م. وائل عقيلان

 

كنتُ قد كتبتُ مقالةً أتحدَّث فيها عن المقاومة وصمودها وتحديها للمحتل وتحديها لرغبات السادة الذين يحكمون الضعاف في العالم، ولكنني، وبعد أن استمعت إلى عددٍ من الشهادات ومررتُ بتجربةٍ أدمت القلب وأبكت العين، آثرت أن أعود إلى الكتابة لمَن لا زال فيهم نخوة, لمَن لا زالوا يؤمنون بالله؛ أُحذِّرهم فيها من ذلك الخطر الداهم.

 

كثيرًا ما نسمع بالشيخ فلان والعالم فلان والقناة الفضائية كذا والمحطة الإذاعية كذا, كثيرًا ما نسمع المدافعين عن رسول الله قولاً لا فعلاً, وكثيرًا ما نسمع كلمات المديح لصمود الشعب الفلسطيني، وكثيرًا ما نرى وقفات إعلامية مع المظلومين في الأرض.

 

لكن، والحمد لله، وجدنا أكثرهم كاذبين؛ فلا هم يهتمون لرسول الله ولا لغير رسول الله, العلماء الذين يحملون علمًا "في عقولهم وليس صدورهم" تأبى نفوسهم إلا أن تمضيَ بهم سنة العصر الحديث من توغُّل الرعب في صدورهم خوفًا من قول كلمة حق في وجه سلطان جائر أو حتى رعب من قول كلمة حق لله وحده ولو كان سرًّا بينهم وبين خالقهم.

 

مَن يمتنعون عن الإفتاء بدعم الشعب الفلسطيني, مَن يمتنعون عن المطالبة بالنداء للجهاد إلا بإذن ولي الأمر (الذي من المفترض أن أمريكا ستوليه علينا), مَن يُطلقون لِحاهم تماشيًا مع سنةِ رسول الله ويحاربون أنصار رسوله الله, مَن تبدو البشاشةَ على وجوههم ويبدو التأثر والبكاء السريع من صفاتهم وهم والله يملكون أقسى القلوب وأقلَّها نبضًا وحنانًا لبني الإنسان.. أولئك لا بد أن نحتاط منهم؛ فهم والله أخطر علينا من حكامنا، فهم والله مَن يخذلون الأمة عن نصرة دينها؛ فهم والله أصحاب فتاوى إرضاع الزميل وتقبيل الزميلة, هم والله أصحاب فتاوى نصرة المظلومين من الأمريكان على الظالمين من الإرهابيين المسلمين.

 

ما دفعني إلى قول هذا كله ما شهدتُه وسمعتُه من أقوالٍ جميلةٍ وخطبٍ رنانةٍ من الكثير من الخطباء أصحاب الأفواه الناطقة بالعربية والقلوب الناطقة بغير دين الله الصحيح, أولئك الخطباء الذين يُحرِّفون الحق عن طبيعته, أولئك الخطباء الذين يفرضون علينا حصارًا.

 

ما دفعني إلى قول ذلك ما شهدته من بعض الجمعيات الخيرية وكذلك الاجتماعية والمناصِرة لدين الله والمدافعة عن رسوله (طبعًا زورًا وادعاءً) من حصار وعدم قبول للتعامل مع أهل فلسطين, ويبدو أن "البعبع" الأمريكي قد ظهر لهم في أحلامهم على هيئة إبليس، فأوصاهم بوقف التعامل مع مسلمي غزة، ويبدو أيضًا أنهم قد أشاعوا أن رسول الله قد أمر بذلك، وبالتأكيد هم على وشك أن يكتبوا حديثًا على لسان رسول الله يؤكِّدون فيه ذلك, بل يوجب عليهم التعامل مع مسيحيي أمريكا وأوروبا من باب تأليف القلوب.

 

ما دفعني إلى قول ذلك كله ما شهدتُه من ركودٍ في كثيرٍ من أسواق العمل الفلسطيني التي تتعامل مع العرب والمسلمين بالخارج، برغم صعوبة أحوال الفلسطينيين؛ فقد أوفوا بأعمالهم، لكن العرب استجابوا للحصار بضمير راضٍ وقلب سعيد، فرفضوا التعامل مع أهل غزة, رفضوا أن يمدوهم بما يبقيهم أحياء, ورفضوا حتى أن يبادلوهم تجارة بتجارة, والحمد لله.. كانوا قد رفضوا مسبقًا أن يزوِّجوهم أو أن يتزوَّجوا منهم.

 

لك الله يا رسول الله؛ فقد حاصرك عمك وبنو عمومتك، ونحن يحاصرنا الآن مَن يتشابه حمضهم النووي معنا وإن اختلفت العقيدة في بعض جوانبها.. لك الله وأنت لا تجد ما توقد به نارًا في حصارك ونحن الآن لا نوقد نارًا في حصارنا.. لك الله يا رسول الله والمنافقون يدورون حولك بالأراجيف ونحن يدور حولنا الناطقون بنفس اللغة؛ يؤلِّبون القوم علينا ويخذلونهم عن نصرتنا.

 

سيستمر وجود أمثال هؤلاء المتخاذلين المتعلقين ببعض قشور الدين لنَيْل ثمرة الدنيا.. سيستمرون يكنون العداء والكراهية للمخلصين من أنصار دين الله.. سيستمرون في ضعفهم وسيستمر المؤمنون في قوتهم, وسيذهب عمل هؤلاء هباءً وسيبقى عمل المخلصين ذخرًا لهم؛ لدينهم وأوطانهم. ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: 104).

---------

* كاتب فلسطيني