ظلت القوى السياسية وفي القلب منها الإخوان المسلمون طوال 2004/ 2005/ 2006 يحاولون جذب الجماهير لمشروع الإصلاح السياسي كمدخل لإصلاح الأوضاع المتردية في مصر، وظلت الجماهير مشغولةً بلقمة العيش غير مدركة للعلاقة الوثيقة بين الإصلاح السياسي والحياة الكريمة، وظل الإخوان المسلمون، كما ظلت حركة كفاية تُقيم مظاهراتها ومؤتمراتها؛ دفاعًا عن الحريات العامة والشأن العام محاولين شق أخاديد في حائط الانسداد السياسي الذي تمخض عنه هذا الوضع المتأزم .. لكن سرعان ما جرى ردم هذه الأخاديد.
فالحزب الوطني (وجماعة المستفيدين منه) لا يعرفون سوى أن يعيشوا في الوطن وحدهم "سلطة وثروة دون مشاركة ولا محاسبة"، فهم لا يريدون أحزابًا (حقيقية) ولا قوى سياسية لها جذور في الشارع, ولا نقابات ولا اتحادات (تُمثل المهنيين والعمال والطلاب وتتحدث باسمهم) ولا صحفًا مستقلةً (إلا تحت التهديد بالحبس)، والتعيينات فوقية من العمد إلى العمداء إلى رؤساء الجامعات (وفقًا للولاء والثقة بصرف النظر عن الكفاءات)، كما أن الاختيارات عسكرية وأمنية من رؤساء الأحياء والمدن وحتى المحافظين ووكلاء الوزارات.
وظللنا نحن نتحدث عن قانون الطوارئ والمحاكم العسكرية والاعتقالات السياسية غير المبررة، وظلت مطالبنا تدور حول السلطة القضائية المستقلة والانتخابات الحرة الشفافة وحقوق إصدار الصحف وتكوين الأحزاب وتأسيس الجمعيات وحقوق التجمع والتظاهر والإضراب كل هذا في محاولة لتكوين رقابة ومساءلة شعبية لأداء الحكم تحد من مظاهر الفساد والاستبداد.
وظلت الجماهير غير مبالية بكل هذه المطالب؛ لأنها مشغولة عن كل هذا الترف بالكدح وراء لقمة العيش وخائفة كذلك أن تشارك في أي شأن عام فتعاقب في لقمة العيش، وتنازلت الجماهير حتى عن حق المسكن وحق الرعاية الصحية وحق الخدمات التعليمية وحق الحياة في شارع نظيف من أجل لقمة عيش وشربة ماء.
ثم بدأت الجماهير تشعر المعاناة والتهديد حتى في لقمة العيش.. فبدأت تدافع عن مطلبها الأدنى وشهد 2007/2008 مئات بل آلاف التظاهرات والاحتجاجات والإضرابات والاعتصامات من كل الشرائح، المعلمين.. العمال.. الأطباء.. أساتذة الجامعات.. من أجل لقمة العيش التي صارت مهددة "ارتفاع أسعار مقابل تدني الأجور".. وظل رئيس الوزراء يعلن ارتفاع معدل النمو الاقتصادي بينما أساتذة الجامعات يضربون من أجل لقمة العيش (ولم لا وهم بالكاد يتجاوزون خط الفقر المعرَّف دوليًا بـ2 دولار للفرد في اليوم.. أي حوالي 2000 جنيه مصري للأسرة خمسة أفراد) هؤلاء أساتذة الجامعات فما بال غيرهم.
بدأت احتجاجات القطاعات المختلفة تتزايد وتحقق قدرًا ضئيلاً من المكاسب المحدودة أو وعودًا تحاول أن تسكن الغضب دون معالجة أسبابه.
أخيرًا انضمت القوى السياسية للمطالب الاجتماعية وانجذبت هي مع الجماهير للدفاع عن لقمة العيش- بعد أن فشلت في جذب الجماهير للإصلاح السياسي والدفاع عن الحقوق والحريات العامة- فجاءت الدعوة لإضراب 6 أبريل وتكررت الدعوة في 4 مايو.
العلاوة الاجتماعية
جاء إعلان السيد الرئيس عن أن العلاوة الاجتماعية التي ظلت طوال السنوات السبع الماضية بين 10 إلى 15% قد زيدت هذا العام إلى 30% لمعالجة الارتفاع في الأسعار، خطوة اعتبرها البعض استباقية لتحول دون التجاوب مع إضراب 4 مايو واعتبرها آخرون إقرارًا بحالة الاحتقان الشديد نتيجة تدني الأجور في مقابل ارتفاع الأسعار، ورحب بها آخرون آملين أن تكون مقدمةً لإصلاحات كثيرة في المجالين السياسي والاجتماعي، رغم أن البعض تخوف من النتيجة الطبيعية لزيادة أجور دون زيادة حقيقية في التنمية والدخل القومي تؤدي للتضخم وارتفاع الأسعار طبقًا لآليات السوق.
