يكاد الإجماع ينعقد لدى كل المتابعين والمراقبين لأوضاع المنطقة على أن سوريا تتعرض الآن للموجة الأقوى والتركيز الأشد لاحتوائها وتغيير وظيفتها.

 

 فهي بلا جدالٍ حجر العثرة الحقيقية في سبيل المشروع الصهيوني والمشروع الأمريكي في المنطقة، وهما مشروعان متوافقان ومتلازمان ولكنهما مختلفان. والحقيقة الثانية محل إجماع المراقبين هي أن سوريا هي الضلع الرئيسي الثالث الباقي بعد تخدير مصر وتدمير العراق، رغم أن العراق ودوره لا يزال محل خلاف حول مدى خدمته أو معارضته للمشروع الصهيوني، ولكن زوال العراق أفسح المجال لمعادلات جديدة أهمها أنه أدخل المشروع الإيراني طرفًا مباشرًا في سياسات المنطقة، وأعطى أبعادًا جديدةً للمحور السوري الإيراني الذي لم يكن يثير اعتراضًا جديًّا من "إسرائيل" أو واشنطن قبل أحداث جنوب لبنان في مايو 2000م.

 

وهو في ظني التاريخ الذي بدأ به استهداف سوريا، ومجمل التحالف مع إيران وحزب الله ثم أضيفت حماس بعد انتفاضة الأقصى في سبتمبر من نفس العام، وبشكل أخص منذ وصول شارون إلى السلطة في فبراير 2001م ثم أحداث سبتمبر 2001 وآثارها التي أدت إلى بلورة المشروع الأمريكي وإلى تطوير المشروع الصهيوني وتراجع القوة والإرادة العربية.

 

في هذه اللحظة تتعرض سوريا لإغواء "إسرائيلي" مشبوه وضغوط أمريكية وعربية فائقة، وبصرف النظر عن منهج النظر إلى سوريا على أنها فاعل أصلي أو فاعل فرعي أو أنها موضوع الفعل ومسرح التكالب عليها كما يرى البعض، فإن هناك واقعًا جديدًا يختبر سوريا، ومهما كان رأي المفكرين والكتاب ونظرتهم فإن المهم هو حسابات سوريا نفسها وهي تُقيِّم هذا الواقع الجديد، ولكن المؤكد أن فريقًا من المفكرين يحرص على أن يُفكِّر مع سوريا بصوتٍ عالٍ ما دامت القضية تتعلق بالهدف الماثل أمامنا الذي تسعى إليه أمريكا و"إسرائيل".

 

ولو كان المشروعان الأمريكي والصهيوني نافعين للعالم العربى لسبقنا غيرنا إلى تأييدهما ولكن ضحية المشروعين هو المنطقة العربية وقدرتها على العمل والبقاء مما يجعل مناهضة المشروعين بكل السبل والتوعية بمخاطرهما واجبًا وطنيًّا وأخلاقيًّا.

 

فأمام سوريا تركيا التي تسعى بالعرض "الإسرائيلي" وتحاول تركيا أن تلعب دورًا إقليميًّا لكنها لا تضمن لسوريا جدية العرض أو خلوه من العيوب الخفية، كما أن لتركيا مصالح مع سوريا ولكن مصالحها أكبر مع أمريكا و"إسرائيل" وسوف يحصل "العرَّاب" التركي على مكافأته من الطرفين.

 

وبالنسبة للعرض نفسه فهو يثير الشبهة لأسباب عديدة أقلها أن أولمرت هو أضعف رؤساء وزراء "إسرائيل"، وهو يعرض ما لم يجرؤ بن جوريون على تقديمه، وأنه يستحيل عملاً أن تعيد "إسرائيل" الجولان خاصةً أنها كانت قد أعلنت ضمها إلى "إسرائيل" عام 1981م رغم اعتراض مجلس الأمن.

 

صحيح أن سوريا بحاجة إلى الجولان، وأن بعض الدول العربية تعيّرها بها خاصةً بعد عودة سيناء إلى مصر، ولكن سوريا لا بد أن تدرك أن الجولان هي كلمة السر "الإسرائيلية" في لعبة استدراج سوريا، وألا يراودها أدنى شك في عدم جدية العرض "الإسرائيلي".

