ياسر عبده

يقولون: "المرء مخبوء تحت لسانه"، وقالوا: "تكلَّم حتى أعرفك"، ومن هؤلاء الذين لا تعرفهم إلا حينما يتكلمون، فإذا تكلَّموا حازوا إعجاب المستمعين الأستاذ ياسر عبده؛ المحاسب المصرفي الأمين.

 

حينما تتعرَّف عليه وتجالسه وتنظر إليه تظن أن هذا الوجه الذي يحمل ملامح الطيبة لا يحمل وراءه شيئًا عميقًا؛ فإذا تكلَّم في موضوعٍ ما تجد نفسك مشدوهًا من عمق تفكيره وسعة اطِّلاعه وتنوُّع ثقافته.

 

يحدثني عن بيته قائلاً: إن هناك غرفة مملوءة عن آخرها بالكتب، وحينما جاء ضابط أمن الدولة ليأخذ منها شيئًا لتكون أحرازًا في تهمة إصلاح مصر لم يستطع أن ينتقيَ شيئًا؛ لذهوله من كثرة الكتب، وحين اتصل الضابط برؤسائه موضحًا لهم استحالة إحضار جميع الكتب التي لديه؛ لأنها تحتاج إلى سيارة نقل كبيرة وعدة ساعات لحملها، فأجابوه بإحضار ما تيسَّر.

 

وقد أيقنتُ بمدى كثرة اطلاع أ. ياسر حينما نظرتُ إلى مكان سريره فوجدت أعلى السرير عدة صناديق ورقية بها الكثير من الكتب ومقالات مجمَّعة من جرائد مختلفة، ولمَّا سألتُه عن نوعية المقالات التي يجمعها فقال: "عدة أنواع، ولكن أكثرها عن مشكلات مصر الاقتصادية والحلول المقترحة لحلها"، وهي أهم ما يشغله دائمًا، وللحقيقة فإن إجابته أحيَت في نفسي أسئلةً كثيرةً؛ أهمها: لماذا لم يفقد هذا الرجل انتماءه لبلده رغم كل ما تعرَّض له من أذى؟! فها هو محبوس ظلمًا وعدوانًا ولكنه لا يزال يبحث في مشكلات بلده وكيفية حلِّها!.

 

وكانت الإجابة أن قال لي إنه يجتهد لينال الأجر من الله أولاً، ثم ليقينه أن دوام الظلم في هذا البلد لن يدوم، وسيأتي يوم تحتضن فيه مصر أبناءها، فيكونون أدوات رِفعتها ومجدها.

 

وعلى النقيض من كثيرٍ من المثقَّفين الذين قلَّما تجدهم يضحكون فإن أ. ياسر عبده صاحب سرعة بديهة غير عادية في ردوده المرحة، والتي يرويها على أسئلة مشاكسة تقصد منها معاكسته، فتجده يرد ردًّا يُفحم السائل ويُضحك السامع ويفيض على الجو روحًا من المرح وسمتًا من الفكاهة.

 

والجدير بالذكر أن أ. ياسر عبده هو ابن الأستاذ محمود عبده من الرعيل الأول للإخوان المسلمين، والذي شارك في حرب فلسطين 1948 وفي مقاومة الإنجليز في القناة؛ فهو ابن المجاهد العالم الداعية، فإن هذا الشبل من ذاك الأسد؛ حيث إنه كان قائد المتطوِّعين في معارك كبيرة؛ منها المعركة المشهورة باسم (التبة 86)، كما شارك في مقاومة الإنجليز.

 

والأستاذ ياسر عبده أب لابنةٍ واحدةٍ هي الآنسة أسماء، والتي أخذت من أبيها كل شيء، سواءٌ فكاهته أو ثقافته، ولكنها فاقته في حسن أسلوب كتاباتها؛ فهي تُجيد كتابة المقال والشعر، ولها باعٌ جيدٌ في الأدب.

 

وفي يومٍ كانت تزوره زوجته وخرجت لتنهيَ الزيارة ووقف يودِّعَها، فإذا بها تقبِّل يده، وأحسستُ في تقبيلها بمدى الاحترام والتقدير الذي تكنُّه له؛ فهو أهلٌ لهذا، وقد صدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حين قال: "خيركم خيركم لأهله".

 

وقد كان أ. ياسر محاسبًا في المصرف الإسلامي الدولي، والذي أصبح المصرف المتحد بعد ذلك، وهو أحد تلامذة الأستاذ يوسف كمال أكبر منظِّري الاقتصاد الإسلامي في عصرنا الحاضر رحمه الله.

 

وقد نظَّم أ. ياسر عبده عدة ندوات وحلقات نقاشية حول الاقتصاد الإسلامي والمعاملات الإسلامية، وقد حضرتُ بعضًا منها، فكان فيها خير محاضر إذا حاضر، فإذا كان مديرًا للحلقة كان مديرًا لها ببراعة منقطعة النظير.

 

ومن المتناقض في بلد المتناقضات أن تجد في سجن واحد أمثال أ. ياسر والمؤتمن على أموال المصريين المودعة في البنوك، وتجد بعضًا من مدراء البنوك الذين سرقوا أموال الناس يقضون عقوباتٍ هزيلةً في نفس السجن؛ فالأستاذ ياسر المحاسب والمصرفي الأمين يحاكَم أمام محكمة عسكرية، بينما المصرفي المرتشي والسارق يُحاكم أمام محكمة جنائية عادية ويقضي عقوبةً محدَّدة، يعتبرها عادة أنها إعارة لدولة خليجية، فضلاً عن أن الكثيرين يفلتون من العدالة ويتنعَّمون في الأموال الحرام.

 

وما يعجبك في أ. ياسر ترتيبه لوقته؛ فهو ملتزم بطابور مشي لمدة ساعة، ومزاولة لعبة الطاولة لمدة ساعة، ومجالسة إخوانه لمدة محدودة، وبين ذلك وذاك هو متفرِّد بالكتب والجرائد والمجلات؛ يطالع ويتصفَّح ويجمع ويلخِّص؛ فهو باحث ومحلل اقتصادي بامتياز.

 

ومن المعلوم أن محبِّي القراءة والاطلاع يعزفون عن العمل العام، ولكن أ. ياسر جعل علمه واطلاعه وسيلةً لخدمة مهنته، فكان محلَّ ثقة زملائه، فاختاروه أمينًا لمجلس نقابة التجاريين بالجيزة، وقد قام في النقابة بأنشطة ثقافية واجتماعية وترفيهية، جعلت من هذه النقابة قبلةً لكل التجاريين ليستفيدوا من خدماتها المتنوعة.

 

إن كثيرًا من أعداء الفكرة الإسلامية يقولون إن الإسلام لا يحترم الثقافة وقواعد الثقافة والمثقفين، وتجدهم يتباكون على مثقَّفٍ انحرف بفكره وثقافته عن ثوابت الأمة وقواعد الدين، ويقولون هذه حرية ويهتفون دومًا: "أين حرية الفكر والثقافة؟!"، تُرى لماذا لم نسمع واحدًا من هؤلاء يطالب بحرية أ. ياسر عبده وهو مفكِّر ومثقَّف وله مكانته الاجتماعية والمهنية، فضلاً عن مكانته الثقافية؟!

 

والإجابة هي: الكيل بمكيالين؛ حيث إذا كان المثقَّف إسلاميًّا فلتكن ثقافته مكانها السجن والتشريد، وإن كان غير ذلك فلا يجرؤ أحد على الاقتراب منه!.