1- المرحلة الأولى قبل انتخابات يناير 2006م في الضفة والقطاع:

والتي جاءت بحماس إلى السلطة، وكانت جيدة ومتوازنة، وبخاصةٍ إذا قورنت بالعلاقة مع حركة فتح؛ حيث فرض الأمن القومي المصري والتوترات على الحدود الشرقية لمصر هذه العلاقة، وبخاصة خلوّ شمال سيناء من قواتٍ للجيش كافية لحماية الحدود (250 جنديًّا فقط لحرس الحدود يحرسون 720 كم، وهي المسافة بين سيناء وفلسطين المحتلة, زادت بعد ذلك إلى 750 جنديًّا بعد تعديل اتفاقية كامب ديفيد لمنع تهريب الأسلحة للمقاومة الفلسطينية عبر الأنفاق من الحدود المصرية)، وقام النظام المصري بجمع الفرقاء الفلسطينيين في القاهرة، وبخاصةٍ حركتا حماس وفتح، وأعلن عن اتفاق القاهرة، والذي وقَّع عليه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وكان أهم بنوده إصلاح منظَّمة التحرير الفلسطينية وإجراء انتخابات عامة فلسطينية في الضفة والقطاع وانتخاب مجلس وطني فلسطيني جديد (مكوَّن من المجلس التشريعي الفلسطيني في الداخل وأعضاء منتخبين من الشتات في الخارج).

 

ولم ينفَّذ أي بند من هذه الاتفاقية سوى بند الانتخابات التي جرت في يناير 2006م في الداخل الفلسطيني؛ وذلك بسبب تعسُّف فتح وخوفها من ضياع نفوذها التقليدي على منظَّمة التحرير الفلسطينية، وبدعمٍ من الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني وبعض الدول العربية.

 

2- المرحلة الثانية من الانتخابات الفلسطينية في الداخل في يناير 2006م حتى الحسم العسكري في قطاع غزة في يونيو 2007م:

اتسمت بالفتور والتوتُّر، وبخاصةٍ مع مؤسسة الرئاسة والحكومة المصرية وإن ظلَّت العلاقة متوازنةً بين المخابرات المصرية وحركتي حماس وفتح، وبخاصة أن ملف العلاقة المصرية الفلسطينية رأسه عمر سليمان مدير المخابرات المصرية, وأسباب ومظاهر هذا التوتر والفتور تتمثَّل في التالي:

 

- نجاح 88 نائبًا للإخوان المسلمين في مجلس الشعب المصري في نهاية عام 2005م، وشكَّل ذلك صدمةً للنظام المصري والإدارة الأمريكية التي قرَّرت تخلِّيَها عن الضغط على النظام المصري من أجل الديمقراطية المزعومة.

 

- ظل النظام المصري يضغط بقوة على السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس لتأجيل أو إلغاء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني؛ بزعم أن حماس ستستفيد من فوز الإخوان في مصر، وأن تقارير المخابرات المصرية تفيد أن حماس تحظى بشعبية كبيرة تتفوَّق فيها على فتح, غير أن أبو مازن قرَّر المضي قدمًا في إجراء الانتخابات مدعومًا من الإدارة الأمريكية، خاصةً أن تقارير مخابراتها واستطلاعات الرأي المختلفة المدعومة أمريكيًّا أكَّدت تفوُّق فتح على حماس في هذه الانتخابات (30 % حماس، 45% فتح)، وهذا يكسب أبو مازن وفتح شرعيةً شعبيةً للتفاوض مع الكيان الصهيوني لإنهاء القضية الفلسطينية بأجندة أمريكية صهيونية.

 

- شكَّل فوز حماس الساحق في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في يناير 2006م (80 مقعدًا من أصل 132) زلزالاً في المنطقة غيرَ متوقِّع، وقرَّرت الإدارة الأمريكية إفشال الحكومة الجديدة بقيادة حماس بفرض الحصار الدولي والإقليمي عليها، وتخلَّت تمامًا عن المطالبة بالإصلاح في المنطقة، ورفعت شعارها الشهير: "دعم أنظمة فاسدة ومستبدة خير من ديمقراطية تأتي بإسلاميين يهدِّدون المصالح الأمريكية والصهيونية"، ودعمت الإدارة الأمريكية بمباركة مصرية وأردنية محمود عباس لنزع كل الصلاحيات الإدارية والأمنية لحكومة حماس ليسهل سقوطها.

 

- كان موقف النظام المصري شديدَ التوتر والانزعاج من فوز حماس، وشاركت مصر والأردن بدعم أمريكي في حصار الشعب الفلسطيني وحكومته المنتَخبَة لإسقاطها، وظهر التباين في العلاقة مع حماس وفتح؛ حيث رحَّب النظام المصري بمؤسسة الرئاسة بقيادة أبو مازن وفتح بينما كان هناك شبه مقاطعة مع الحكومة الفلسطينية بقيادة حماس.

