أحببته قبل أن أراه.. حين قرأت له مقدمته في التفسير الموضوعي وأنا لا زلتُ طالبًا بالثانوي، ثم شرفت بالتلقي المباشر عنه وتتلمذتُ على يديه حين كان يمتعنا بمحاضراته في التفسير وأنا في الصف الثالث من كلية الطب بجامعة الأزهر، وكنا نرى فيه من العمق العلمي والحضور العصري والذكاء الفطري ما يشدنا إلى محاضراته لننهل منه وسط علومنا الطبية.
وحين تم اختياري رئيسًا لاتحاد طلاب جامعة الأزهر عام 86/85 فكنت أدعوه في مختلف كليات الجامعة ضيفًا على ندواتنا الثقافية والدينية لينعم به جموع الطلاب وهو يدعو إلى الله على بصيرةٍ ضمن كوكبة من علماء الجامعة وقتها (د. عبد الستار فتح الله سعيد، د. عبد العظيم المطعني، د. عبد المنعم البري، د. يحيى إسماعيل...)، فنهلنا من فيض علمهم وغرسوا في قلوبنا عظمة الإسلام ووسطية المنهاج واعتدال الفكرة والابتعاد عن الغلو والتطرف.
![]() |
|
د. محمد البلتاجي |
كثيرة كانت المواقف العصيبة التي مرت بنا بالجامعة من مشكلات وأزمات بين الطلاب وأنا أمثلهم (رئيسًا لاتحاد الطلاب) وبين إدارة الجامعة، وفي اللحظة العصيبة كنت أُفاجأ بالأستاذ الدكتور الفرماوي يتدخل ليهدئ من ثورتنا ويقف إلى جوارنا في قضايانا العادلة، لكن بحنكة وحكمة لا يجيدها غيره، يصعد إلى إدارة الجامعة متلطفًا ثم يعود إلينا بحل توصل إليه ينزل علينا بردًا وسلامًا فيطفئ جمرة الغضب ويمزج حماس الشباب بحكمة الشيوخ.
في عام 1987م علمت بترشيحه لانتخابات مجلس الشعب فسألته مستغربًا فما علمته إلا متعبدًا في محراب العلم والدعوة فأجابني (اتصل بي الحاج/ مصطفى مشهور وكلَّفني فما كنت إلا لأجيبه) فأكبرت فيه استجابة العالم الأزهري لنداء التكليف بهذه البساطة، ثم تابعته في تلك السنوات وهو يجاهد جهادًا في البرلمان وكيف أحال مسجده بعين شمس (المدينة المنورة) إلى بيت الأمة ليغرس في نفوس الأجيال أن الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا.
مرةً بعد أخرى تقدَّم لانتخابات مجلس إدارة نادي هيئة التدريس واختاره زملاؤه من جموع أعضاء هيئة تدريس الأزهر سكرتيرًا عامًّا لناديهم.. وكانت الانتخابات الأخيرة في تاريخ النادي رغم مرور بضع عشرة سنة.
تمر السنون.. أتابعه عن بُعد.. يسافر العالم الجليل ليعمل أستاذًا للتفسير بجامعة أم القرى.. ألقاه بعد عودته فيقص علينا من المبشراتِ ما يجعلنا نمتلئ امتنانًا لنعمة الله علينا في اختياره لنا لطريق هذه الدعوة المباركة.
تجمعنا رحلة عائلية مع زملائنا أعضاء هيئة التدريس فنرى من بساطته وتواضعه إلى جوار غزير علمه وفقهه ما يجعل للرحلة والسفر معه رحيقًا خاصًّا.
تمر فترات طويلة لا أراه.. ثم ألقاه فأسأله أين أنت أستاذي الجليل؟ فيقول لي: "انتدبتني الحاجة: زينب الغزالي لمراجعة تفسيرها للقرآن ففرغت نفسي لهذه المهمة حتى تنتهي..".
تمر السنون... ويأخذني التقصير فلا أتواصل مع أستاذي الجليل رغم تلاقينا في الدعاء كل غروب وتصلني أخبار مرضه فأدعو له مع الملايين من تلاميذه ومحبيه.
أدخل أنا في معترك العمل البرلماني فأجده مبادرًا المرة بعد المرة يشد على يديَّ ناصحًا وموجهًا ومعطيًّا خلاصة تجربته في المزج بين أولويات العمل (الدعوة والتربية/ السياسة وتبصير الرأي العام/ تفاصيل العمل البرلماني).
يفاجئني بحضوره رغم ظروفه الصحية الشديدة فيأتي رغم ما به من آلام وأوجاع لحضور جنازة أخ من الإخوان أو لزيارة مجموعة من المعتقلين ما يقعده العذر أبدًا.
