"أكتبُ نثرًا, وأنظم شعرًا, فإن كنتَ تريد أن تراني فاقرأ كلماتي".. هذا ما كتبه وألحَّ عليه كل النقاد العرب والأجانب، والمقصود بالرؤية: الأبعاد النفسية, والعقلية والفكرية, والعقدية للشخصية، أي ما يسمَّى "الأبعاد الجوانية"، وفي إحدى قصائدي كتبت:
ثم صالت عصابة الإفك بالغد رِ على الحق صولةَ الثعبانِ
فحضرنا جنازة النصرِ والقا نونِ والوعيِ والعلا واللسانِ
يومها مصر يُتِّمتْ, وتجلَّت شمسُها في الحدادِ والأشجان
إذ تولَّى الحجاب ظفر وناب وسياط, وصولة السجان
إنها الحال التي تعيشها مصر الآن, وخصوصًا بعد إصدار المحكمة العسكرية أحكامها الظالمة الجائرة على أربعين من أشرف الناس وأطهر المواطنين، فهل بالغتُ حينما قلت: إن حكَّام العهد المباركي عصابة إفك؛ تحقِّق ما تريده بالغدر والخيانة، والتزوير والقيود, والسجون والتعذيب.
وفي هذا العهد رأينا مصرع القانون والفكر الحر والقيم الشريفة واللغة، أما النصر فلم يعد له في حياتنا مكان, وأصبحنا أمام اليهود والأمريكان مستسلمين مقهورين أذلاء.
إن هذه المحاكمة تمثِّل نقطة عار, بل أبشع نقطة عار في تاريخ هذا العهد, بل تاريخ مصر كله:
- فهي قضيةٌ بنيت على "لا شيء" إلا الحقد الأسود.
- وإحالة الإخوان على القضاء العسكري والإصرار على ذلك يُعدُّ باطلاً من ناحية، كما يُعدُّ إزراءً وتحقيرًا للقضاء المدني الذي يُعدُّ صاحب الاختصاص، والولاية الأصيلة من ناحية أخرى.
- وسمعة النظام المصري بهذه التصرفات المختلة أصبحت في الطين، وهي تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان، وأصبحت مصر في مقدِّمة الدول التي تسيء إساءات بالغة لحقوق الإنسان، وقد بدأت حركات احتجاجات عالمية شعبية ضد الخلل السياسي المصري بمظاهرة المصريين في برلين, بمشاركة العرب والمسلمين بألمانيا يوم السبت 25/4/2008م أمام مبنى السفارة المصرية؛ احتجاجًا على الأحكام العسكرية ضد الإخوان, واستمرار حملات الاعتقال بحق نشطاء المجتمع المدني وحركة كفاية.
***
وقالوا: "بضدها تتميَّز الأشياء"، وهي قاعدة نؤمن بجدواها، وهي تقتضينا- على هذا الاعتبار- أن نلقيَ الضوء على محاكمتَين أبطالهما يهود صهاينة: الأول عزام عزام, والثاني مصراتي وعائلته.
الجاسوس الصهيوني عزام عزام, رأيته، ورأيت عملية الإفراج عنه, ورأيته ينفخه الغرور في القنوات العربية الفضائية, وهو يستقل السيارة إلى مطار القاهرة, والبِشْر يغمر وجهه, والعافية تمنحه موجةً من النشاط وهو يرفع يده بعلامة النصر, ويستقل إلى تل أبيب طائرةً خاصةً, ومظاهرات "الإسرائيليين" تستقبله استقبال الأبطال, وهو يخطب فيهم "كنت في مصر ميتًا، وهنا أحياني شارون" وبالأحضان "تلقَّاه" "رجل السلام!!!" شارون.
