حينما تتكالب الهموم وتثقُل، وعندما تتزايد الأعباء، وتجثُم على الصدور حتى نكتم الأنفاس.. أحاول أن ألجأ إلى قلمي أبثه همِّي، وأشكو له معاناتي، وقد يستجيب القلم طوعًا ورضًا، وقد يرفض التجاوب معي؛ إحساسًا منه بالعجز عن التعبير، ويأسه من أن يوصل رسالتي إلى من يحسُّها ويدركُها..
ويجول بخاطري ما يعانيه شعبُنا المغلوب على أمره، والذي حُرِمَ من أدنى حقوقه؛ فلا حرية ولا قدرة على التعبير، والانهيار الاقتصادي يزلزل أركانه، والحكومة بعد أن عجزت عن مواجهة واجباتها وأعبائها أسلمت مقدَّراتِها ومقدراتِ الأمة لجهازِها الأمني الذي لم ولن يعرف إلا سلاح القهر والترهيب والزَّيف والاضطهاد سبيلاً إلى تحقيق غاياته وأهدافه، واسترجعت ما يجري على الساحة، فعنَّت لي تلك الخواطر والهموم..
آخر ما كان يتصوَّره المواطن المصري أن يصل به الحال إلى تلك الأزمة الخانقة التي تمس أهم متطلبات قوته اليومي، ولقد سجَّلت الدولة بحكومتِها ووزرائها وأمنِها أنها قادرةٌ على سحق كرامة المصريين وتوظيفهم للوقوف ساعاتٍ وساعاتٍ أمام المخابز؛ فأوقات تهدر، وجهود تبعثر، وتفاقم الأمر حتى وصل إلى حدِّ القتل والبطش.
والحكم وسدنته.. وكأنهم أغشيت أعينهم، وغابت عقولهم بأوهام لا محل لها؛ فالدقيق المدعوم يباع في السوق السوداء، والدقيق المدعوم في مخازن تجَّار الجشع والاحتكار، وأتساءل: أين أنياب الحكومة الشرسة؟ وأين الأمن الذي كثَّفته وسلَّطته على السياسيين فقط واحتكرته لحفظ النظام وخدمة الكراسي؟ أين مشروعات الحكومة العملية التي قد تهدف إلى سدِّ الفجوة الغذائية وتوفير أدنى المتطلبات للشعب المحروم الجائع؟!
ألم يكن الأَولى والأَحق أن توجّه سياستنا الزراعية إلى إنتاج القمح والسلع الضرورية بدلاً من إنتاج الكانتلوب والفراولة التي تصدَّر للخارج، ولا يستفيد منها إلا رجال الأعمال؛ الذين يديرون عجلة الدولة لحسابهم؟!
أذكر هنا عرض السعودية في استصلاح آلاف الأفدنة وزراعتها بالقمح هديةً لمصر؛ (في عهد عاطف صدقي)، وبعد أن تمَّت كل الإجراءات دُفِنَ المشروع دون أن ندري سرًّا لهذا!!.
يا سادة.. المطلوب في ظل هذه الحكومة أن نعيش تحت رحمة الهيمنة الأمريكية الصهيونية وسطوتها، وأن نتلقَّى ضروراتنا وجبةً بوجبة ولقمةً بلقمة، مقابل تنازل وخضوع، والحل في أيدينا، ولكن ماذا نفعل والقائمون على الأمر يخدعون أنفسهم، ويخدعون شعوبهم، ويسطِّرون تاريخهم في سجلاَّت الخيانة والعجز؟!
من الهموم التي تؤرِّق كل صاحب عقل ولب وتُنبئ عن دمار مستقبل الأمة وضياع مقدَّراتها؛ ذلك الأسلوب الفجّ الرخيص الذي تتبعه الأمة في مواجهة أحكام القضاء؛ فالتعامل مع أحكام القضاء يقابَل بكلِّ استهتار وازدراء إذا لم يكن في مصلحتها أو محققًا هدفًا من أهدافها التي لا تعمل إلا من أجل النظام الحاكم وحفنة المستفيدين؛ فإذا كان الرمز والقدوة يعامل هكذا فماذا ترجو من الآخرين؟!
والأدهى والأمرّ من ذلك؛ التوجه البغيض الذي سلكته مجموعةُ النظام وسدنتُها، من استخدام البلطجية وأصحاب السوابق والمجرمين لمواجهة أي صورة من صور المعارضة (حتى لو كنت تنهج أعلى وأسمى الأساليب الدستورية)، وليس ببعيد ذلك الجيش الذى استخدمته الحكومة في أيام انتخابات مجلس الشعب والشورى ثم المحليات، ثم أصبحت قدوة للسائرين على نهج النظام كما تم في جامعة عين شمس جهارًا نهارًا وفي واحدة من أعرق معاقل العلم في مصر.
