ماذا كان يمثل (سامي الحاج) لدى الجنرال الحجري برويز مشرف؟؟ عربي، مسلم، مصور صحفي.
ماذا كانت تمثل تلك المسميات أمام رغبة الجنرال في استغلال غبار الحادي عشر من سبتمبر للعب على أحبال المواءمات لفرض واقع استئثاره بالحكم بعد انقلاب عسكري على رئيس وزراء منتخب بطريقة ديمقراطية وحليف قوي لواشنطن؟
لا شيء!
اختطف مشرف سامي الحاج من الحدود الباكستانية الأفغانية وأعطاه لواشنطن هديةً مغلفةً بالتذلل والطموح، فنقلته إلى معتقل جوانتنامو الرهيب وبدأت معه الرحلة (اتهامات نمطية على الطريقة العربية بالاشتباه في تقديمه مساعدات لتنظيم القاعدة بحكم تعاطفه معها).
تعرض الحاج لانتهاكات مروعة وضع أثناءها أمام خيارات متدرجة لا تختلف عن الحالة المزاجية المتدرجة أيضًا للولايات المتحدة على مدار ست سنوات:
1- العمل مرشدًا وعينًا على قناة "الجزيرة" وطاقمها لصالح الولايات المتحدة.
2- مغادرة المعتقل مقابل الامتناع عن العودة للعمل بالقناة.
3- التراجع عن قراره بالإضراب عن الطعام الذي استمر لشهور طويلة!!
لكن لم تكسر هيبة أمريكا صمود الحاج فاضطرت لترحيله إلى السودان على متن طائرة حربية مع معتقلين آخرين،
حسابات الربح والخسارة:
الحكومة السودانية: (لعبت على وتر مبادئ حقوق الإنسان).
1- استقبلت الحاج استقبالاً أسطوريًّا رغم أن واشنطن أعلنت مرارًا وتكرارًا أن امتناعها عن تسليم معتقلي جوانتنامو إلى الدول العربية مرتبط في المقام الأول بالخوف من تعرضهم لانتهاكاتٍ قد تودي بحياتهم!!.
2- أعلنت أن الحاج مواطن سوداني حر طليق اختطف لسنوات طويلة دون ذنب أو جريرة.
قناة الجزيرة: (لعبت على وتر العلاقات العامة) لإعطاء رسائل ايجابية مفادها:
* نجحت الحملة الدعائية التي قامت بها القناة في تشجيع الحاج على الصمود والثبات.
* التأكيد على مدى استهدافها استخباريًّا من واشنطن بعد قصف مقرها في كابل والتضييق على مراسلها تيسير علوني وقتل موفدها إلى العراق طارق أيوب؛ وذلك للإيحاء بقوتها ومنعتها وقدرتها على الثبات أمام الضغوط أو التهديدات.
* التأكيد أمام طاقمها على قدرتها على الوقوف بجوارهم والذود عنهم.
* الترويج لما سيكشفه الحاج على شاشة القناة من خبايا المعتقل مما سيعتبر سبقًا إعلاميًّا مذهلاً بحق.
واشنطن والدول العربية:
لم يكد الحاج يسترد وعيه حتى دعا الدول العربية إلى المطالبة بمعتقليها في جوانتنامو، مؤكدًا الظروف العصيبة التي يعيش فيها هؤلاء للدرجة التي أفقدت البعض عقله بطريقة جعلته يحيا عاريًا بلا غطاء يستر جسده.
لكن ربما لا يعلم الحاج أن سجناء من المعتقل الرهيب كانوا يطالبون بالعودة إليه بعد جولة قصيرة في السلخانات العربية لإجبارهم على الاعتراف بما فشلت واشنطن في استنطاقهم بشأنه.
* فهل الدول العربية حريصة حقًّا على حرية مواطنيها أم أن أقل معتقل لديها يضاهي جوانتنامو في بشاعته إن لم يتفوق عليه؟؟
* وهل الدول العربية تدرك المعاني الإنسانية التي فجَّرها الحاج بكلماته المقتضبة أم أنها تزايد على واشنطن في الاستبداد والانتهاكات وحسابات المصالح والمواءمات؟
بالتأكيد هذه الهراطقات والمعاني الإنسانية غير موجودة، يوجد فقط الأمن القومي، فإذا كانت واشنطن قد أفرجت عن الحاج، والسودان استقبلته بحفاوة، فمعتقلون آخرون عادوا إلى دولهم في الظلام وما زالوا رغم مرور سنوات كثيرة في سجونهم، لا يحظون بقليل من الدعم الذي حظي به الحاج، أو ربما لم يعلم أبناؤهم للآن أنهم موجودون على بعد كيلومترات منهم، يتم تصفية ما بأجسادهم من معلومات لتقدم إلى واشنطن وإن كانت واشنطن غير راغبة.
* كما أن محكمة عسكرية في مصر حكمت على مدنيين بتهم مشددة وأفرجت عن آخرين في نفس القضية بتهمة الانضمام إلى جماعة محظورة رغم أنهم بلا استثناء أعضاء في نفس الجماعة والتنظيم!!
* أيضًا محكمة عسكرية شبيهة في سوريا تحاول زيادة مدة الحكم على معارض سياسي من 12 عامًا إلى 15 عامًا بتهمة إضعاف الحس الوطني، بمفرده بشار الأسد يملك وحدة قياس هذا الحس الوطني!!.
ومثل ذلك في تونس وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي باقي الدول العربية على وجه الإطلاق!!
سامي الحاج
منذ عدة سنوات وحينما كانت مراسلة "بي بي سي" تغطي جنازة قائد كتائب القسام (يحيى عياش) اعتبرتها واحدة من أكثر المشاهد إنسانية التي شهدتها، تقريبًا نفس الكلمات قالها مراسل "الجزيرة" في الخرطوم وهو يغطي مشهد عودة سامي الحاج.
ورغم الفارق الذي قد يظنه البعض بين الحالتين، لكن المؤكد أن رحلة مثابرة وصمود قد رسمت المشهدين وإن كانت قد ألحقت أحدهما بالقبر فقد أخرجت الآخر منه!!.
عاد الحاج بعد عام ونصف العام من الإضراب عن الطعام إلى بلده مظفرًا مئتزرًا بقيمه ومبادئه، مطالبًا في أولى كلماته بإغاثة رفقاء بطن الحوت، ربما أعيته المظالم والسنون وبدا شبحًا واهنًا لكنه كتب أسطرًا لن تنسى في سجل النضال والثبات، فإذا كان الحاج قد كسر إمبراطورية الشر الأكبر في التاريخ وأعادها تجر أذيال الانهزام والانكسار فدمى واشنطن المتحركة أكثر قابليةً للتحطم بالقليل من الصبر!.
لن يمر وقت طويل على الاستبداد وحروبه المصطنعة حتى يغرق مثل سفينة التايتنك في البحر.