 

النقطة الثالثة تتعلق بالمقابل الذي تريده "إسرائيل" وهو تحالفات سوريا في وسط عربي تم تأليبه أمريكيًّا و"إسرائيليًّا" على سوريا وهو يمثل ولا شك ضغطًًا نفسيًّا عليها خاصةً أن الفريق العربي الصهيوني في الصحف العربية الكبرى يعد سوريا بحضن عربي دافئ يعوضها عن الحضن الإيراني، ويرى أنه لا يجوز لسوريا أن تتحالف مع إيران وهي ترفع لواء القومية العربية التي تحاربها إيران، كما أن هذا الفريق يشدد النكير على دور سياسي لسوريا في لبنان، رغم أنه أيام الوصاية السورية الحقيقية في لبنان لم نسمع أحدًا من لبنان أو خارجها ينتقد هذا الوضع، وإنما بدأت الانتقادات لسوريا فقط بعد أن كشفت واشنطن عن الوجه الآخر ضد سوريا.

 

وعندي أن سوريا يجب أن تتحالف مع" الشيطان" كما قال تشرشل ما دام فيه حماية لمصالحها، سواء كانت مصلحتها حماية المقاومة أو توافقت مصلحتها وتوازت مع هذا الهدف، وما دامت المقاومة هي ضد المشروع الصهيوني والأمريكي فلا تهمني جنسية المساند للمقاومة أو دينه أو هدفه أو مشروعه، فالحسابات السياسية تتسم بأعلى درجة من الواقعية غايتها حماية المصلحة العليا.

 

وقد يقول قائل إن سوريا تلعب دور الوسيط بين إيران والمقاومة العربية في لبنان وفلسطين والعراق في إطار الصراع مع "إسرائيل" والخلاف مع أمريكا، وكلها أوراق ضغط على الدولتين لتحقيق الأهداف السورية وأهمها استرجاع الجولان والحفاظ على أمنها القومي انطلاقًا من لبنان في بيئة عربية غير مواتية، فماذا تريد سوريا أكثر من استرداد كل الجولان وأن تستريح من كل الضغوط الدولية والإقليمية وتسعد بالصداقة الأمريكية ولا يمر يوم دون أن تشهد دمشق زائرًا أمريكيًّا وأن يسعد الرئيس بشار بزيارة البيت الأبيض، بيت الطاعة العالمي، وتتحرر سوريا من تبعات اللاجئين العرب وضغوطهم الاقتصادية على اقتصادها الضعيف.

 

فهل ترفض القيادة السورية هذا "النعيم" ضنًّا منها على الشعب السوري بهذا النعيم المقيم، أسوةً بالنعيم الذي يرفل فيه الشعب المصري والشعب العراقي، وعندها يجد الرئيس الأسد كل العواصم العربية تتهافت على دعوته ورفع الزينات لمقدمه! وما قيمة التمسك بالكرامة والمبدأ إذا كان الثمن باهظًا ومكافأة المرونة تتجاوز كل خيال؟.

 

وقبل أن نستغرق في الأحلام، فلا بد أن نؤكد أن واشنطن في كل عصر و"إسرائيل" مع كل فرض لن تتوانيا عن إغواء سوريا ما دامت هي الحجر الوحيد الباقي الذي يسند جبهة قوية وعريضة ومؤثرة في مقاومة المد الصهيوني والهيمنة الأمريكية، لكني أؤكد أيضًا أن ضعف سوريا أمام هذه المغريات الوهمية سوف يترتب عليه آثار بالغة الخطر على سوريا نفسها أولاً وعلى المنطقة، ولو كنت في مقام القيادة السورية لأبدعت ألعابًا مقابلةً ولعملت على المزيد من دعم هذه التحالفات التي هي عينها المستهدفة، وهي عينها أوراق سوريا التي تريد "إسرائيل" وأمريكا أن تحرقها سوريا بيديها، ولكن في نفس الوقت يجب على الدول والأوساط المناهضة للسيطرة الأمريكية والصهيونية على العالم العربي أن تبادر هي الأخرى بالدخول في هذه اللعبة، فلا أظن أن روسيا والهند والصين بعيدة تمامًا عن هذا المسرح المؤثر في المشهد الإستراتيجي الدولي.

 

يبدو لنا أن الأمن القومي السوري المرتبط جيوسياسيًّا بلبنان كان يخدمه توافق ضمني مع الولايات المتحدة، وأن الواضح الآن أن واشنطن تريد سوريا دون حلفائها، وبغير هؤلاء الحلفاء لا تقيم واشنطن لسوريا وزنًا، فكيف تحافظ سوريا على التحالفات جنبًا إلى جنب مع التعايش وتخفيض التوتر مع واشنطن؟ إنها موجة ضمن موجات كثيرة لعل سوريا تنجح في الإفلات منها كما أفلتت من سابقاتها.

 

القضية هي في النهاية ليس الاختيار بين الجولان أو الأمن القومي المنطلق من لبنان، ولكن القضية الحقيقية هي الإغواء بالجولان مع التضحية بالأمن القومي في أحلام اليقظة التي تريد "إسرائيل" أن تدفع سوريا إليها من واقع أشد تعقيدًا وخطورة.