من الواضح أنه لا تجدي كل عبارات الرثاء في الحالة العربية التي تشهد انكسارًا متزايدًا في الحساب الختامي منذ عام 1948 حتى الآن، كما لم يعد يُجدي في النظرة الإستراتيجية أن نقدم توصياتٍ بعد أن حكم المنطقة قانونٌ حديديٌّ له متطلباته الإقليمية والعالمية.
ومع ذلك فمن المهمِّ أن نطل على صعود المشروع الصهيوني؛ لنرى جوانب قوته ودواعي اندفاعه وجوانب ضعفه وإمكانية انكساره، لا بد أن نقرر أننا في الجانب العربي تمسَّكنا بالبكائيات العربية شعرًا ونثرًا وفي أعمالنا الدرامية، ونجحنا في تصوير أبعاد المأساة العربية التي سببها أساسًا "إسرائيل"، ولكننا أغفلنا أمرين مهمين، الأول: هو الطريق الذي يجب أن نسلكه ولو كان متواضعًا بشرط أن يكون ممكنًا، والثاني: أننا لم نصارح أنفسنا بأن عيوبنا أعظم من قوة "إسرائيل"، بل إن فريقًا منا اطمأنَّ تمامًا إلى أن "إسرائيل" زائلة وليس على المنطقة إلا أن تتحلَّى بطول النفس والانتظار.
على الجانب الآخر خططت الحركة الصهيونية لإقامة "إسرائيل" كما تخطط لإتمام المشروع الصهيوني والدخول مرحلة ما بعد الصهيونية بإنشاء الدولة اليهودية على كل فلسطين، كذلك تتصور "إسرائيل" مكانًا لنفسها في المنطقة بعد عشر سنوات أي عام 2020م، أما الجانب العربي فقد انفرط عقده تحت أوهام السلام والضغوط الأمريكية منذ عام 1979م؛ مما سمح بالتطورات الدرامية اللاحقة وأبرزها احتلال العراق وتدمير واتساع المشروع ليشمل مواقع ساخنة أخرى في لبنان والسودان، وسوف تكشف الأيام القادمة عن المزيد من الساحات التي تشهد على تردي أوضاع العالم العربي، ولذلك من العبث الحديث عن خطة عربية للسلام وغيرها من الطروحات التي تعبر عن التراجع العربي والتعلق بأوهام حقيقية.
هذه المناسبة تسمح لنا بالتأمل في العشرات من القضايا..
أولها: رحلة "إسرائيل" من قرار التقسيم، وتجمع أعداد من المهاجرين وفق مخطط محكم نفَّذته بريطانيا وأمريكا إلى تغوُّل هذه الحفنة في المنطقة.
وثانيها: تحوُّل معنى الصهيونية في العالم العربي من الصورة السلبية البغيضة إلى صورة تقدمها "إسرائيل" وتعتبرها حركة تحرر قومي، فقد أرغم العرب على نفي الصفة الإجرامية والعنصرية عن الحركة العنصرية، حتى صارت القوانين تعاقب أي تطاول على الصهيونية بتهمة اللا سامية، كما عدلت القوانين الجنائية في مصر لإزالة كلمة الصهيونية وغيرها مما كان يعدُّ التعامل معها جريمةً سياسيةً خطيرةً، بل صار التعاون الأمني العربي الصهيوني ممكنًا وأصبحت "إسرائيل" جزءًا من الأمن في بعض النظم العربية، بينما صارت المقاومة تهديدًا لهذا الأمن، فاختلطت الأوراق واختل الميزان.
أما القضية الثالثة فهي: أن الأمن القومي العربي صار لفظًا بلا معنى، وصارت الرموز القومية بكاءً على لبن مسكوب واسترجاعًا لفترة مضت وقد لا تعود.
وهذه القضية تسلم إلى قضية رابعة وهي: أن واشنطن طوال هذه العقود كانت تعتبر "إسرائيل" الديمقراطية الغربية الوحيدة في المنطقة، واعتبر البعض أن ضعف الدول العربية وفشلها إزاء "إسرائيل" سببه الديكتاتورية، ولو تحوَّلت هذه النظم إلى الديمقراطية فسوف تهزم "إسرائيل" وتنهي الصراع العربي- "الإسرائيلي" لصالحها.