ألم يدْرِ من يسلكون هذا المسلك المدمِّر أن هذا البلاء قد استشرى واتسعت دائرته وأصبح عنوانًا للنظام الحاكم وقدوةً يقتدي بها المفسدون المستبدُّون في كل مكان؟!
ويتضاعف الإحساس بالهمِّ عندما تطرق الآذان كلمة الإصلاح والتغيير؛ فالواقع يتنافى تمامًا مع مدلول هذه الكلمات، والأمور تسير من سيئٍ إلى أسوأ، والتخريب يطول كل ركن من أركان الدولة، ولا محاسب ولا رقيب!!.
وأبلغ صور هذا التدنِّي ترصُّده صناديق الانتخاب في كل مكان؛ فالتزوير والغش والتدليس هو العنوان، ولا مكان لأحد إلا أعضاء الحزب الحاكم (حتى لو كان منهم نواب القروض ونواب النقوط والمتاجرون بقوت الشعب وضروراته).
وتزايدت ملامح الصورة قتامةً وغلوًّا في انتخابات المحليات الأخيرة؛ فكان المنع والتصدي لكل المتقدمين، ورُصِدَت كل القوى حتى الموظفين الموكل إليهم تسليم أوراق المرشحين؛ صدرت لهم الأوامر بتنفيذ المخطط المخالف لكل الأعراف والقوانين والدساتير، وحشدت جموع البلطجية والسوابق كالعادة، وفاز النظام قسرًا ودون حياء بأغلب الكراسي.. لمصلحة من؟! ولخدمة من؟! وكل لبيب بالإشارة يفهم!.
ولما قامت فئات الشعب تطالب بحقوقها، وتسعى للمطالبة بما تستطيع به مواجهة الارتفاع المفاجئ والجنوني في أسعار الضرورات انطلقت سهام الاتهامات في كل اتجاه تتهم كل صاحب حق شريف بزعزعة الاستقرار والعمل ضد مصلحة الوطن، ويا لحمرة الخجل..!! ويا لقلة الحياء..!!؛ فقد قلبت الحقائق وأصبح المظلوم ظالمًا والمغلوب غالبًا، وازداد عدد المعتقلين، وبُنيت لهم السجون والليمانات، وأصبح هذا هو مكان كل مطالب بحقه!.
الهموم كثيرة، تستغرق كل ذرة في كيان كل شريف مؤمن بحقه في حياة حرة كريمة؛ فكانت ثالثة الأثافي كما يقولون وقمة البلطجة السياسية هو تحويل فريق من أطهر من حملتْه الكنانة خلقًا وعلمًا والتزامًا (لا لشيء إلا لأنهم غير مرضيٍّ عنهم من ذلك النظام الفاسد المستبد) إلى المحاكم العسكرية؛ ففي ظلام ليل حالك السواد؛ حيكت المؤامرة، وتمَّ القبض على 40 من خيرة أبناء الأمة، ورُوِّعت أسرُهم، وسُلِبَت ونُهِبَت أموالُهم عيانًا نهارًا، تحت سمع الجميع وبصره، وأُحيلوا للمحاكمة وبرَّأهم القضاء (ذلك الصرح الشامخ) أكثر من مرة، ولمَّا لم يجد مدبِّرو المؤامرة سبيلاً لتحقيق أهدافهم المغرضة والمسمومة لجؤوا إلى الأسلوب المبتذل المرفوض من العالم أجمع، وأحالوهم إلى المحاكم العسكرية، ورغم استنكار كل القوى والمنظمات القانونية والمهمومة بحقوق الإنسان (داخليًّا وخارجيًّا)؛ فإن منطق اللا مبالاة والحرص على رضاء الأسياد (أمريكا والكيان الصهيوني) أعمى القلوب قبل العيون؛ فكان ما كان، وصدرت الأحكام الجائرة في نفس اليوم الذي تمَّت فيه تبرئة المتهمين في قضية أكياس الفاسدة؛ التي تسبَّبت في تدمير صحة المصريين، فيا لها من مفارقة!.
وغابت البصائر عما يجري في العراق وفلسطين والسودان وأفغانستان، بل تطوَّع هؤلاء في كثير من الأحيان في المشاركة في الوقوف أمام إخواننا الذين يعانون في هذه البلاد وما أمرُ ممرّ رفح ببعيد!!.
يا أيها السادرون في غيِّهم.. يا أيها الغافلون.. إن عين الله لا تغفل، وحسابه عسير.. ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾ (الفرقان).. ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)﴾ (آل عمران).
-------
عضو مكتب الإرشاد.