أفغانستان من حركة طالبان، فأرسل جنود الجيش الفرنسي إلى أفغانستان لكي يريح الجيش الأمريكي ويجعله مستعدًّا للحرب ضد إيران.
وفي السياق اللبناني كانت قرارات السنيورة التي تمسُّ أمن حزب الله "شبكة الاتصالات وإقالة مدير المطار" ضمن المخطط الأمريكي لإضعاف حزب الله؛ حتى لا يستطيع أن يقف مساعدًا لإيران حين ضربها، ولكن تلقَّفها حزب الله واستطاع أن يجهض هذه المحاولة الأمريكية الصهيونية؛ ولذلك غضبت الإدارة الأمريكية غضبًا شديدًا؛ ولذلك شنَّت أمريكا جام غضبها على حزب الله ووقفت بكل قوة، مستدعيةً كل القوى الدولية للوقوف بكل قوة مع السنيورة ورفاقه، وبذلك كشفت أمريكا عملاءها في المنطقة؛ ولذلك كان حضور بوش إلى المنطقة في ذكرى النكبة يوم 15 مايو 2008 قرارًا لا بد منه لإثبات تضامنه مع المعتدلين العرب والوقوف بشراسة ضد خط المقاومة الموجود في حزب الله وحماس، وتأكيد مشروعه العدائي ضد إيران.
ولعل مؤتمر الدوحة المنعقد في يوم 16 مايو 2008م لمعالجة المشكلة اللبنانية بأية طريقة أرادت أمريكا منه أن تعلن الحفاظ على عملائها ومخطِّطها في لبنان بدلاً من أن يطيح بهم الشعب اللبناني، "ولا ننسى أن السنيورة أرسل خريطة الاتصالات الخاصة بحزب الله إلى الأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون) التي وصلت بدورها إلى إسرائيل".
يُذكر أن اجتماع حلف الأطلنطي في شهر أبريل 2008 حاولت أمريكا فيه أن تغازل روسيا بعدم موافقتها لجورجيا وأوكرانيا بدخول الحلف الأطلنطي، وكذلك حاولت أن تضغط على روسيا لإزالة الدرع الصاروخي الموجود شرق سيبريا، والذي يبعد آلاف الكيلو مترات عن أوروبا الشرقية ومرمى صورايخ أوروبا كلها ويقترب بشدة من أمريكا.
وكأني أقول إن الصراع أساسًا ليس بين أمريكا وإيران، ولكنه بين روسيا وأمريكا؛ حيث إن روسيا في عهد بوتين أصبح لها ثقل دولي يُحسب حسابه، ولا ننسى أنها الدولة النووية الثانية في العالم، وعليه يكون هدف أمريكا من ضرب إيران هو ضرب العمق الإستراتيجي لروسيا، وكذلك ضرب الأمن القومي لروسيا.. فهل تغفل روسيا عن ذلك؟!
والإجابة بالطبع: "لا"؛ حيث إن المنطقة بضرب إيران- فرضًا- تكون قد خلت من القوى الإقليمية "مصر- العراق- إيران"؛ حيث انسحبت مصر من المعادلة الإقليمية والعربية إلى حد كبير وضربت العراق.. فما هي القوى الإقليمية التي ستحل في هذا المكان؟ وهل روسيا والصين والهند سيوافقون على ذلك؟
ونحن نصرخ: أين المخطط المقابل للدول العربية في هذا الصراع الدولي؟ أم إن الدول العربية مشغولة في ضرب وسحق شعوبها وتقويض كل عناصر القوة فيها لصالح هذا المشروع الأمريكي الشرير؟!!