ورغم أن هذه المقولة صحيحة تمامًا، فقد لوَّحت واشنطن بشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكن ثبت أنها أدواتٌ في سياستها الخارجية وأنها غير جادَّة مطلقًا في مساندة الحركة الديمقراطية في المنطقة؛ لأنها سوف تغرز نظمًا بالضرورة معاديةً لها، وأسعدها أن تلهب ظهر النظم العربية بالتظاهر بالدعوة إلى الديمقراطية، ولكنها طمأنت هذه النظم بأن المصالح السياسية التي تخدمها التحالفات أقوى من أية دوافع أخلاقية.
قضية خامسة مرتبطة بهذه المناسبة هي: أن واشنطن أكدت أن السلام في فلسطين يتطلَّب بالضرورة تنظيف البيت الفلسطيني؛ عن طريق إزالة الفساد وإدخال الديمقراطية، ولكن عندما فازت حماس هدمت المعبد فوق سكانه، فحاصرت الشعب كله عقابًا له على "سوء" اختياره، وعمدت إلى اقتلاع حماس، وتحاول ذلك بالتعاون مع السلطة الوطنية بعد أن غضَّت الطرف عن الديكتاتورية والفساد، وبذلك ظهرت خرافة العلاقة بين الديمقراطية والسلام، تعلمنا درسًا سادسًا، وهو أن السلام لا يعني سوى التسليم بالمشروع الصهيوني والإملاءات الأمريكية، ظهر خلال هذه المرحلة الطويلة أن الانكسار العربي أمام أمريكا و"إسرائيل" قد سمح لقوى أخرى، تتقدم لملء الفراغ ووراثة العالم العربي؛ فاختفى العامل العربي من القضايا العربية.
والسؤال: إلى أين تسير المنطقة بعد ستة عقود على إنشاء "إسرائيل" التي تسبَّبت في رهن العالم العربي ومقدراته وعلاقاته في هذا الصراع؟
تلوح أمامنا ثلاثة احتمالات..
الاحتمال الأول: هو أن الفجوة تتعمق في جدار النظم ما دامت "إسرائيل" وأمريكا مستمرتَين في الضغط وتمكين "إسرائيل"، فتشهد المنطقة انتفاضاتٍ شعبيةً أو انقلابات خاصةً مع تراجع القوة الأمريكية وعدم قدرتها وحدها على إدارة العالم دون تدبر وتفكير.
الاحتمال الثاني: أن تضطر الحكومات العربية إلى التخلي عن حالة التراجع المستمر أمام "إسرائيل"؛ فيصبح للسلام الإستراتيجي معنى حقيقيًّا مع استخدام أوراق القوة العربية، في هذا الاحتمال تصبح النظم نفسها مقاومة وتختفي قوى المقاومة، لتحلَّ محلَّها الجيوش العربية، وهذا احتمال أكثر قربًا من الواقع.
الاحتمال الثالث: أن يستمر التراجع العربي والضغط الأمريكي و"الإسرائيلي" مع الاجتهاد في تعطيل آليات التنفيس الشعبي على أمل توسيع دائرة طبقات كاملة من النخب الموالية "لإسرائيل" تحت ستار المصلحة الوطنية، ولكنَّ هذا الاحتمال قد ينجح في المدى القصير ولا يتعدى سنوات قليلة.
لكن الدرس الأهم والإستراتيجي هو أن "إسرائيل" هي التجسيد الأرضي للمشروع الصهيوني، وأن مصادر قوة هذا المشروع خمسة، وهي: العجز العربي، والاختراق الصهيوني، والتغول الأمريكي، والوحشية "الإسرائيلية"، ومعالجة عوامل الضعف في كفاءة "إسرائيل"، والدرس الأخير هو أن التعايش بين العرب و"إسرائيل" ممكن بشروط أهمها أن يتم تقييد "إسرائيل" في نطاق جغرافي معيَّن، وأن يدرك العالم العربي مخاطر المشروع الصهيوني ويستخدم كل الأوراق لوقفه، وأن يتعامل العالم العربي كوحدة واحدة، متجاوزًا الاختراقات الصهيونية، وأن يظهر كرقم مهمٍّ في معادلة القوة؛ بهذه الشروط فقط يمكن التعايش، وإلا فإن البدائل الثلاثة السابقة هي الأرجح.