حينما أُفكِّر في كلمة "جريمة" يجول بخاطري جرائم تقليدية عديدة، مثل: السرقة، الإكراه، الاغتصاب، العنف، الغش، التزوير، الاحتكار والتجريف، ولكنني حين تابعت فصول مسرحية المحليات 2008م وجدت نفسي أمام جريمة مركَّبة شملت كلَّ الجرائم السابقة في سلة واحدة، فدفعني الفضول إلى القراءة في مصطلحات الجريمة والمجرم والضحية.
وجدت أن النظرة إلى الجريمة تختلف باختلاف المنظور الذي ننظر إليها منه؛ فيرى أصحاب المنظور الاجتماعي أن الجريمة هي كل ما يتعارض مع ما فيه النفع والعدل للمجتمع، ويرى أصحاب المنظور القانوني أن الجريمة هي كل ما يعاقب عليه القانون، أو ذلك الذي ينص القانون على تجريمه ووضع الجزاء على مَن ارتكبه، وتتكرَّر في القرآن الكريم والسنة النبوية كلمات الخطيئة والإثم والمعصية، وتتلاقى هذه الكلمات في معناها القريب والبعيد مع الجريمة بمعناها العام.
وما حدث منذ بداية انتخابات محليات 2008م يمكن أن يوصف بأنه مسرحية هزلية معروفة وجهة مؤلفيها وممثلها ومخرجها ومجموعة العبثيين الذين جرى الاتفاق معهم ليلعبوا دَوْر "الكومبرس" فيها.
التحليل الواقعي لمشاهد تلك المسرحية الهزلية وما تعرَّض له مرشَّحو الإخوان المسلمين أو مؤيدوهم، سواءٌ من وجهة النظر الاجتماعية أو القانونية أو الدينية، يرى الجريمة الشاملة بكل أبعادها قد تجسَّدت في مشاهد تلك المسرحية، والتي تضمنت الإكراه والسرقة، والخطف واغتصاب الحقوق، والعنف والاعتقال، ومداهمة بيوت الشرفاء بما نستطيع معه وضعها تحت عنوان الجريمة السياسية التي ظنَّ مدبروها ومنفذوها أنها ستحدث "سكتة دماغية" لكل من تُسوِّل له نفسه أن يكون إيجابيًّا أو مَن يفكر مجرد تفكير أن يسير في اتجاه الإصلاح ولو لخطوة واحدة.
تجسَّد المشهد الأول في هذه المسرحية في صورة منع المرشَّحين من إنهاء الإجراءات الإدارية الخاصة بعملية الترشيح، متضمِّنًا تمزيقَ أوراق من نَجَحَ منهم في تخطِّي هذه العقبة وإصدار التعليمات الإدارية للمسئولين الإداريين بمنع إنهاء هذه الإجراءات؛ ومنها عدم تمكينهم من الحصول على صحيفة الأحوال الجنائية.
ثم يُطلُّ علينا المشهد الثاني بأحداث الخطف والاعتقال ومداهمة البيوت ويُجرَف المئات ويُلقَى بهم في المعتقلات ويُسدَل الستار بإطلاق حكم الإعدام في حق الدستور والقانون واغتيال أحكام القضاء التي حصل عليها المرشَّحون، سواءٌ بحق الإدراج في كشوف الناخبين أو الأحكام القضائية الخاصة بإيقاف العملية الانتخابية برُمَّتها.
تلك جريمةٌ تُرتكب بحق أفراد، ظنُّوا أنهم مواطنون عاشوا في بلدٍ ينادي نظامها بالمواطنة، وبحق مثقفين ومفكرين وأصحاب رأي كل جرمهم أنهم مخالفون في الرأي للنظام الحاكم ويطالبون بتغيير النهج السياسي المتبع، فتكون ثمرة ممارسة أساليب الاعتقال والقمع، والمنع والحظر، والخطف ومحاولة التصفية الفكرية التي نرى أنها خطوات لم يبقَ منها غير خطوة واحدة؛ عنوانها: التصفية الجسدية.
حديثنا عن الجريمة يدفعنا إلى الحديث عن المجرم والضحية؛ فالمجرم يشير إليه علماء الاجتماع بأنه الشخص الذي لا يلتزم ولا يخضع لقانون الدولة ويحاول انتهاكه، وهو الشخص الذي يعتبره المجتمع مجرمًا، ويقول القانونيون إن المجرم هو الشخص الذي ينتهك القانون الجنائي الذي تقرِّره السلطة التشريعية التي يعيش في ظلها.
والمجرم هنا لم يقف عند هذا الحد من التعنُّت، ولكنَّه انتقل إلى مرحلةٍ من الجبروت دعته إلى أن يغتال القانون وينفِّذ حكم الإعدام على أحكام القضاء ويضع السلطة القضائية في هامش الحياة.. فهل يحتاج أحدٌ بعد ذلك إلى تسمية هذا المجرم أو يجد صعوبة في تحديده؟!
ما يكسبه المجرم هنا هو ثمرةٌ خبيثةٌ لا يقبلها عقلٌ سليمٌ، ولا يستسيغها ضميرٌ أخلاقي، ولا يرضى عنها المجتمع؛ لأنها تُوجِد النفور والعداوة والبغضاء والحقد، وتزكِّي الرغبة في الانتقام.
مرتكب الجناية خارج عن أهم مبادئ هذا الكون: "العدل أساس الملك"، وهكذا يبوء بغضبٍ من الله ولعنةٍ وعذابٍ.
الحديث عن الجريمة والمجرم يجرُّنا إلى الحديث عن الضحية، والضحية هنا مجتمع.. شعب بأثره.. أمة بكاملها، سواءٌ كان المنتسب إليها يعتبرونه أنسانًا أو مواطنًا- والفرق كبير- أو أي شيء آخر.
الضحية هنا شعب بأكمله ارتُكبت في حقِّه الجرائم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، فأصبحنا نشاهد طوابير العاطلين تحت عنوان البطالة، وطوابير العنوسة تحت عنوان الفقر وقلة "الحيلة"، وطوابير الخبز تحت عنوان الهوان والمهانة، وعنكبوت الرشوة والفساد والمحسوبية الذي عشش في كل مكان.
أقول لكل مجرم خطَّط، دبَّر، شارك: ولكني أهديك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء" وما جاء في مأثور الحكم: "إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت".
إن كان من حق الضحية كلمة فتقودني الذاكرة إلى قول الشاعر:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينا
إن كل شيء في هذا الكون إنما هو بقدر الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (الحديد) لا يمكن أن ييأسوا وأن يُحبَطوا أو حتى ينكمشوا؛ لأن القرآن يزرع في نفوس المؤمنين روح الأمل والتفاؤل: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله﴾ (الزمر: من الآية 53).
فلولا الأمل ما أنشأ إنسانٌ بنيانًا، ولا غرس زرعًا.
فهيا بنا نمد جسور الأمل فوق بحيرات اليأس ونؤكد لأنفسنا أننا لن ننكسر؛ لأننا نعرف غايتنا وقدوتنا وأسمى أمانينا، وليس لنا إلا أن نعيش معنى هذه الآية: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)﴾ (سورة آل عمران).