 

- عندما فشل الحصار الخانق على الشعب الفلسطيني وحكومته المنتخبة بعد نزع كل صلاحياتها في إسقاط هذه الحكومة، قرَّرت الإدارة الأمريكية إسقاط الحكومة الفلسطينية بالقوة عن طريق خطة دايتون (نسبةً إلى جنرال أمريكي مقيم في القدس، وينسِّق العلاقات الأمنية بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني)، وكما كشفت الوثائق التي أعلنتها مجلة (فوربي) الأمريكية المتخصِّصة في الشأن العسكري، والتي تقضي بدعم حركة فتح والأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية ماليًّا وعسكريًّا للقضاء على حماس، وتعاونت أجهزة مخابرات مصر والأردن والسعودية والإمارات مع الإدارة الأمريكية لتحقيق ذلك، ودعم النظام المصري حركة فتح وقام بتدريب خمسة آلاف عنصر فتحاوي وتسهيل مرور أسلحة ومعدات من الإمارات للأجهزة الأمنية الموالية لفتح.

 

- عندما فشل محمد دحلان والأجهزة الأمنية في القضاء على حكومة حماس بسبب القوة التنفيذية التي شكَّلها وزير الداخلية سعيد صيام ويقظة وقوة كتائب القسام، اتّفق على جمع الفرقاء في مكة بعد أن سال الدم الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس، انتهى باتفاق مكة الذي نقضته فتح قبل أن يجفَّ مداده باغتيال أحد قياداتها في غزة على يد رجال محمد دحلان.

 

- وجدت حماس نفسها مضطرةً إلى الحسم العسكري في منتصف يونيو 2007م بعد أن تأكَّد لها حجم المؤامرة لإسقاط الحكومة المنتخبَة بالقوة وإخماد المقاومة.

 

- بعد الحسم العسكري لحماس في غزة سلَّمت حماس مصر وثائق خطيرة جدًّا تفيد أن رجل فتح القوي محمد دحلان عمل مع المخابرات الصهيونية والأمريكية للإضرار بالأمن القومي المصري وبأمن دول عربية وإسلامية.

 

3- المرحلة الثالثة من الحسم العسكري لحماس في غزة من منتصف يونيو 2007م حتى الآن:

اتسمت علاقة النظام المصري بالانحياز لأبو مازن وحركة فتح، بل العداء الشديد في بعض الأحيان، وإن ظلَّت العلاقة بحماس مع المخابرات المصرية متواصلةً ويسودها بعض التفاهم، وتمثَّل ذلك في الأسباب والمظاهر التالية:

 

- سحب الوفد الأمني المصري من غزة, الإدانة الرسمية المصرية (للانقلاب) في غزة, الاعتراف بحكومة أبو مازن غير الشرعية التي شكَّلها في رام الله, إحكام الحصار على قطاع غزة من الجانب المصري وغلق معبر رفح الحدودي ورفض فتحه إلا بموافقة أمريكية وصهيونية.

 

- بعد أن وصل الوضع في غزة إلى درجة الانفجار، دعا النظام المصري حركتي فتح وحماس إلى الاجتماع في القاهرة للحوار؛ الأمر الذي رحَّبت به حماس ورفضته فتح بسبب الفيتو الأمريكي الصهيوني على أبو مازن لعدم التحاور مع حماس.

 

- بعد فتح ثغرة على الحدود المصرية مع قطاع غزة وتدفُّق مئات الآلاف من الفلسطينيين على العريش لشراء حاجاتهم والعودة، شنَّ الإعلامُ المصري الرسمي هجومًا ضاريًا على حماس والفلسطينيين بدعوى تهديد الأمن القومي المصري وصل به الحال إلى وصف الفلسطينيين بأنهم أخطر على مصر من اليهود، وصرَّح أبو الغيط وزير الخارجية المصري بأنه سيكسر قدم الفلسطينيين إذا حاولوا مرةً أخرى عبور الحدود، وعاد الحصار الخانق مرةً أخرى على غزة، ورفضت مصر فتح معبر رفح رسميًّا بضغوط أمريكية وصهيونية.

 

- اعتقلت قوات الأمن المصرية العشرات من أعضاء حماس كانوا قد دخلوا الحدود مع الآلاف للتزوُّد بالحاجات الملحِّة، وعُذِّبوا بقسوة في مقارِّ مباحث أمن الدولة واستجوبوا للحصول على معلوماتٍ خطيرة جدًّا حول مكان الجندي الصهيوني الأسير جلعاد شاليط, وتحرُّكات إسماعيل هنية ووسائل التصنيع العسكري لدى المقاومة.

 

- اتّفق على إعلان صنعاء في اليمن ببنوده السبعة للحوار بين فتح وحماس، والذي انقلبت عليه فتح بعد توقيعه مباشرةً بدقائق!!

 

- بدل أن يخفِّف النظام المصري من الحصار على غزة قرَّر تنفيذ الأجندة الصهيوأمريكية بتشديد الحصار على غزة ببناء جدار ارتفاعه 3 أمتار على طول الحدود مع القطاع بلغت تكلفته 450 مليون جنيه وتعزيز قوات حرس الحدود بـ1200 جندي من الأمن المركزي مدجَّجين بالسلاح.

 

- الحملة التي شنَّها النظام المصري على ما يزعم أنها خلية إخوانية لتصنيع طائرات بدون طيار لإرسالها لحركة حماس في غزة.

 

- إجمالاً.. هناك تحامل من النظام المصري على حركة حماس وانحياز لفتح؛ خدمةً للمشروع الصهيوأمريكي فيما عدا الاحتفاظ بشعرة معاوية مع حركة حماس؛ لأسبابٍ تتعلَّق بالأمن القومي المصري والوضع على الحدود وتوازنات إقليمية ودولية.