لا أريد أن أصدق أن الأجهزة الأمنية في مصر بتلك الدرجة من السذاجة التي تقترب من العبط، ولا أعرف كيف تصوَّر المسئولون عن تلك الأجهزة أن أحدًا يمكن أن يصدقهم حين يقولون إن أستاذًا للتفسير بجامعة الأزهر وشخصًا آخر، كوَّنا مع عناصر من حركة حماس خليةً قامت بشراء معدات لتصنيع طائرة بدون طيار لاستخدامها في اغتيال فلسطينيين مقيمين بمصر!.

 

إن ما استغربتُ له حقًّا أن تعجز الأجهزة الأمنية عن حبك قصة من هذا القبيل، وأن يقتنع مسئولو تلك الأجهزة بأن أستاذ التفسير يمكن أن يكون شريكًا في مؤامرة من هذا القبيل، وأن يخطر ببالهم أن الترويج لهذه القصص العبيطة يوصل الرسالة المطلوبة إلى الرأي العام، ولا يقل غرابةً عن هذا وذاك أن يحتل نشر القصة مكانةً على صد الصفحة الأولى من (أهرام) السبت 26/4، وأن تنسج حول الواقعة تفاصيل كثيرة خصّصت لنشرها صفحة أخرى داخلية.

 

إن أي إنسان عادي يملك ذرة من العقل وبقية من ذاكرة لا بد أن تخطر بباله قائمة طويلة من الأسئلة حين يقع على خبر من ذلك القبيل؛ منها على سبيل المثال:

 

منذ متى كان أساتذة التفسير يمكن أن يشاركوا في صفقة شراء معدات طائرة بدون طيار؟! وعلى فرض أن حكاية الطائرة لها أصل؛ فهل يُعقل أن تُستخدم لتصفية عناصر فلسطينية مقيمة في مصر؟! وفي الوقت الذي تخوض فيه حماس معركتها ضد قوات الاحتلال في غزة، هل لها مصلحة في خوض معركة أخرى بمصر؟! ومنذ متى كانت حماس تقوم بعمليات عسكرية خارج حدود فلسطين وهي التي لم تقدم على خطوة من هذا القبيل منذ إنشائها قبل عشرين عامًا؟!

 

إن كثيرين يعرفون أن بعض قيادات جهاز الأمن الوقائي هُرِّبت من قطاع غزة إلى مصر، واختارت أن تنتقل بينها وبين رام الله، ولم توقف نشاطاتها بهد الهرب، وإنما نقلت مقر تحريضها وتآمرها على حماس إلى القاهرة، ومن هؤلاء من استقطب بعض الأقلام وأقام شبكة علاقات اجتماعية وإعلامية لتنفيذ مآربهم، لكن ذلك كله لا يبرر توريط بعض الصحف المصرية في الترويج لشائعات مغرضة تستهدف الوقيعة والتحريض وشغل الرأي العام المصري بتصفية حسابات بين الفصائل الفلسطينية.

 

لست أشك في أن هذا الجهد التحريضي يحاول الاستفادة القصوى من عقدة النظام المصري إزاء حركة الإخوان، عن طريق الإلحاح على العلاقة بين الحركة في مصر وبين تنظيم حماس في غزة، والربط المستمر بين أنشطة حماس في القطاع وبين تحركات الإخوان في مصر، وكأن الاثنين وجهان لعملة واحدة، ورغم أن هذه العلاقة قائمة من الناحية التاريخية إلا أن استحضارها بصفة دائمة يحجب وجهًا آخر لحماس؛ وهو أنها جزءٌ من حركة التحرر الوطني الفلسطيني.

 

وهذا الوجه المقاوم هو الذي تتعامل معه سوريا، التي نجحت فيما فشل فيه النظام المصري؛ حيث فرَّقت بين حماس المقاومة وحماس المتفرعة عن حركة الإخوان، من ثمَّ فإنها استضافت رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وبعض أعضاء المكتب في الوقت الذي تعتبر قوانينها أن الانخراط في عضوية الإخوان بسوريا جريمةٌ تصل عقوبتها إلى الإعدام.

 

لا مفر والأمر كذلك من الاعتراف بنجاح جهود الوقيعة بين حماس ومصر؛ على الأقل فيما عبَّر عنه إعلام الصحف القومية الذي لم يتورَّع عن الدسِّ والتحريض لإذكاء تلك الوقيعة وتأليب الشعب المصري على الفلسطينيين وقضيتهم؛ صحيح أن بعض الأطراف المحرِّضة تريد تصفية حساباتها مع حماس، في حين أن الجهاز الأمني المصري يريد تصفية حساباته مع الإخوان؛ إلا أن النتيجة واحدة، وهي أن ثمة اشتباكًا بين مصر وحماس يتم تعميقه وتأجيجه بين الحين والآخر؛ لذلك فإنني أزعم أن قضية الساعة وواجب الوقت هو تحقيق التهدئة بين مصر وحماس وليس فقط الأخيرتين و"الإسرائيليين"؛ لأن ذلك هو الذي يخدم القضية الفلسطينية حقًّا ويُسهم في الدفاع عن الأمن القومي المصري.

--------------

* الدستور الأربعاء 30/4/2008م