محمد السروجي

 

محاولة انقلابية جديدة فُرضَت على حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، رفع لواءاها النائب العام التركي في دعواه بحظر الحزب، وتضامن معه بالإجماع أعضاء المحكمة الدستورية العليا والمعينون من قِبل الرئيس السابق أحمد نجدت سيزار، فما هو مضمون هذه الدعوى؟ وما هي المحاولات الانقلابية السابقة ضد الحزب؟ وما هي السيناريوهات المطروحة؟ وهل يملك الحزب أوراق ضغط ومناورة تمنحه الخروج من هذا الفخ القانوني؟ وماذا لو حُظِر؟ ومن هم الرابحون والخاسرون في هذه الجولة المفتوحة؟.

 

مضمون الدعوى (الفضيحة)

طلب المدَّعي العام التركي عبد الرحمن يالتشينكايا في 14 مارس الماضي حَظْرَ حزب العدالة والتنمية الحاكم وحرمان كلٍّ من رجب طيب أوردوغان رئيس الحزب ورئيس الوزراء وعبد الله جول رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى سبعين قياديًّا من ممارسة العمل السياسي لمدة خمس سنوات للأسباب الآتية:

* التصادم مع الدستور العلماني لتركيا.

* محاولة أسلمة الدولة "تخفيف القيد على ارتداء الحجاب".

* تهديد العلمانية هويةَ الأمة.

 

 ويرى كثيرٌ من المراقبين والقانونيين الأتراك أن هذا المضمون أصابه العَوَر والنقص، بل الفضيحة- على حد تعبيرهم- القانونية والقضائية لأسبابٍ؛ منها:

 

* دخول المؤسسة القضائية طرفًا في نزاع سياسي بسبب المرجعية العلمانية للمدَّعي العام وأعضاء المحكمة الدستورية أنفسهم.

 

* قبول الدعوى لا يستند إلى مبرِّرات وحيثيات قانونية بقدر ما هو إرضاءٌ لتيارِ ما يُسمَّى بالدولة العميقة (العلمانية).

 

* الرصيد السلبي السياسي وغير القانوني بين أعضاء المحكمة الدستورية وحزب العدالة، والذي جعل المحكمة من قبل تشترط حصول عبد الله جول على ثُلُثَي موافقة أعضاء البرلمان لمنصب الرئاسة بالمخالفة لما كان معمولٌ به مع كل الرؤساء السابقين.

 

* ذِكْر اسم رئيس الجمهورية عَوَرٌ وجهل قانوني؛ لأنه لا يُحاكَم أو يُحرَم من الممارسة إلا في حالة واحدة فقط هي الخيانة العظمى، وهو ما لم تَقُلْه الدعوى ولا المدعي.

 

* طلب الدعوى بحظر حزب العدالة فقط دون الحزب القومي الديمقراطي، والذي منح أصواته تأييدًا للتشريع الخاص بالحجاب، والذي يُعدُّ سببَ الأزمة.

 

محاولات انقلابية سابقة

لم تكن هذه الأزمة هي السيناريو الأول للانقلاب على حزب العدالة الحاكم، بل سبقها عدة محاولات؛ منها:

* الإنذار الإلكتروني الذي أصدره رئيس أركان الجيش التركي في 27/4/2007م بأن المؤسسة العسكرية ستدخل إذا وصل جول إلى قصر الرئاسة!!.

 

* اشتراط المحكمة الدستورية حصولَ جول على موافقة ثُلُثَي أعضاء البرلمان للفوز بالرئاسة بالمخالفة لما هو معمولٌ به مع الرؤساء السابقين.

 

* مقاطعة المؤسسة العسكرية لأسرة عبد الله جول بسبب زوجته المُحجَّبة.

لكن الانقلاب الأخير هو الأكثر خطورةً، ليس على الحزب فقط، بل على التجربة الناضجة للديمقراطية التركية وعلى مستقبل البلاد، خاصةً الاقتصادي والعلاقات الدولية.

 

السيناريوهات المطروحة

الأول: حظر الحزب في غضون ستة شهور بدعمٍ غير مباشر من المؤسسة العسكرية؛ لأنه من المعلوم في تركيا أن قرار الحظر والحل والحرمان من قِبل المحكمة الدستورية في حكم المحسوم، ولم يبقَ إلا استكمال باقي الإجراءات رغم إعلان مقرِّر المحكمة النقصَ المُخلَّ في أدلة الادعاء.

