م. وائل عقيلان

يسمع العالم كله عن مصطلح العودة وحق اللاجئين في العودة إلى وطنهم, وأصبحنا نرى عشرات النظريات في تحليل هذا الحق وحدوده والبدائل المقترحة له، بل حتى وصل البعض في تحليله إلى استبعاد هذا الحق واعتباره حقًّا غير ثابت، وتطرَّف البعض في رأيه إلى اعتباره غير شرعي أصلاً.

 

أما نحن- أهل فلسطين- فقد عشنا هذا الحق في حياتنا وتنفَّسناه في كل ذرة هواء مرَّت فوق تراب أرضنا السليبة منا.. نعيشه ونحن نسمع كل يوم آهات أشجارنا تستنجد كي نغيثها من الأيدي الخبيثة التي تمتد فتقطف خيراتها وتحرم منها من زرعوها.. نعيشه ونحن نعيش كلَّ يوم ظلمًا، ونحن محرومون من حقنا في أن تلمس أقدامنا غبار الأرض التي تحوي في جوفها عظام أسلافنا.

 

لقد ورثت عن جدي رحمه الله بعضًا من الأوراق المهترئة المصفرَّة بمرور الزمن، ولكنها تحوي في حناياها ما يغيظ العدو.. تحمل في حناياها أملاً يتجدَّد كل يوم.. تحمل في حناياها حقًّا يأبى أن يذوب أو يختفي مع الأيام.. تحمل في حناياها عنوان وحجم أرضي وأرض أبي وأعمامي في بلدتي الفالوجا التي سُلبت من أهلها عام 48.

 

لقد ورث أهل غزة عن أجدادهم هذا الحق، سواءٌ أكان بأوراق الأرض أم بمفتاح البيت السليب أو بكليهما معًا, لقد زرع أهلنا فينا حدود الوطن, لقد زرعوا فينا تلاله وجباله ووديانه.. لقد زرعوا فينا رائحة ليمونه.. لقد زرعوا فينا عشق الجلسة في ظل زيتون الضفة.. لقد زرعوا فينا عشق طعم برتقال يافا.. لقد زرعوا فينا فلسطين.

 

لقد زُرعت فينا فلسطين فزرعنا أنفسنا في فلسطين وامتدَّت جذورنا فيها كما امتدت جذورها فينا, فأصبح بُعدُنا عنها موتًا لنا, ما كنا لنترك ترابها حتى إن فارقتنا الروح, ما عدنا نحتاج من الدنيا سوى رضا الرحمن وتراب الأرض الطاهر التي داس عليها الأحبة الذين مضَوا إلى ربهم.

 

نزداد كل يوم قناعةً ألا بديل عن الحق بكامله.. نزداد قناعةً ألا مفاوضات على الوطن والمقدسات, فما كان مستحيلاً في السابق أصبح اليوم على مرمى البصر, ذلك البعبع الذي كان يرهب جيوش العرب المهزومة أصبح يرتجف رعبًا من سماع هدير ألعاب أطفالنا، أقوى دول العالم أصبحت أضحوكةً بيد رجالات العراق, أصبح لدينا جيل يحب صوت الرصاص ويعشق الجنان.. أصبح لدينا جيل نسي مقولة "يا رب.. سلِّمْ سلِّم" وأصبح يحفظ "اللهم ارزقنا الشهادة", ما عدنا نسمع قول "نقسِّم العرب عربَين"؛ فالحق لا يُقسَّم ولا يُجَزَّأ ولا يسقط بالتقادم.. ما عدنا نعترف بحروف اللغة التي تُسمِّي بلادنا بغير اسمها، فلم تعد آذاننا تسمع إلا تل الربيع، وحذفنا من عقولنا تل أبيب.

 

نزداد قناعةً كلَّ يوم أن "إسرائيل" لم تحاربنا حقًّا, لم تحارب جيش المسلمين الحقيقي؛ فمنذ زمن بعيد ونحن المسلمين ليس لنا جيش يحمي حدود الدولة الإسلامية, وما حاربته "إسرائيل" في الماضي إنما هي خيالات جيوش؛ لم تُعدّ للحرب ولا للقتال، فهزموا أنفسهم قبل أن تهزمهم "إسرائيل", أما ما تحاربه "إسرائيل" وأمريكا اليوم برغم ما يسبِّبه لهما من أذى وألم وإهانة أنما هو بعضٌ من المتطوِّعين الذين نذروا أرواحهم للجهاد في سبيل الله، ولمَّا يتكون الجيش بعد ولتعلم "إسرائيل" ومن خلفها أن الجيش لا محالة سيخرج إلى النور، وسيبدِّد الظلام ويبدِّد معه أحلام بني صهيون في دولة النهرَين.

 

إن مَن يجري خلف السلام تائهًا في صحراء الفكر والأيديولوجيات إنما يجري خلف سراب لن يناله منه سوى بعض المال وبعض المناصب والكثير من احتقار الناس وعدم احترامهم والأكثر من غضب الله وغضب رسوله.

 

إن من يبيع الأرض إنما يبيع ما لا يملك, ومن يتخلَّ عن حقه في العودة إنما يخون أحفاده ونفسه قبل أن يخون غيره, ونحن ما كنا- ولن نكون- خونةً لديننا ووطننا مهما جارت علينا الدنيا.

 

حقنا في العودة ثابت, وحقنا في ظل زيتونتنا ثابت, وحقنا في طعم برتقالتنا ثابت, وحقنا في رائحة زهر لوزتنا ثابت، وحقنا في أن ندفن أجدادنا في أرضنا ثابت, وحقنا في أن يدفننا أولادنا في أرضنا ثابت, ونحن لن نبيع هذا الحق أو نفاوض عليه.

 

(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء: من الآية 7).

--------

* كاتب وباحث فلسطيني