هذا هو الأستاذ الجليل عبد الحي الفرماوي الذي عاش أستاذًا للتفسير وعلوم القرآن بالجامعات المصرية والعربية.. وحين صار رئيسًا لقسم التفسير بجامعة الأزهر ثم وكيلاً لكلية أصول الدين. وكان اختبارًا عسيرًا له ولإدارة الجامعة التي وُضعت أمام خيارين: عبد الحي الفرماوي وكيلاً للكلية أم عميدًا لها حين شغر منصب العميد وينجح الدكتور الفرماوي بثباته وترسب إدارة الجامعة في الامتحان فما جسرت على بقائه وكيلاً ولا ترقيته عميدًا ليبقى عبد الحي الفرماوي وقفًا لتلامذته ودعوته وأمته وتبقى مناصبهم وقفًا على أهل الحظوة والرضا الحكومي.
في الأسبوع الماضي فاجأتنا الأنباء باعتقال أستاذنا الجليل وتقديمه للنيابة وحبسه على البلاط في قسم الشرطة قبل إعادة عرضه على النيابة وانتقاله إلى مزرعة طرة، ثم تتحفنا جريدة "الأهرام" بصفحةٍ كاملةٍ تنسج أساطير وقصة لا يعقلها عقل صغير فإذا بأستاذ التفسير وعلوم القرآن ضمن خلية إخوانية مكلفة بتطوير صناعة الطائرات بلا طيار لحركة المقاومة الإسلامية حماس. ولا أدري هل القائل أم المستمع أكثر جنونًا؟!!!.
لقد فقد القوم عقولهم- بل كأنها والله لم تكن أصلاً- أو كما قال رب العزة عن قوم لوط ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾ (الحجر).
يا قوم، الشيخ الفرماوي في السبعين من عمره!! الرجل مريض أقعده شديد المرض عن الحراك فتفرغ للدعوة من خلال موقعه الإلكتروني "هدي الإسلام".
يا قوم، الرجل أستاذ "التفسير وعلوم القرآن".. هل صمت آذانكم فسمعتموها (أستاذ التحليق وعلوم الطيران)؟!!!.
أين عقولكم؟!!!.. لقد كنتم تتحدثون عن الابتزاز الأمريكي لحساب الصهاينة في تقارير الأنفاق وتهريب السلاح وتهديد السلام فلحساب مَن تتطوعون باختلاق أكاذيب عن تطوير أسلحة حماس على يد مصريين؟!.
الصحفي إياه الذي خصصت له موازنة وزارة الداخلية صفحة أسبوعية كل سبت من جريدة الأهرام (التي في عنقها مليارات دينًا للشعب المصري) معروف أنه يمثل الداخلية في "الأهرام" كما أن وجوده يبدو أنه شرط أمني لاستمرار البرنامج إياه على قناة "أوربت".
يا قوم، إن نسج القصص للأطفال يحتاج إلى مهارة أكبر كثيرًا من إمكانيات صاحبكم هذا.. لكن أين عقل الذين سمحوا له بنشر هذه الخزعبلات ولحساب مَن يعملون؟!.
هل أعمتكم العداوة والخصومة للإخوان المسلمين؟، أم أعمتكم الكراهية لمقاومة حماس لعدوكم الذي قتل أبناءكم على الحدود فما استنكرتم ولا شجبتم؟.
إن محاولة الحديث المتكرر الذي لا تملونه- عن التنسيق بين حماس والإخوان مفضوحة ومعروفة دوافعها. وأنا أريحكم وأزيدكم وضوحًا، علاقة الإخوان- بل الأمة كلها- بحماس علاقة عقدية أبدية نعم ولكنها (علاقة الأب بابنه البالغ العاقل الرشيد ذي المالية المستقلة) فالأب مشغول بابنه مهموم له طوال الوقت يفرح لفرحه ويحزن لآلامه يدعو له ويشفق عليه وينصح له، لكن الابن بالغ فلا يحتاج للوصاية عليه فقراره بيده لا يتلقى أوامر من الخارج، بلغ الابن الرشيد بفضل الله من النصح والعقل والرشد ما يطمئن الأب والعائلة كلها إنه بتوفيق من الله يخوض التحديات كلها ويثبت للكافة أن تآمر الجميع عليه لن يكسر إرادته وسينتقل إن شاء الله من نجاح إلى نجاح لمشروعه الذي تقف معه فيه الأمة كلها (المقاومة للعدو- الإصلاح والتغيير في الداخل- استرجاع الحقوق دون تنازل).
ستبقى حماس في مقدمة صفوف الأمة تجاهد في سبيل الحق والعدل، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها. سيبقى الإخوان في مقدمة صفوف الشعب المصري يؤازرون كل فصائل المقاومة ضد أعداء الأمة ويمارسون النضال السياسي والدستوري والقانوني ضد الفساد والمفسدين.
وسيبقى أ. د. عبد الحي الفرماوي- وأمثاله- مصباحًا منيرًا من مصابيح النبوة تهتدي به الأمة في دياجير الظلمة حتى تنقشع الغمة..﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).
-----------------------------
** الأمين العام للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين
