أولاً: للحق وللتاريخ

إحقاقًا للحق والتاريخ فالدعوة إلى "البقاء في البيوت" يوم  4/5/2008 (احتجاجًا على مجمل سياسات وبرامج وشخوص الحكم في مصر) بدأت في الفضاء السياسي والإعلامي والجماهيري منذ صباح 6 أبريل وامتدادًا له؛ بينما أعلن الإخوان المسلمون تجاوبهم مع الدعوة ومشاركتهم لها يوم 29/4/2008، ومن ثم فلم يكونوا هم الداعين لها ولم يحددوا هم تاريخها.. ومن هنا أرى أنه:

 

1- ما كان يسع الإخوان أن يتجاهلوا هذه الدعوة أو يقفوا منها متفرجين وهي تنحصر في احتجاجٍ سلمي (في أهدأ صور التعبير الاحتجاجي) على مجمل السياسات والبرامج التي بلغت بالانسداد السياسي أن طال كل أشكال التعبير، فضلاً عن محاولات التغيير بل سد كل آفاق العمل الأهلي والمدني المؤثر وكذا الانهيار المعيشي الذي نال كل فئات وشرائح المجتمع (العمال- موظفي الضرائب العقارية- الأطباء- أعضاء هيئة التدريس بالجامعات...).

 

2- لماذا تغيَّر موقف الإخوان:

• في 6/4/2008 كان لدى الإخوان تخوف أن تتحول صور التعبير الاحتجاجي- التي لم تحدد من قبل الداعين إليه- إلى أي قدر من الفوضى والشغب تستغل لتشويه الاحتجاج السلمي من جهة ويدفع ثمنه الإخوان من جهة أخرى فاكتفى الإخوان بإقرار حق الجماهير في الاحتجاج وتأييد إيجابية الشباب (دون مشاركة الجماعة)، أما الحديث عن الصفقات والتخوفات لأجل القضية العسكرية فما أظنه يقبل في حق جماعة قدمت- لأجل الإصلاح الذي تؤمن به- في السنوات العشر الأخيرة فقط أكثر من عشرين ألف معتقل وحوكم قادتها من خلال ست قضايا عسكرية سابقة، وكان لها في الحبس يوم 6/4/2008م ألف معتقل في معركة المحليات.

 

• الإخوان كان لديهم واحدة من أكبر صور الاحتجاج السياسي وهي إعلانهم يوم 7 أبريل الانسحاب وعدم المشاركة ودعوة الجماهير لمقاطعة الانتخابات المحلية بعد أن رفضت السلطات الامتثال لأحكام القضاء سواء بإدراج المرشحين أو وقف العملية الانتخابية في الدوائر.

 

• صورة الاحتجاج التي دعا لها الداعون في 4/5/2008 واحدة محددة لا سبيل لتشويهها أو تحريفها عن مسارها فكان لزامًا على الإخوان أن يشاركوا.

 

3-حيث إن التاريخ 4/5/2008 لم يحدده الإخوان من ثَمَّ فهو غير مقصود لديهم وإن كان مقصودًا لغيرهم (العيد الثمانين لميلاد السيد الرئيس) فالمتابع للشأن العام يدرك أن الإخوان المسلمين رغم موقفهم الصريح برفض (التمديد والتوريث)، وهذا ما عبَّر عنه موقفهم ومطالبهم بإزاء تعديل المادة 76، 77 من الدستور، لكن الحقيقة أن الإخوان لم يجعلوا هذه المعركة قضيتهم الأصلية، كما أن أدبياتهم وممارساتهم تؤكد أنهم يخوضون بقوة معركة الإصلاح ضد الفساد والاستبداد بعيدًا عن شخصنة القضية وشخوصها وهم يسعون إلى إصلاح الحكم ليكون (صالحًا- عادلاً- رشيدًا- موافقًا لمنهج وشريعة الإسلام) ومتى وجدوا هذا الحكم فهم أعوانه وأنصاره ومتى فقدوا هذا النموذج للحكم فهم مجاهدون من أجل تحقيقه.

 

4- أظن أن المشاركة في احتجاج 4/5/2008 (على الأقل من وجهة نظر الإخوان) ليس مقصودًا بها إعلان العصيان المدني ولا شل الحياة ولا إسقاط نظام بقدر ما هي رسالة تحذيرية وجرس إنذار أنه لم يعد من الممكن أن تبقى الأوضاع على ما هي عليه وإلا فإنه الانفجار الشعبي أو الفوضى التي ليست من مصلحة الشعب المصري ولا قواه الإصلاحية.. ومن ثَمَّ فهذا احتجاج سلمي- صرخة مظلوم- إذ إن الأمة إذا هابت أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها.

 

ثانيًا: دلالة مشاركة الإخوان المسلمين.. "فاض الكيل وبلغ السيل الزبى"

حين لا يستطيع الإخوان المسلمون المعروف عنهم أنهم "أكثر الناس حلمًا، وأشد الناس صبرًا على الإيذاء، وأقل الناس عجلة على النتائج، وأقل الناس فَوْرةً و ثورةً في لحظات الانفعال"، إلا أن يصرخوا ويستصرخوا الشعب معهم، فإن ثم مؤشراً قويًّا إلى وصول الأوضاع إلى حدٍّ غير مسبوق، وأنه الوقت العصيب ما قبل الانفجار الذي يحتاج إلى رجل رشيد:

 

1- هذه الصفات التي ذكرتها عن الإخوان المسلمين ليست من باب المديح والثناء والتزكية لأقوام، ولكنها توصيف لمنهجية التغيير الذي يؤمن به الإخوان المسلمون، (والذي يختلف معهم عليه ويلومهم عليه آخرون)؛ فالإخوان قد اختاروا لأنفسهم طريق التغيير الذي قوامه تغيير الذات والنفس أولاً (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) واختاروا طريق التربية القاعدية المجتمعية أولاً وليس طريق الثورة أو الانقلاب أو التغيير الفوقي، رغم إيمانهم بأهمية صلاح الحكم "وإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

 

والإخوان من آدابهم:

- الصبر الجميل "ولكنكم قوم تستعجلون".

- "علينا العمل وليس علينا بلوغ النتائج"، "أجراء عند الله؛ نأخذ الأجرة، أما النتائج فشأن صاحب العمل وليست شأن الأجير".

- "من أراد أن يستعجل الثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها خير له أن ينصرف عن هذه الدعوة، ومن صبر معنا حتى تنموَ البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين".

 

2- في الحديث عن الأوضاع المتردية سياسيًّا واقتصاديًّا ومعيشيًّا.. لن نتحدث عن الانسداد السياسي (أزمة استقلال السلطة القضائية- أزمة حبس الصحفيين في قضايا النشر- التعديلات الدستورية التي كرَّست العسكرة للمجتمع والتزوير للانتخابات والتمديد والتوريث- انتخابات الشورى وما حدث فيها- جمود فوق العشر سنوات للنقابات المهنية واتحادات الطلاب والعمال ....).

 

ولن نتحدَّث عن مظاهر الانهيار الاجتماعي عن (انتفاضات العمال في آلاف المصانع- إضرابات الأطباء- إضرابات أساتذة الجامعات- مظاهرات الخبز- مظاهرات جراكن المياه...)، ولن نتحدَّث عن سقوط الناس قتلى (في طوابير الخبز وتحت أنقاض العمارات وفي عبارات الموت...).

 

فقط أستشهد بأحداث أبريل 2008:

1/4/2008م: مناقشة أزمة الخبز بالبرلمان وتبرئة الحكومة "يحيا العدل" رغم سقوط القتلى وفضيحة شبه المجاعة في مصر.

 

2/4/2008م: قانون حظر التظاهر في دُور العبادة وتجريم التعبير حتى في قضايا الاعتداء على الوطن والأمة والمقدَّسات.

 

6/4، 7/4/2008م: التعامل العنيف مع المتظاهرين ومحاولة تشويه إضراب 6/4 للوصول إلى التجريم ثم الحبس والتعذيب للمتهمين المحبوسين، وما إسراء عبد الفتاح وزملاؤها ببعيد.

 

8/4/2008م: انتخابات المحليات وتكريس الفساد في المحليات وفرض محليات تدين بالولاء والطاعة لمن جاء بها، رغم إرادة الجماهير بعد منع المرشَّحين من الأصل، واعتقال 1030 من المرشَّحين من الإخوان المسلمين؛ بينهم 3 أعضاء مجلس شعب سابقين أعيد اعتقالهم برغم قرار النيابة بالإفراج عنهم.

 

15/3/2008م: أحكام عسكرية بالسجن (3- 10 سنوات) على خصوم سياسيين هم أساتذة جامعات ونقابيون ورجال أعمال شرفاء رغم تبرئة المحاكم المدنية لهم ثلاث مرات وقرار القضاء الإداري ببطلان إحالتهم إلى المحكمة العسكرية.

 

اعتقال وحبس د. عبد الحي الفرماوي رئيس قسم التفسير بجامعة الأزهر بتهمة تطوير طائرة بلا طيار لحساب المقاومة الفلسطينية في محاولةٍ لإرهاب الناس من تقديم المساعدات للشعب الفلسطيني المحاصر.

