الصورة غير متاحة

 د. حامد أنور

رأيتها تبكي، تذرف الدمع أنهارًا، سمعتها ترثي، فتروي من قصص الحب أخبارًا.. فيض الحنين في جسدها يسري، فينقش في العين أسرارًا وأسرارًا.. ترتعش يداها، تتلفَّت حواليها، يهفو قلبُها إلى سفينة تظهر من بعيد؛ ترسو على شاطئ الأحزان المديد، تعود بها إلى بنيها.. إلى أهليها.. إلى حواريها من جديد؛ إنها مصر المختطفة، تبحث عن شعبها الشريد!.

 

لقد اختُطفت مصر يوم أن قام محمد علي عام 1808م بفرض ضرائب على الشعب المصري، وطلب من الشيخ عمر مكرم أن يقوم بالموافقة عليها، فرفض، فقام بعزله وأتى بالشيخ السادات؛ لأنه كان طوعًا له فوافق عليها.

 

لقد اختُطفت مصر يوم أن تحالفت أسرة محمد علي مع فرنسا، وتم حرمان الشعب المصري من حقه في اختيار من يحكمه؛ فلقد صرَّح لأحد زوَّاره عام 1840م بقوله: "سواءٌ ساعدتني فرنسا أو لم تساعدني سأظل ممتنًّا لها.. سأظل طوال حياتي مقدِّرًا وشاكرًا لما فعلته من أجلي، وسوف أورث هذا إلى أبنائي وسأوصيهم بأن يظلوا دائمًا في حماية فرنسا" (روبير سوليه: مصر ولع فرنسي، الكتاب صفحة 73).

 

لقد اختُطفت مصر يوم أن صدر دستور جمال عبد الناصر في 16 يناير 1956م، والذي أسس لمفهوم دولة هوبز؛ ذلك الفيلسوف الإنجليزي المولود في 5 أبريل عام 1855م؛ فقد أعطى عبد الناصر لنفسه بموجب هذا الدستور الفاشي صلاحية حلِّ مجلس النواب، وتعيين رئيس الوزراء والوزراء، وتعيين كل الوظائف المدنية والعسكرية، كما أنه طوال فترة حكمه فرض الرقابة على كل أدوات المناخ الثقافي، من صحف ومجلات وكتب وإعلام مرئي أو مسموع.. يقول ول ديورانت محدِّثًا عن هذا الفيلسوف الإنجليزي وتصوره السياسي للدولة: إنه ينصح بأن تكون سلطة الحاكم سلطةً مطلقةً، معتقدًا في نظره أن هذا يجلب الاستقرار والأمن، وهذا أكبر خطأ؛ لأن ما عرضه هوبز يؤدي إلى انتشار الفوضى وظهور بؤر التوتر داخل المجتمع من حين لآخر.

 

إن التنكيل بالشعوب لا يجلب أمنًا؛ فيقول: "إن الديمقراطية لا تعدو أرستقراطية خطباء، فما أسهل أن يهيِّج زعماء الدهماء مشاعر الشعب، ومن ثم كان لزامًا أن تمارس الحكومة الرقابة على الخطابة والصحافة، وينبغي أن تكون هناك رقابةٌ صادقةٌ على المطبوعات والواردات وقراءة الكتب، ولا ينبغي أن يكون هناك جدلٌ عقيمٌ حول الحرية الفردية والآراء الخاصة والضمير، وينبغي أن يقتلع من الجذور ما يهدد سيادة الملك ومن ثم السلام العام" (ول ديورانت: قصة الحضارة، المجلد السابع عشر).