كل أولئك جعلني أشعر بالأسى والمرارة والغثيان, وفي ظل شعوري الحاد بوطأة أثقال هذا الأسى أتلقَّى رسالةً طويلةً بـ"الفاكس" من قارئ أديب, والرسالة تدل على وعي وشفافية ومتابعة دقيقة للأحداث, والأسئلة التي طرحتها الرسالة تتمتَّع بالطرافة من ناحية, وتكاد تحمل في أحشائها إجاباتها من ناحيةٍ أخرى, فجاءت وكأنها من قبيل "تجاهل العارف"، وأعتذر للأخ؛ إذ أكتفي بالوقوف أمام سؤالين فقط من أسئلته.
والسؤال الأول: بعد توقيع اتفاقية الكويز, هل يستطيع مسئول مصري- مهما كان مركزه- أن يمنع الجاسوس "عزام عزام" من دخول مصر سائحًا أو زائرًا?! وهل يستطيع ذلك إذا جاء عضوًا في لجنة "إسرائيلية للبحث" واستخدام الخبرة في أمور النسيج, أو جاء رئيسًا للجنة من هذه اللجان?!
وأقول للأخ السائل: لو حدث ذلك لكُنَّا أمام احتمالٍ من احتمالين: الأول: أن يرفض المسئولون دخوله, ولو فعلوا ذلك لكان إخلالاً بالاتفاقية, ومنطقيًّا يمكن أن يقال: إذا كان المسئولون المصريون قد عفوا عنه من جريمة ثابتة, فكيف يستقيم هذا مع المنع, وهو لم يحدث منه بعدها ما يؤاخذ عليه قانونًا?!
أما الاحتمال الثاني- وهو الراجح, وأكاد أقول: هو الوحيد- فهو السماح المطلق بدخوله, والمشاركة الفعلية في الاجتماعات والتنسيق والتصنيع؛ فهو خبير سابق في عمليات الملابس والنسيج, وطبعًا ستُسلَّط عليه الأضواء, وقد يطلق عليه مسئولونا "الملاك الطاهر" بعد أن كان "المجرم الضليع", ولا عجب؛ فشارون يصفه كبارنا بأنه "رجل سلام", بعد أن وصفوه من قبل بـ"مجرم الحرب والعدوان, وعدو الاستقرار والنظام".
ولو "شرَّفنا" "النبيل" عزام, لمثَّل ذلك لطمة جديدة لكرامة المصريين ومشاعرهم, ولأثار كوامن نتمنَّى أن تموت.
والسؤال الثاني في رسالة القارئ- وهو أطرف من الأول-: "لو هلك عزام هذا- بعد عمر قصير إن شاء الله- وكتب في وصيته أن يُدفن بجانب "سيدهم أبو حصيرة" في مصر.. هل تستطيع حكومتنا أن ترفض تحقيق هذا الطلب?! وطبعًا سيصير قبره أو ضريحه مزارًا؛ لأنه حقَّق "معجزة" الاستهانة والسخرية بالمصريين".
وأقول: إذا كان الكيان الصهيوني قد رفض تنفيذ وصية عرفات بأن يُدفن في القدس, فإن حكامنا لن يستطيعوا رفض الوصية العزامية للأسباب التي ذكرناها في إجابة السؤال الأول، وطبعًا سيكون من حق "الإسرائيليين" أن يتدفَّقوا بعشرات الألوف على مصر لزيارة ضريحَي الوليين صاحبَي الكرامات "أبو حصيرة" و"عزام"، ومن حقهم أن يعقدوا أمام الضريحين حلقات العبادة والذكر, وقد تستغرقهم "الغيبوبة الروحية", فيهتفون: "مدد.. مدد.. يا أبو حصيرة.. مدد.. مدد.. سيدي عزام"، ولا تستبعد أن تضم الساحة ضريحًا ثالثًا لخنزيرٍ ثالثٍ اسمه "مصراتي".. سنتحدث عنه بعد قليل.
***
وقد رفض المسئولون الكبار جدًّا مقولة إن الإفراج عن عزام جاء كجزءٍ من اتفاقية سرية, أو بضغط خارجي بين يدي اتفاقية "الكويز"، ثم تعدَّدت التبريرات من المسئولين، وحملة قماقم النفاق من الصحفيين والكُتَّاب السياسيين، فذهب بعضهم إلى أنه أُفرج عنه بعد قضاء نصف المدة, وكان "نموذجيَّ" السلوك وهو في السجن.
