استعدَّت الأوساط الصهيونية في العالم لإحياء الذكرى الستين لقيام "إسرائيل"، وشكَّلت لجانًا ليكون هذا الاحتفال لائقًا بدولةٍ زُرِعَتْ على جثث شعبٍ وفرضت نفسها على جسد أمةٍ ودخل السرطان في هذا الجسد رغم كل المقاومات، وراح السرطان ينخر في هذا الجسد حتى أصبح سلوك الجسد سرطانيًّا؛ أي يأكل بعضه بعضًا وتهاجم أعضاؤه أعضاءه الأخرى.

 

وكان واضحًا أن حارس هذا الجسد العربي هو مصر، ولكن العملية الجراحية التي أجريت لها على مستوى القرار واستأصلت منها على هذا المستوى معايير التمييز بين ما ينفعها وما ينفع الفيروس المهاجم لها, ونقصد بها اتفاقية السلام عام 1979م, قد تفاعلت وآتت أكلها، فأصبح قلب القيادة في مصر على "إسرائيل" وأصبح أمن "إسرائيل" مقدَّمًا على أمن مصر رغم الترديد الدائم بالحرص على الأمن القومي المصري, فأصبح اعتداء "إسرائيل" المتكرِّر على هذا الأمن أمرًا مستباحًا، وأصبح الإعلان عن قتل مصري في مصر داخل الحدود على أيدي الصهاينة أمرًا لا يمس الأمن القومي المصري أو السيادة المصرية, وأصبح الحرص على أمن "إسرائيل" شغل مصر الشاغل.

 

في ظل هذه الحماية المصرية، أيًّا كان مبرِّرها لـ"إسرائيل", سواءٌ أكان اتقاء شرٍّ أخطر, أو خوفًا من واشنطن أو هلعًا نفسيًّا أنزله الله في قلوب الكثرة المصرية لصالح القلة اليهودية المؤمنة أو كان بسبب تخدير اليهود لزعماء مصر، فأوقعوهم في عشقهم, نقول: أيًّا كان السبب في نزع الشعور بالكرامة وانتزاع عرق النخوة والرجولة التي ظهرت في مواضع ومناسبات عدة، ولولا هذا النزع، لكان لمصر موقف مخالف مع "إسرائيل".

 

وكنتُ أشعر دائمًا أن الخضوع المصري الكامل لنزوات "إسرائيل" والحديث في نفس الوقت عن دورٍ مصري تسمح به "إسرائيل" لمصر وحالة الذل التي يشعر بها كل المصريين لا تكفي, وإنما تفكِّر مصر في مكافأة "إسرائيل" بمناسبة ميلادها الستين وبلوغها سن النضج, وهي التي تتمنَّى وتسعى إلى كل شرٍّ لمصر وللمصريين، وأسعدها كثيرًا أن ترى هؤلاء الأعداء الأشرار الضحايا في الواقع يسقطون ضحايا رغيف الخبز بدلاً من الاستشهاد ودفاعًا عن الكرامة ضد "إسرائيل".

 

ولم يخب ظني؛ فقد ادخرت الحكومة الهدية الكبرى، وهي الغاز الذي يُضَخُّ إلى "إسرائيل"، مع بدء الاحتفال بعيدها الستين, في الوقت الذي تعاني فيه أحياءٌ في العاصمة ومدن وقرى في مصر من الحرمان من الكهرباء والغاز وتستورد مصر أنواعًا من الغاز, وتمارس "إسرائيل" ضد غزة إبادةً من كل صنف، بما في ذلك قطع الطاقة والكهرباء التي تزوِّدها مصر بمقومات إنتاجها.

 

والطريف أن الغاز يُباع لـ"إسرائيل" بربع تكلفة إنتاجه، أي أن مصر تدعم المواطن "الإسرائيلي" بخمسة دولارات فرق سعر البيع عن تكلفة الإنتاج مضروبًا في 2 مليار متر مكعب كل عام، أي 10 مليار دولار سنويًّا، أي 200 مليار دولار خلال مدة العقد وهي عشرون عامًا، بل إن المبلغ يضرب مرةً أخرى في 9 دولارات الفرق بين تكلفة الإنتاج وسعره في السوق العالمي اليوم، أي أن مصر تدفع لـ"إسرائيل" نقدًا ما يساوي 28 مليار دولار في العام، أي 560 مليار دولار خلال العشرين عامًا القادمة.

 

هذه الصفقة مسكونة بآلاف الأسئلة الحرجة؛ أقلها التواطؤ مع العدو الصهيوني من قوت الشعب المصري، وهذه جريمة تحتاج إلى توصيف قانوني جديد بعد أن تلاشت جريمة الخيانة العظمى من قاموس التعامل بين مصر و"إسرائيل".

 

فأيهما قدَّم الهدية الأجمل والأكثر فائدة: مصر أم أمريكا التي اكتفى مجلسَا الكونجرس فيها بتهنئة "إسرائيل" وشعبها على الصمود في وجه البرابرة؟! ولكن الكونجرس الأمريكي يعلم أن ما قدَّمته مصر مضاف إلى ما قدَّمته واشنطن؛ لأنه لولا واشنطن وعلاقات مصر الإستراتيجية معها لما قدَّمت مصر هذه الهدية التي لا تُقدَّر بثمن.

 

هل يمكن أن تفسر لنا الصفقة تصريح أولمرت الذي نقلته كل الصحف العبرية وهو يوبِّخ وزيرة خارجيته التي قرَّرت منع أبو الغيط من دخول "إسرائيل" وأنه شديد الامتنان لمبارك ويريد له طول البقاء ولا يدري ماذا كانت "إسرائيل" ستفعل لو لم يكن طوال هذه الفترة على رأس مصر؟!! وما دامت تلك هي مشاعر قيادة مصر إزاء "إسرائيل".. فماذا سيقول التاريخ بعد زوال "إسرائيل" إن عاجلاً أو آجلاً؟!!

 

رحم الله الزمن الذى كان الاستماع فيه إلى إذاعة "إسرائيل" من جرائم أمن الدولة.