ورغم شفقة الكثيرين على الشرائح التي لن تستفيد من هذه العلاوة، ومن ثم تزداد معاناتها (البطالة وخريجي الخصخصة؛ أي معدومي الدخل وليس محدودي الدخل)، ورغم أن الـ30% من جانبٍ هي دون الارتفاع الشديد في الأسعار الذي حدث في العام الفائت ورغم أن المشكلة الحقيقية هي أصل المرتبات المتدنية وليست العلاوات.. فأصل المرتبات يحتاج إلى 200 إلى 400% لمعظم الشرائح للوصول إلى خط الفقر الذي أشرنا إليه.
مجلس الشعب يقر علاوة البنزين
مساء الأحد 4 مايو، على غير العادة أنهى الدكتور سرور جلسة المجلس قبل الساعة السادسة ولم تعقد اللجان جلسات مسائية، وبدا أن هناك اجتماعًا خارج المجلس (مجلس آخر مواز) لنواب الحزب الوطني لمناقشة حدث جلل، في صباح الإثنين 5 مايو كان المجلس (على غير العادة) على آخره؛ حيث احتشد نواب الحزب الوطني وحضر الجميع بمن فيهم المسنون والمرضى وجلس شباب بشرفة المجلس يحصون من حضر ومَن تخلف، فجأةً وبالمخالفة للائحة المجلس تم توزيع تقرير لجنة الخطة والموازنة (ساخنًا)، وتم تعديل جدول المجلس لمناقشة تقرير اللجنة (لم يعرف أحد متى انعقدت اللجنة ومتى أصدرت هذا التقرير)، بالقراءة السريعة للتقرير الذي تضمن مشروع قانون:
أ- يقر علاوة اجتماعية لموظفي الدولة 30% (تحتاج لمبلغ 1.1 مليار جنيه).
ب- يقر علاوة اجتماعية لأصحاب المعاشات 20% بحد أقصى 100 جنيه تحتاج لمبلغ (600 مليون جنيه).
ج- يقر زيادة في مرتبات موظفي الإدارة المحلية بنسبة 75% تحتاج إلى مبلغ 400 مليون جنيه.
د- يزيد دعم البطاقات التموينية بمبلغ 200 مليون جنيه.
(إذًا مجموع المبلغ المطلوب لتدبير موارد لكل هذه الزيادات 2.3 مليار جنيه).
لكن الطامة الكبرى كانت في:
- رفع أسعار السولار والكيروسين والبنزين/ رفع ضريبة مبيعات على السجائر/ فرض ضرائب على المدارس الخاصة/ زيادة ضرائب على الطفلة المستخدمة في الأسمنت والطوب/ قروض خارجية جديدة، والمبلغ المتحصل من هذه الزيادات (بحجة تدبير موارد للعلاوة الجديدة) يزيد على 26 مليار جنيه وليس 2.3 مليار، إذًا حكاية العلاوة كانت "سبوبة" لرفع الأسعار لسد عجز الموازنة بالدرجة الأولى.
* وقف نواب الإخوان والمعارضة والمستقلين في محاولة مستميتة لتأجيل المناقشة الباطلة لمخالفتها للائحة التي تنص على وجوب تسليم التقرير وتقديم طلب الكلمة للمناقشة قبل 48 ساعة على الأقل.
وقف أشرف بدر الدين نائب لجنة الخطة والموازنة يؤكد أن اللجنة انعقدت سرًا، وأن هذا التقرير لم يطلع عليه حتى أعضاء اللجنة، وأنه لا يجوز مناقشة التقرير قبل 48 ساعة من توزيعه على الأعضاء فإذا بالدكتور سرور يأخذ تصويت الأغلبية المحتشدة على جواز مناقشة التقرير بالمخالفة للائحة، سُئل الدكتور سرور هل من حق الأغلبية أن تصوت على شيء مخالف لنص اللائحة أو الدستور فأجاب هو طبعًا لا، ولكنه أخذ بقرار الأغلبية وبدأ الجلسة.
وقف النائب مصطفى محمد يحتج على مخالفة الحكومة للدستور؛ لأن أسعار البنزين الجديدة بدأ تنفيذها قبل أن يناقش المجلس الموضوع، كل هذا بينما كان المهندس أحمد عز رئيس لجنة الخطة والموازنة يقرأ التقرير لتبدأ المناقشة بالمخالفة للائحة والدستور وكل شيء.
أعطيت الكلمات لنواب الحزب الوطني (الذين اجتمعوا بالأمس وفرضت عليهم الموافقة) فتباروا في شكر الرئيس والحكومة على العلاوة دفاعًا عن الفقراء ومحدودي الدخل!!