وهو تبريرٌ يرفضه الواقع؛ لأن "عزام" لم يقضِ من الخمسة عشرة عامًا المحكوم بها عليه إلا سبعة أعوام، وقد عاش في السجن سيئَ السلوك معوجَّ الخلق, ودأب على سبِّ مصر والمصريين دون حياء، ثم إن مثل هذه القضايا الخطيرة تقتضي التشديد لا التخفيف.
وهناك آلاف من المعتقلين المصريين قضَوا في المعتقلات أكثر من عشر سنين دون محاكمة, ولا يعرف أهلهم عنهم شيئًا.
وقال بعضهم: بل أُفرج عنه لأسبابٍ صحيةٍ، وهو تبرير مضحك؛ لأنه كذب بواح؛ فقد رأيناه كالثور قوةً وصحةً وسوءَ أدب.
ولماذا لا تشمل هذه الإنسانية المساجين والمعتقلين المصريين?! وقد قرأنا في جريدة (آفاق عربية) كيف انحدرت صحة الصحفي أحمد عز الدين المسجون احتياطيًّا بلا سببٍ مقنعٍ ثم أحيل- ضمن أربعين من الإخوان- على القضاء العسكري.
وأظهرُ هذه التبريرات أن "عزام" أُفرج عنه مقابل الإفراج عن الطلاب المصريين الستة الذين كان من الممكن أن تصدر عليهم أحكام قاسية.
وهو تبرير ظاهر الوهن؛ لأن التحقيقات أثبتت أن هؤلاء كل تهمتهم أنهم ضلُّوا الطريق فدخلوا "إسرائيل" دون أن يعرفوا، ولم يكن معهم من السلاح ما يُحدث تخريبًا أو تدميرًا أو قتلاً، ثم إن المقايضة ظالمة؛ ظالمة إذ يُطلَق سراح مجرم مقابل إطلاق سراح أبرياء، وكان حكامنا -بشيء من الإصرار- يستطيعون حمل "إسرائيل" على إطلاق هؤلاء الستة مقابل التصفية العمدية لجنودنا الثلاثة في رفح, ومن عجب أن تبرِّئ لجنة التحقيق "الإسرائيلية" قاتلهم بزعم أن الحادث وقع في ليلةٍ كثيفة الضباب (!!!)، ثم إن الزعم بانتظار أحكام قاسية عليهم لا يعدو كونه احتمالاً، مجرد احتمال.
هذا، وقد صرَّح "سيلفان شالوم" وزير الخارجية "الإسرائيلي" أن الحكومة المصرية أفرجت عن عزام دون قيد أو شرط, وأنه- حسب الاتفاق مع المصريين- فإن عدم إطلاق سراح هؤلاء الستة لم يكن حجر عثرة في إتمام صفقة عزام، وإنما أطلقت "إسرائيل" سراحهم كبادرة حسنة، مع أن المسئولين المصريين لم يشترطوا الإفراج عنهم.
وكيف تناسى حكامنا أن هناك 280 مصريًّا في سجون الكيان الصهيوني؛ بعضهم مضى عليه في سجونهم قرابة نصف قرن، وقد أوردت جريدة "العربي الناصري" أسماء هؤلاء (12/12/2004).
وكتب إبراهيم سعدة
وفوجئنا يوم السبت (18/12/2004) بإبراهيم سعدة في مقاله الأسبوعي بـ(أخبار اليوم) يأتي بغريبٍ كأنه يتحدَّث إلى شعبٍ أبله عبيط. يقول بالحرف الواحد: "أما اليوم, وقد أمضى الجاسوس الإسرائيلي أكثر من نصف مدة العقوبة (وهذا غير صحيح)، فإن الإبقاء عليه داخل سجوننا أصبح -من وجهة نظري- لا معنى له, ولا هدف يُرجى من ورائه، والإبقاء علي الجاسوس عزام في سجوننا أصبح بلا معنى، كما أنه أصبح يمثِّل عبئًا ما أسهل التخلص منه!!.