 

الثاني: محاولة حزب العدالة في إطالة الوقت لحين استصدار التعديل الدستوري، والذي هو جزء أصيل من مشروع الحزب في الإصلاح بهدف تشريع يمنع حظر أو حل الأحزاب بصفةٍ عامةٍ إلا من خلال البرلمان وتحديد كيفية تعيين أعضاء المحكمة الدستورية وزيادة عددهم إلى 17 عضوًا بدلاً من 11 عضوًا وغير ذلك، لكنه سيحتاج ثُلُثَي أعضاء البرلمان، وهو لا يملك هذا النصاب، ولكن فرص التنسيق مع الحركة القومية والتيار الكردي مطروحة بنسبة كبيرة، وإلا فالبديل هو طرح التشريع للاستفتاء الشعبي، والذي غالبًا سيكون في صالح حزب العدالة.

 

الثالث: عقد مقايضة بين الحزب والتيار العلماني بحيث يسحب الحزب تشريع الحجاب ويسحب المدَّعي العام دعواه.

 

هذه المقايضة طرحها عددٌ كبيرٌ من مؤسسات المجتمع المدني التي تدخَّلت لحل الأزمة؛ وهو ما رفضه رجب طيب أردوغان.

 

الرابع: انقلاب عسكري مباشر مثلما حدث مع البروفيسور نجم الدين أربكان، وهو سيناريو مُستَبعد بنسبة كبيرة لاعتبارات وشواهد عديدة.

 

أوراق الضغط والمناورة

* شعبية الحزب الجارفة، والتي حصل عليها في الانتخابات الأخيرة 16.5 مليون ناخب بنسبة 47%، والتي ارتفعت خلال استفتاء الرئاسة إلى قرابة الـ60%.

 

* الإصلاحات الاقتصادية التي حقَّقتها سياسات الحزب، والطفرة غير المسبوقة، خاصةً في مجال الاستثمار الذي قفز من 1.14 مليار إلى 20 مليار دولار سنويًّا وحجم التضخم الذي هبط من 22% إلى 7% فقط وارتفاع متوسط دخل الفرد من 2500 دولار سنويًّا إلى 5000 دولار خلال خمس سنوات فقط، وقد وعد أردوغان بوصوله إلى 10000 دولار خلال الخمس سنوات التالية، بالإضافة إلى ارتفاع مؤشرات البورصة وقيمة العملة التركية اللتين شهدتا هبوطًا حادًّا بلغ 57% بمجرد قبول المحكمة الدستورية دعوى حظر الحزب، بالإضافة إلى تحرير الاقتصاد التركي من وطأة ما سُمِّي برءوس الأموال الساخنة في البنوك التركية والمملوكة لرجال أعمال يهود وجذب ودائع عربية بلغت 20 مليار دولار من إجمالي 50 دولارًا هي قيمة إجمالي الودائع بالبنوك التركية.

 

* الإصلاحات الواسعة في المجال السياسي؛ أهمها التعديلات الدستورية الضامنة لحقوق الأقليات الدينية والقومية والمذهبية والحد من صلاحيات المؤسسة العسكرية، إضافةً إلى ملف الحجاب.

 

* تأييد الكُتَل البرلمانية، ومنها الحركة القومية والتيار الكردي، بالإضافة إلى منتدى رجال الأعمال التركي (توسياد) وما له من ثقلٍ سياسي واقتصادي ومفوض توسيع الاتحاد الأوربي (يوست لاجنديش).

 

وأخيرًا..

وفي جميع الحالات سيكون الرابح الأول هو الشعب الذي ازداد تأييدًا والتفافًا حول مشروع الحزب، حتى لو تغيَّر الاسم والأشخاص؛ حيث تؤكِّد استطلاعات الرأي التي أُجريت بعد قبول الدعوى حصول الحزب على 60%، وهو ما لم يحصل عليه من قبل؛ فبرغم فوزه في الانتخابات السابقة كانت أعلى المؤشرات لا تزيد عن 48%؛ لأن الشعوب تعي من تناصر وتؤيد.

 

ستنتهي الجولة أو المعركة التي يؤكد الكثيرون أنها ستكون المعركة الأخيرة والخاسرة للمعسكر العلماني- حتى في حالة حظر الحزب؛ لأن التعديلات الدستورية المطروحة ستعيده مرةً أخرى- الذي يجدف وبعنف ضد تيار الوطن الذي يريد الهوية والخدمات والمكانة جنبًا إلى جنب.. ما أصعب التغيير!!.