وقف نواب الإخوان والمعارضة يؤكدون:
1- أن رفع أسعار البنزين والسولار سيؤدي لرفع كافة أسعار نقل الركاب ونقل البضائع مما سيزيد كافة أسعار السلع ليكتوي بها الفقراء ويبتلع أضعاف قيمة العلاوة.
2- أن لجنة الصحة بالمجلس كانت تطالب منذ سنوات بزيادة سعر علبة السجائر عشرة قروش لتمويل (الرعاية الصحية والتأمين الصحي) وكانت الحكومة ترفض، واليوم ترفع الحكومة سعر علبة السجائر 25 إلى 100 قرش ليس من أجل الرعاية الصحية ولكن من أجل سد عجز الموازنة.
3- أن فرض ضرائب على المدارس الخاصة سيزيد أعباء أولياء الأمور وليس أصحاب المدارس، والتعليم الخاص لم يعد شأن المترفين والأثرياء بل الطبقة المتوسطة كلها لأنه لا يوجد تعليم حكومي أصلاً.
4- ضرورة تعديل علاوة أصحاب المعاشات لتكون 30% كباق الموظفين بالدولة إذ إن ارتفاع الأسعار يكتوي به الجميع بنفس القدر، أو على الأقل لا داعي لوجود حد أقصى للعلاوة (بـ100 جنيه).
5- أن هناك بدائل كثيرة لتمويل العلاوة وسد عجز الموازنة بلا أعباء على المواطنين مثل:
أ- يمكن تحصيل مبلغ 60 مليار جنيه متأخرات للحكومة منها 37 مليار فقط على كبار رجال الأعمال بمأمورية ضرائب كبار الممولين.
ب- يمكن تحصيل 6 مليارات جنيه متأخرة (على الصحف القومية).
جـ- يمكننا وقف تصدير الغاز لإسرائيل الذي يباع بعُشر قيمته في الأسواق وهذا وحده سيوفر:
- (10) مليارات جنيه تدفع سنويًا محليًا لأنابيب البوتاجاز إذا تحولت المنازل المستخدمة له إلى الغاز الطبيعي بدلاً من إسرائيل.
- (30) مليار جنيه تدفع سنويًا محليًا لدعم المازوت إذا تحولت المصانع والمخابز ومحطات الكهرباء المستخدمة له إلى الغاز الطبيعي بدلاً من إسرائيل.
- قرابة 40 مليار جنيه يمكن توفيرها إذا تم تعديل سعر الغاز لإسرائيل ليكون عشرة دولارات (كما هو سعر السوق) بدلاً من 1.5 دولار للمليون وحدة حرارية.
كالعادة رُفضت كل الاقتراحات التي قدمها نواب الإخوان والمعارضة وأصرت الأغلبية الميكانيكية للحزب الوطني على مشروع الحكومة، كما هو دون تعديل، ثم خرجت الحكومة وقد غسلت يدها من جريمة رفع الأسعار وتصدر الصحف في الصباح تقول إن مجلس الشعب قد أقر مشروع الحكومة لدعم العلاوة الاجتماعية ورفع بعض الأسعار!!!.
ويضغط رجال الأمن والحكومة لضمان استقرار الأسعار لبضعة أيام ثم يحدث انفجار الأسعار الذي يطال كل شيء ليبتلع العلاوة وعشر علاوات مثلها.
كالعادة يقوم مجلس الشعب (من خلال الأغلبية التصويتية للحزب الوطني) بهذا الدور ليتحمل أوزار الحكومة ويبريء الحكومة من جريمة رفع الأسعار كما برأها من جريمة مجاعة الخبز وجريمة أزمة مياه الشرب من قبل، وكما برأها من جريمة قتل 1400 في عبارة الموت، وكما برأها من جريمة بيع الغاز مجانًا لإسرائيل، وكما برأها من أزمة الموت في القطارات.
وكما سيبرأها من جريمة تمديد الطوارئ لتكمل مسيرة 30 سنة طوارئ.
فهل تعي الجماهير الدرس الذي يؤكد أن العلاقة وثيقة بين معركة الانتخابات (التشريعية والمحلية) والتعديلات الدستورية وتزوير الانتخابات وإحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية وغير ذلك من معارك الإصلاح السياسي وبين لقمة العيش الذي بدأت تنتفض من أجلها.
هذا الوعي هو واجب القوى السياسية عمومًا وواجب الإخوان المسلمين بصفة خاصة وليس أمامنا سوى نشر الدعوة والفكرة التي من مفرداتها.. "نحن ندعو إلى الإسلام الذي جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم- والحكومة الصالحة جزء منه والحرية فريضة من فرائضه"، "متى وجدنا الحكم الصالح العادل الرشيد فنحن أنصاره وأعوانه، ومتى فقدناه فنسعى جاهدين لتحقيقه"، ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء: من الآية 5)، "لا بد من تغيير العرف العام وتكوين جيل جديد من المؤمنين بفكرة الإصلاح الذين يقدمون المصلحة العامة على المصلحة الخاصة".