وإنني أعلن عن قناعتي التامة بأن الجاسوس الإسرائيلي أصبح- منذ فترة طويلة ماضية- شخصًا غير مرغوب فيه في سجوننا، ولو كان الأمر بيدي لبادرت بطرده من بلادنا" (ص 10- أخبار اليوم 18/12/2004).
وأقول لهذا الكاتب: مبارك عليك؛ فأنت بالمقولة الأخيرة صاحب نظرية جديدة خلاصتها أن المسجونين نوعان: نوع تعتز به الحكومة وتتمسَّك به؛ لذلك فهي لا تفرِّط فيه أبدًا, وتتولَّى "حفظه" في سجونها وزنازينها، ونوع "دميم" سيئ الأدب، لا يستحق أن ينال هذا الشرف، فعلى الحكومة طرده من سجونها فورًا.
ونقول: يا سيدنا.. شعبنا- والله- ليس عبيطًا أبله, ولم يعد يفرز "ريالة"؛ لأن حكومة الحزب الوطني "نشِّفت" ريقه بالجوع والمرض, والرعب والفقر.
وعلى أية حال فقد نلتَ ثوابًا جزيلاً بكلامك هذا؛ لأنك أضحكتنا ورفَّهت عنا, وإلى مزيدٍ من الإبداعات والنظريات الجديدة.
مصراتي.. ولغة التبول
ومنذ قيام الميمونة سنة 1952 وقبلها والصهاينة يتعاملون معنا بسلاح الغدر والتدمير عن طريق زرع أمثال عزام, ولا يتسع المقام لعرض تاريخهم الأسود القذر في هذا المجال.
وهناك سابقة إفراج عن جاسوس مجرم دون مقايضة أو بدل، وهو الجاسوس "مصراتي" وابنه وابنته فايقة مصراتي سنة 1992م.
وكان مصراتي أقذرَ من وَقَفَ في محكمة مصرية؛ فقد سبَّ مصر وسبَّ المحكمة والقضاة علنًا، وأكثر من ذلك تبوَّل على القضاة المصريين، فلما أراد ضابط مصري منعه وجَّه إلى وجهه لكمةً قويةً أشعلت أنفه وأفقدته الشعور بمكان أذنيه.
وحكمت عليه المحكمة بثلاث سنين ونصف لهذه الجريمة فقط, واستمرَّت محاكمته لتهمة التجسس.
أما ابنته فقد استخدمت جمالها لنقل "الإيدز" للشباب المصري, و"شخصيات" أخرى.
وفجأةً.. أفرج حكامنا عن "مصراتي" وآله دون أن يستوفيَ عقوبةَ التبول وضرب الضابط المصري, والسبب غير معروف وغير مشهور حتى الآن. وادعوا للسلطان بالنصر.
***
ومن حقك- يا قارئي العزيز- أن تسأل: لماذا يتجرَّأ هؤلاء الأقذار علينا سبًّا وتحقيرًا واستهانةً?!.. الإجابة واضحة كل الوضوح: لأنهم يأتون جرائمهم وهم على يقينٍ أن حكومتهم معهم ووراءهم، ولن تتخلَّى عنهم.
أما نحن.. فحكومتنا دائمًا علينا، موكَّلة بنا, تجد المتعة واللذة في إيذائنا وتعذيبنا, والقضاء على أصحاب العقائد الشامخة والمبادئ والقيم العليا.
***
وأخيرًا.. أقول للإخوة الممتحنين في سجون مبارك: لقد نظم شاعر النيل حافظ إبراهيم سنة 1900، أي من قرن وثماني سنوات، قصيدةً طويلةً, كأنه يقصد بها رءوس الحكم المباركي؛ إذ يقول فيها:
إذا رُمتَ أن تلقََى السعادةَ بينهم فلا تكُ مصريًّا, ولا تكُ مسلمًا
وعيبكم الفادح أيها الإخوان أنكم مصريون, وأنكم مسلمون.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 227).
------------
*
komeha@menanet.net