الصورة غير متاحة

 محمد السروجي

حالة من الضغط والارتباك تعانيها الجماعة المصرية بكافة ألوان طيفها السياسي والشعبي؛ بسبب مناخ الاستبداد والفساد المهيمن، والغموض الذي يسود المشهد العام؛ فلا أحد يعرف أين نحن؟ وإلى أين نتجه؟ الشعب محتقن ومعرَّض للانفجار في أي وقت، والشواهد كثيرة، والأسباب معلومة، والأحداث متلاحقة.

 

في هذا المناخ الصاخب والضاغط طُرِحَ السؤال المهم والحَرِج من داخل الجماعة؛ حيث الشباب المتحمس، ومن خارجها؛ حيث المتعاطفون والمناصرون بل الكارهون للنظام المستبدّ: أين الإخوان المسلمون؟ ليس بحثًا عن غائب ولا مفقود؛ ولكن أملاً في دور معين ومحدود ترغبه الجماهير وتتمنَّاه.

 

بل قوبلت التصريحات والمواقف الصادرة عن الجماعة بخصوص الأحداث الماضية (حالات الغضب والاحتجاج التي تسود قطاعات كبيرة من المؤسسات العمالية والمهنية المختلفة وانتخابات المحليات، وما صاحبها من المشاركة، ثم المقاطعة وإضراب 6 أبريل والأحداث المترتبة عليه وأيضًا الأحكام العسكرية الصادرة ضد قيادات الجماعة) بجملة من الملاحظات والآراء من داخل وخارج الجماعة؛ بين مؤيد ومتحفظ ومعارض، بل انتقلت لمساحات أخرى من الاتهام والتحريض، خاصةً من بعض بقايا التيار العلماني واليساري الموالي للنظام.

 

وتساءل البعض إن كان هناك ثمة مبررٌ للانتقاد والرفض من خارج الجماعة؛ سواءٌ من المحرضين طعنًا فيها أو من المتعاطفين أملاً بها؛ فما هي مبررات هذه المواقف من داخلها؟! هل هناك مشكلات داخلية تعانيها الجماعة؟ وما هي؟ وكيف يتم التعاطي معها؟ وأسئلة أخرى مطروحة عن أهم وأكبر فصيل سياسي وشعبي إشفاقًا عليه وأملاً فيه، في ظل واقع معيشي مأزوم وسياسي مسدود وأمني متربص!!.

 

منطلقات لا ردود

* سيبقى الاختلاف في الرؤى قائمًا لبقاء أسبابه، والتي هي من طبيعة الأشياء، وهذا أمر مقبول ومتوقع، ومنها:

- المرجعية الفكرية والعقدية للتناول.

- منهج التغيير المعتمد وسماته.

- المناخ السياسي والأمني غير المستقر ولا الآمن.

 

ولكن من غير المقبول أن يفرض لون أو طيف سياسي بعينه منهجَه أو وسائله على غيره تحت أي مسمًّى، حتى ولو كان استثمار الفرص، وإدارة الشارع، أو إصلاح الآخر لدمجه في المعادلة السياسية أو تقديم كشف حساب ممن لا يدفعون ثمنًا أو يقدمون عملاً أو منعًا للتوريط وتصدير الأزمات.

 

* ميدان القول غير ميدان العمل والممارسة؛ فالأول لغير الإخوان بلا سقف، والأول والثاني للإخوان سقفه متحرك؛ حسب المناخ السائد وطبيعة المرحلة، وقد تستوجب المسئولية على قيادات الإخوان مواقف وإجراءاتٍ قد لا يرضى عنها الآخرون، وهذا أيضًا وارد ومتوقع، وهنا أشيد بالموقف الواعي للدكتور عبد الوهاب المسيري في تصريحه "أتفهَّم موقف الإخوان من الإضراب الذين لو شاركوا فيه لنُصِبَت لهم المشانق في الشوارع".

 

* هناك فرق بين الحق في ممارسة الأدوات الديمقراطية؛ من إضراب أو احتجاج أو حتى عصيان مدني.. وبين ضرورة توفر عوامل وضمانات النجاح ليتحقق الهدف، وإلا كان إهدارًا للوقت والجهد والإمكانات وارتفعت الكلفة.

 

* وجود المشكلات أمر طبيعي، خاصةً في كيان بحجم الإخوان، بل هو علامة صحة وفاعلية وحركة، لكن يبقى الرهان على كيفية التعاطي معها.

 

* ينبغي ألا يخضع بعض رموز الجماعة وقواعدها للابتزاز الفكري والسياسي الحادث، والمرحلة تستدعي التحفُّظ والحذر في ظل نظام إعلامي غير آمن.

 

* الإخوان تيار وطني، له وعليه شأن كل الكيانات البشرية، لكنه سيبقى دائمًا الرقم الفاعل والمؤثِّر في كل معادلات العمل والإصلاح؛ لأنه يملك ما لا يملك غيره من الإمكانات والطاقات ومع ذلك فهم (الإخوان) على يقين أن مهمة الإصلاح لا يقوى عليها فصيل سياسي منفرد، ويؤكدون على التوافق المجتمعي حول رؤية الإصلاح، والإصرارُ على إقصائهم هو إصرارٌ على مخالفة سنن التغيير الكونية، بل وإصرارٌ على عدم التغيير أصلاً.

 

* تعريف عموم الجماهير الراغبة والضاغطة بنهج الإخوان السلمي المتدرِّج في الإصلاح مسئولية الجماعة دون غيرها.

 

* على قواعد الجماعة إدراك أنها مستهدفة في فهمها وثقتها بمشروعها وقيادتها، بل أكثر من ذلك بإقصائهم عن العمل والإصلاح السياسي؛ بحجة أن رجل السياسة غير رجل الدعوة، وستباح كل الوسائل والأدوات الممكنة لترسيخ هذا الادِّعاء وتنفيذه.

 

* السجال القائم فرصة جيدة للارتقاء بالوعي والأداء السياسي لرموز وقواعد الإخوان لمستوى يليق بمكانة وحجم وتأثير جماعتهم العريقة وتاريخها الوطني المشرف.

 

وأخيرًا..

ستمرُّ الجولة بكل ما فيها، وستُضاف إلى رصيد الجماعة المليء بالجولات المشابهة، وستنضج وتظهر قيادات إخوانية جديدة تحتاجها المرحلة القادمة؛ ليستمر الكيان أشدَّ قوةً وأصلبَ عودًا، رغم قسوة الضربات وتضارب الرغبات وتعاقب الأنظمة.