هل يوجد حل في الأفق؟، هل يوجد حل قريب؟، هل ستنفرج الأمور قريبًا؟، هل نحن على أبواب تهدئة تعيد لغزة أنفاسها المكتومة؟، هذه التساؤلات وكثير مشابه لها هي ما بات يتردد على ألسنة أغلب سكان قطاع غزة على الأقل، فضلاً عن أغلب المهتمين والمتعاطفين مع معاناة فلسطين الشعب والقضية.
وفي خضم هذه التساؤلات يذهب البعض- حتى من المحسوبين على حماس- إلى لوم حماس وتحميلها جزءًا من مسئولية ما يتعرض له قطاع غزة من حرب دموية تجويعية؛ وذلك على خلفية مشاركتها في الانتخابات التشريعية الأخيرة وتبوؤها لسدة الحكم، وينصح هؤلاء حماس بالتخلي عن الحكم والعودة إلى مربع المقاومة- الذي لم تغادره- والاكتفاء بمشاركة سياسية عبر المؤسسات التشريعية.
في ذات الوقت يذهب آخرون للتشكيك في مصداقية حماس كمنهج وثوابت وإستراتيجية ويتهمونها بالدخول في مفاوضات سرية مع الاحتلال في هذه العاصمة أو تلك، وعبر هذا الوسيط أو ذلك، وذلك في محاولةٍ يائسةٍ لتشبيه حماس بأبطال اتفاقات أوسلو وأخواتها التي فرطت بالقضية وبالمقدسات في سبيل بعض الامتيازات.
لا أحد ينكر أن أحد أهم أهداف حماس من وراء مشاركتها في الحكم هو دعم صمود شعبنا الفلسطيني حتى تحين ساعة الخلاص والتحرير تسليمًا بقدر الله من حيث إن التحرير يأتي من خارج فلسطين، وليس من داخلها، إلا أنه من الإجحاف بمكان الادعاء أن وجود حماس في الحكم جر على شعبنا ويلات الحصار والقتل والدمار ولم يدعم بحال صمود المقاومة، متناسين أن وجود حماس في هذا الموقع المتقدم في قيادة شعبنا في ميداني الحكم والمقاومة هو قدر رباني وليس اختيارًا حمساويًّا، والعارفين بشئون حماس يدرك يقينًا أنه لم يكن في مخططات حماس بحال الوصول إلى سدة الحكم، وأن قدر الله قضى بأن تفوز حماس بالأغلبية الشعبية والصعود إلى سدة الحكم؛ حيث رأت حماس أن في تخليها عن الحكم هو خذلان وتخلٍ عن الشعب الذي اختارها لهذا الموقع عن وعي وإدراك، وأن ذلك مشابه تمامًا لمقدمات معركة بدر التي خاضها النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الإنصاف القول إن حركة حماس في موقعها المتقدم في ساحة المقاومة هو ما أهّلها لتبوأ ميدان السياسة والحكم لشعبنا عن تمكن واقتدار، وأن هذه المزاوجة امتلكت حماس ناصيتها كسابقة تاريخية في تاريخ حركات التحرر، وأن القائلين بوجوب تخلي حماس عن الحكم؛ لأنه لم يسبق لأحد أن نجح في الجمع بين الحكم والمقاومة هم يشهدون من حيث لا يرغبون بعدم أهلية (م.ت.ف)، والسلطة التي ولدت من رحمها لقيادة شعبنا حيث إنه وبهذا الاعتبار لا يحق لـ(م.ت.ف) أن تتبوأ سدة الحكم في الضفة والقطاع على الأقل خصوصًا بعد أن تخلت عن كونها حركةَ تحرر وطني، وبذلك فقدت أهلية القيادة لهذا الشعب الذي يجمع العالم أحراره وأشراره أنه في مرحلة تحرر وطني، ولا يجوز أنه يقوده إلا من يدعم صموده على طريق التحرير بالصمود والمقاومة وليس بالمفاوضات العبثية.