 

فضيحة الرشاوى والعمولات في عقود التلويث البيئي بدمياط، فضلاً عن البيع البخس للغاز المصري لشركة أجريوم الكندية، ثم التضارب والتردد في القرارات.

 

قرار إنشاء محافظتَين جديدتَين والتعديل في القرارالعشوائي يومًا بعد يوم, مع التزايد في أعداد المحافظين المنتمين للمؤسسات الأمنية والعسكرية.

 

صدور تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان، (وهو المجلس الذي تعيِّن الحكومة أعضاءه) ومع هذا يدين الممارسات الحكومية التي أطاحت بالحريات والحقوق (تحوُّل أقسام الشرطة إلى سلخانات تعذيب- اعتقال عشوائي غير مبرَّر- اعتقال رهائن- قتلى أقسام الشرطة وانتهاك حقوق المواطنين في الحرية والأمان الشخصي- انتهاك حق المواطنين في المحاكمة العادلة).

 

ثالثًا: العلاوة الاجتماعية في عيد العمال

في سابقةٍ لم تحدث من قبل أعلن السيد الرئيس أن العلاوة الاجتماعية هذا العام ستكون 30% وليس 10- 15% كما كانت في السنوات السابقة، والملاحظ أن:

 

1- جاء إعلان العلاوة الـ30% بعد إعلان الإخوان المسلمين تجاوبهم مع إضراب 4/5 وليس قبله، وكان صريحًا في حوار الرئيس أنه إعلان مفاجئ؛ فقد فاجأ الحكومة بطلب ضرورة التصرف وتدبير موارد لهذا الغرض.

 

وبصرف النظر عن العلاقة بين الإضراب وبين زيادة العلاوة، فالمؤكد أن كلا الأمرين (إعلان المشاركة في الاحتجاج السلمي وإعلان زيادة العلاوة الاجتماعية بهذه النسبة غير المسبوقة) جاء تأكيدًا لمقولة إن الأوضاع الاجتماعية التي يعيشها أغلبية الشعب المصري لا تقبل السكوت عنها.

 

2- زيادة الأجور بنسبة 30% أمر لا مثيل له في أعرق الديمقراطيات التي تكون نسبة الزيادة فيها 2- 3%؛ مما يؤكد أن المشكلة ليست 3 أم 30%، إنما هي أصل المرتبات التي تُحسب على أساسها هذه النسبة، وهي مرتبات في الحالة المصرية هزيلة للغاية لدرجة لا يزال يعجز فيها رب الأسرة عن سدِّ احتياجات الأسرة الضرورية، ومما يؤكِّد هذا أن مجرد الوصول لتجاوز خط الفقر (الذي هو في التعريف الدولي 2 دولار يوميًّا للفرد وليس للأسرة) يحتاج إلى زيادة حوالي 400%.

 

3- ومع هذا فإننا نرحِّب بكل خطوةٍ تؤدي حقيقةً إلى تخفيف المعاناة عن المواطنين، ونتمنَّى التجاوب مع مطالب الشعب لتخفيف حالة الاحتقان والغليان، سواءٌ في ذلك المطالب السياسية (الحريات العامة- الانتخابات الحرة الشفافة- السلطة القضائية المستقلة- المحاكمة العادلة أمام القاضي الطبيعي...)، أو المطالب الاجتماعية (توفير رغيف عيش جيد- وكوب ماء نظيف- ورعاية صحية وتعليمية تليق بكرامة وتنمية الإنسان).

 

أخيرًا..

عجيب أن يكون النقاش دائرًا حول مشروعية الإضراب، أي (هل من حق المظلوم أن يستغيث ويصرخ؟! أم أنه لا يحق له الاستغاثة والصراخ ولو بآهات مكتومة في بيته ليست عدوانًا على أحد؟!)، وعجيب أن نرى المظلوم هو الذي يُعاقَب على استغاثته ضد ظُلاَّمه بالسجن والحبس والتعذيب والتهديد.

 

عجيب أن يدور النقاش هكذا دون أن نناقش بقوة: لماذا وكيف تم هذا الظلم؟! وما عقاب الظالم؟! وكيف نوقف الظلم أو حتى كيف نأخذ من الوسائل ما يضمن رفع الظلم عنه ولو بعد حين؟.

 

أمر خطير للغاية؛ لأن الأمة إذا هابت أن تقول للظالم "يا ظالم" فقد تودع منها، أقول هذا انطلاقًا من اتفاق الجميع بلا استثناء على أن هناك ظلمًا يحتاج إلى تصحيح، وما إعلان زيادة العلاوة الاجتماعية بهذه النسبة إلا شاهد، وما إعلان رموز النظام أن الفساد للركب إلا شاهد، وما القتلى الذي سقطوا في طوابير الخبز إلا شاهد.

---------

* الأمين العام للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.