 

لقد جعل سيادة الملك هي السلام العام، إننا نرى أن سلامة الشعب هي السلام العام، إنهم يخنقون الشعب، لا يريدون له أن يفكر.. أن يكون له رأي آخر.. إنها سياسة ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى﴾ (غافر: من الآية 29)، وينصح هوبز الحاكم أن يحكم دين شعبه، وأنه يجب على المشرِّعين أن يُشيعوا الاعتقاد بأن الأشياء التي تُغضِب الآلهة هي نفسها التي حرَّمها القانون، وهذه أشياء استخدمها الرومان لخداع الشعوب؛ فيجب أن يكون الدين أداةً للحكومة، وبناءً عليه يفرض الملك مبادئ الدين وتعاليمه، وإذا كانت الكنيسة مستقلةً، يقصد المؤسسة الدينية، فإنه يكون هناك ملكان، وستكون للكنيسة اليد العليا؛ لذلك يجب أن تكون خاضعةً للدولة، كما ينصح البرلمان بأن يكون خاضعًا للحاكم؛ حتى لا يحدث بينهما نزاع؛ فلا ينبغي أن يكون هناك فصل بل وحدة كاملة وتركيز تام للسلطات في يد الحاكم (ول ديورانت، قصة الحضارة، المجلد السابع عشر).

 

وهل تلك السلطات التي منحها عبد الناصر لنفسه تختلف عن السلطات التي منحها الملك فؤاد لنفسه في دستور 1923م؟ إنها نفس السلطات.. لقد استبدلنا ملكًا مستبدًّا بآخر يسمِّي نفسه "رئيس الجمهورية"؛ ففي المادة 38 من دستور 1923م "للملك حق حل مجلس النواب"، إذن فمن يحاسبه؟ من ينصحه؟ من يقوِّمه؟ وهو البشر الذي قد يخطئ!!.

 

والمادة 43: "الملك ينشئ ويمنح الرتب المدنية والعسكرية والنياشين والألقاب الأخرى".

وفي المادة 45: "الملك يعلن الأحكام العرفية".

والمادة 46: "الملك هو القائد الأعلى للقوات البحرية والبرية، وهو من يعلن الحرب، ويبرم المعاهدات، ويعقد الصلح".

والمادة 49: "الملك يعيِّن وزراءه ويقيلهم".

فما الفرق بين عبد الناصر والملك فؤاد؟

 

ومما يزيد المرارة في الحلوق أن هذا الأمر استمر في دساتير مصر بعد ذلك.

لاحظ أنه في التاريخ الإسلامي لم يكن لعمر بن الخطاب نفسه رضي الله عنه هذه الصلاحيات؛ بل إن عمر كان يعزل الولاة ويعيِّنهم بناءً على رغبة الرعية؛ فضلاً عن استقلال السلطة التشريعية عن مؤسسة الخلافة، كان يحمي من الاستبداد؛ مما جعل العلماء طيلة التاريخ الإسلامي لم يخضعوا إلا لما يقوله القرآن والسنة.

 

إننا نرفض التصور السياسي للدولة المدنية التي وضعها هوبز، والذي يجعل الشعوب مجموعةً من الرقيق مرتهنةً لدى الحاكم؛ اشتراها من سوق النخاسة، نريد دولةً مدنيةً، يكون فيها للشعب الحق في أن يقول رأيه.. أن تتاح له كل وسائل التعبير، لقد كان الرسول الموحى إليه من السماء يستشير صحابته، وهناك الكثيرون ممن خالفوه الرأي، بل إن الجارية "بريرة" رفضت تدخُّله لإعادة زوجها "مغيث" إليها، فلم يعنِّفها ولم يتوعَّدها، وفي غزوة الخندق أخذ برأي سلمان، ونهَر معاذ حين أطال على الناس في الصلاة، فما لهوبز يريد أن يكمِّم أفواهنا.. أن يحبس أنفاسنا؟!

 

لقد خرج هوبز من رحم أمه قبل أن يكتمل أوان حملها، لم يتحمَّلْه رحمها المسكين، فما الذي يدفع شعوب المنطقة كلها أن تتحمل أفكاره الخانقة؟!

إن الشعوب تريد الحرية؛ فلا تحُولوا بينها وبين غايتها.

 -----------

d.hamedanwar@yahoo.com