كما من الواجب علينا القول كفرسان الكلمة أن نقول الحق في إطار المحافظة على نقاء الوعي بحقنا وبأرضنا وبمقدساتنا:
- إن عامين من حكم حماس رغم التآمر المفضوح والحصار القبيح هما باستحقاق عاما انتصار خيار حماس في الحكم، وانتصار لنهج حماس في المزاوجة بين الحكم والمقاومة، بدلالة الالتفاف الجماهيري الكبير الذي ما زالت تتمتع به حركة حماس ومن خلفها الحكومة رغم حجم التشويه الكبير الذي ألحقته بها ماكينة الخصوم الإعلامية، ورغم الحصار الشديد المفروض على الحكومة والشعب الفلسطيني، ورغم كل العراقيل التي وضعت لإسقاط الحكومة، وليس خافيًا على أحد واستنادًا إلى تأكيدات مستمرة من حماس أن الجهات الداخلية والخارجية التي تحاصر الحكومة راهنت على سقوط هذه الحكومة في غضون أشهر قليلة، ويجوز لنا أن نعتبر أن مجرد استمرار الحكومة حتى هذه اللحظة هو انتصار لخيار ونهج حماس.
- أتثبت مجريات الأحداث في الماضي وما زالت تثبت كل يوم أن موازين القوى السياسية والجماهيرية وحتى العسكرية في الساحة الفلسطينية لا تسمح لأي طرف مهما بلغ الدعم الخارجي له بإزاحة أو القضاء على حركة حماس التي باتت جزءًا أصيلاً من الشعب الفلسطيني وقناعاته وثقافته، ليس في غزة فقط بل وفي الضفة الغربية معقل حكام المقاطعة الذين يحتمون بنعال الجلاد، أثبتت نتائج الانتخابات الطلابية الأخيرة في جامعات الضفة ورغم كل المضايقات والملاحقات والاعتقالات التي سبقتها مدى الدعم والتأييد الذي تحظى به حماس ونهجها وخيارها.
- أثبتت نتائج المواجهات العسكرية التي خاضتها حركة حماس ضد خصومها، سواءٌ خصومها الفلسطينيون المدعومون بالسلاح الصهيوني والأمريكي، أو خصومها المحتلون الصهاينة بكل ما يمتلكون من ترسانة هي الأقوى تقنيًّا في الشرق الأوسط، أن القدرة على قصم الظهر والإيلام الحاد ليس قاصرًا على طرف دون آخر، وأن حماس باتت وبمرور الزمن تمتلك من القوة ما تستطيع أن تقصم به ظهر الآخرين أيضًا، ما يفرض على كل الأطراف الوصول إلى قناعةٍ واضحةٍ في ظل تتبع مراحل تطور حركة حماس كذراعٍ لجماعة الإخوان المسلمين العالمية وما مرت به من محن وشدائد منذ الستينيات حتى اليوم؛ بدءًا من الاحتلال الصهيوني لقطاع غزة وممارساته القمعية وبإبعاد المئات من كوادرها وقياداتها إلى مرج الزهور أو تغييبهم خلف قضبان السجون؛ وصولاً إلى اغتيال أغلبية قيادتها التاريخية في أقل من عام واحد، وانتهاءً بأصعب امتحان تمر به، وهو امتحان المزاوجة بين الحكم والمقاومة.. إنه لن يستطيع أحد أن يوقف نمو هذا الفتى اليافع (حماس)؛ الذي ينمو في أكثر الظروف ملاءمةً وأن حماس شبت عن طوق السحق أو الاحتواء.
- وأن حركة فتح التي تفردت بقيادة وقرار وحكم الفلسطينيين طوال الحقبة الماضية لم تعد- بتخليها عن موقعها كحركة تحرر وطني- هي صاحبة القرار أو القول الفصل في الساحة والقضية الفلسطينية الأمر الذي باتت تدركه دوائر صنع القرار في العالم، وما حوارات أوروبا وحوارات العدو بوساطة مصر للوصول إلى تهدئة مع حماس إلا دليل صارخ على هذه الحقيقة الراسخة خصوصًا في ظل تنكر أقرب حلفاء خيار أوسلو لوعودهم لهم بدولة الوهم الموعودة، حيث يثبت الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية كل يوم أنه بمفاوضاتهم العبثية مع عباس إنما يهدفون إلى إحراق مزيد من الوقت لترسيخ ما يريدون من حقائق الاستيطان والتهويد على أرض الواقع، ما يثبت صدق توجهات وخيارات حماس في ظل الفشل الذريع لتوجهات وخيارات عباس وفريقه.
- وأن الحصار الظالم المفروض على الشعب الفلسطيني وعلى حكومته بات واضحًا أمام العالم كله أنه عقابًا له على خياره الديمقراطي ما ينفي عن هذا العالم المتواطئ على قتل شعب بأكمله صفة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان التي يتغنون بها ويكشف زيف هذه المزاعم الفارغة، وأن صمود شعبنا أمام هذا التآمر الدولي يجعله بلا جدوى، بدليل الاختراقات الهامة التي نجحت حركة حماس وحكومتها في تسجيلها في الملاعب العربية والإسلامية والدولية ونجاحها بإعادة وتعزيز البعد والعمق العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية بعد غياب طويل، هذا الاختراق الذي تمثل في العلاقات التي نجحت في نسجها مع جميع الأحرار في هذه الدول وفي المساعدات العاجلة والآجلة التي نجحت في تأمينها والتي يحول الحصار دون وصول أغلبها.
وفي القناعة التي نجحت حماس بصمودها واستمرار حكومتها حتى اليوم في إيصالها للكثير من الأطراف التي تشارك في هذا الحصار بدءًا من أوروبا وانتهاءً بأمريكا بأن يختاروا طريق الحوار مع حماس عوضًا عن الحصار، هذه القناعة التي بدأت تترجم على أرض الواقع ولو على استحياء حتى الآن، رغم المخاوف من أن يكون خيار الحوار مع حماس يندرج في إطار التكتيك السياسي القائم على المثل القائل "إن لم تستطع أن تبتلع عدوك كله فابتلعه قطعة قطعة"، الأمر الذي تتيقظ له حماس بوحدة صفها وبوحدة كلمتها وبوقوفها على قلب رجل واحد في وجه محاولات السحق والتفتيت، وتصر على أن لا تقدم أي تنازلات تنال من مشروعها الإسلامي ويدخلها في دائرة الخطأ "الإستراتيجي". الذي وقعت فيه (م.ت.ف) وفصائلها التي باتت تذوي لصالح صعود حماس.
- وأن حماس أثبتت أنها باتت رقمًا صعبًا وحاجزًا لا يمكن اختراقه أمام تطبيق المخططات والمشاريع الأمريكية والصهيونية في المنطقة بدءًا من أوسلو وليس انتهاءً بخارطة الطريق، وأن صمود حماس وحكمها بات عقبةً كبيرةً في وجه مخططات ابتلاع المنطقة بدءًا بلبنان وسوريا وليس انتهاءً وربما بإيران.
غير أن حماس تواجه تحديًا مستمرًّا حيال تطبيق شعارها يد تبني وأخرى تقاوم، ففي ميدان المقاومة رأينا إبداعات وبطولات، أما في ميدان البناء فشعبنا ينتظر من حماس إبداعات رغم كل المناكفات السياسية وحملات التشويه والقذح، ورغم الحصار الخانق والظالم والقاتل الذي بات يحكم بالموت على كل مشاريع البناء والتطوير والنهوض بالواقع الفلسطيني بكافة أشكاله، بات شعبنا ينتظر من حماس على الأقل مزيدًا من الشفافية والنزاهة والعدالة في اقتسام ما يتاح من فتات بين كافة أبناء وشرائح شعبنا في القطاع، وينتظر مزيدًا من الالتصاق بهذا الشعب وتحسس آلامه والتخفيف منها قدر الإمكان، فهذا الشعب هو الذي وضع حماس في هذا المكان، وهذا الشعب هو الذي يعاني ويقاسي وباستمرار صموده ستثبت حماس نجاح منهجها وخياراتها، وهذا الشعب هو برونجية حركة حماس الذي عليه تراهن ومن أجله تعاني وتقاوم.
----------
* صحفي وباحث سياسي فلسطيني