م. هيثم أبو خليل

 

كلما أكتب عن حكومة الدكتور أحمد نظيف كنت أقول الحكومة الإلكترونية "المهنِّجة"، وجدت نفسي مع ما يحدث لنا هذه الأيام أجزم أنها لا تستحق حتى هذا اللقب؛ فهي لا تستحق أن تكون حكومة إلكترونية، ولو تبعهتا كلمة "مهنجة" فـ"التهنيج" قد يكون وقتيًّا ونتيجة أخطاء، وما تفعله هذه الحكومة ليست أخطاءً بل خطايا، ووجدت أفضل لفظ ينطبق عليها: حكومة ديكور أحمد نظيف!!.

 

فهي حكومة ديكور لزوم الشيء ولاكتمال الصورة بأن هناك نظامًا وسلطةً تنفيذيةً وأخرى تشريعية تتمثَّل في حكومة ومجلس شعب، (والمجلس يحتاج لعدة مقالات لوحده) وأستطيع تخيل شكل بلادي في الإعلام العالمي والغربي بمختلف اتجاهاته وهو يبث المشاكل والأزمات التي تتعرَّض لها مصر والجهود التي تُبذَل لحلها.. مرة مشكلة توفير مياه الشرب للمواطنين وثورتهم بـ"الجراكن" للحصول على القليل من المياه، ومرة أخرى سقوط قتلى في طوابير العيش من أجل الحصول على رغيف خبز، وكأن مشاكل مصر اختُزلت في كوب ماء نظيف ورغيف خبز في الألفية الثالثة، ناهيك عن بعض المشاكل أو لو شئت الدقة قل: "الفضائح"؛ من سقوط العمارات، وانتهاكات كثيرة لحقوق الإنسان، وانتشار البلطجة والمخدرات والعشوائيات، فينظر لنا العالم على أننا أصبحنا من دول العالم العاشر!!.

 

فدول العالم الأخرى في سباقٍ محموم تجاه التكنولوجي و"الهاي تك" والاختراعات وسباق الفضاء، بينما نحن في سباق رغيف العيش!!.

 

وهكذا يتم تكريس وتثبيت شكل مصر كدولة ومجتمع يعيشان عصر الناقة والجمال كما يدَّعي الإعلام الغربي، بل يعيش في العصر الحجري الذي يبحث عن الماء والخبز.

 

هذا على الصعيد الخارجي؛ مما أعطى انطباعاتٍ غايةً في السلبية عن ضرورة توفير الخبز والماء أولاً لتلك الشعوب قبل أن يتم التحدث عن إصلاحات سياسية أو غيرها.

 

أما على الصعيد الداخلي لا أزعم أن هناك تعمدًّا على عدم إعطاء هذا الشعب ما يكفيه حتى لا يأخذ ما يطغيه؛ فرفاهية المواطن أعتقد أنها في نظر النظام تهدد الأمن القومي في مصر.

 

المذهل أن حكومة ديكور أحمد نظيف لم تبذل أي جهود لحل مشكلة الماء والخبز أو غيرها من مشاكل مصيرية للبلد، مثل مشاكل الأمية، والتي تعصف بكل تطوير ونهضة وآمال لهذا البلد، لا تجد أي حلول أو جهود مخلصة تُبذَل؛ حيث إن حكم شعب جاهل وجائع أمر سهل ورائع.

 

هذا مع إلهائنا من إعلام مضللٍ يخدِّرنا بمواضيع ثانوية وغير مهمة، والمذهل أن نظام الحكم في مصر نظام فريد من نوعه؛ فلا هو جمهوري له مؤسساته التنفيذية والتشريعية وله حكومة لها صلاحيات ومهام تحاسب عليها، ولا هو ملكي أو غيره من الأنظمة المختلفة، وإن كنت أعتقد أن النظام الحاكم عندنا هو نظام عائلي، ولا أجد دليلاً لهذا الكلام أفضل مما تسرَّب على لسان رئيس وزراء مصر الأسبق عاطف عبيد عندما سُئل عن سوء اختياره لبعض الوزراء فقال نصًّا: "هو أنا اخترت حاجة؟! إحنا موظفين عند الرئيس"!!.

 

ونرى في أيامنا هذه بأعيننا كيف يتدخَّل الرئيس من حينٍ لآخر لحل مشكلة بقرارات فوقية لحل مشكلة مصنع يلوِّث البيئة هنا أو هناك، أو مشكلة في قرية أو مجلس محلي أو مشكلة مياه أو رغيف عيش، ولا وجود لرئيس الوزراء ووزرائه!!

 

فلقد اختيروا بعناية فائقة؛ فهم من أصحاب الأعمال والأموال وكبرى الشركات والمشاريع والمستشفيات.. هل تتصوَّرون أنهم سيعملون لصالح الشعب المطحون؟!! أم لصالح أعمالهم وتجارتهم؟!! كيف يحسون بنا وحياتهم سهلة و"فلوسهم" غزيرة ومعها نفوذهم أكبر؟! فالمشاكل والمحاضر في أقسام الشرطة، والمخالفات والقضايا، والضرائب والرسوم، والفيش والتشبيه، والشهادات والأختام، والتصديقات والرخص، والتوقيعات والشهود "والأبصر إيه".. ليست في قاموس هؤلاء؛ فكلها مجابة بالتليفون؛ خدمة "تيك أواي"!! تنتهي بطلباتهم ومصالحهم صاغرة ذليلة وقد قضيت إليهم بدون إهانة في سجل مدني أو شتيمة في قسم شرطة أو ضرب في استخراج شهادة أو دفع مخالفة.. كله سهل وميسَّر.

 

لا مشكلة في كسوة أو لحم أو كحك عيد، أو في دخول مدارس أو فسحة صيف أو شراء ثلاجة، أو في شوار بنت أو زواج ولد؛ لأن كله سهل في سهل، ومشكلتهم الوحيدة في كماليات الكماليات.

 

أي فشل هذا لهذا النظام والحكومة الديكورية التي نرى معها العجب يوميًّا من قرارات عشوائية وإنشاء مشاريع فاشلة وتعيين قيادات فاسدة؟!

 

إن استدعاء الشرطة والجيش لحل مشاكلنا ينسف فكرة المجتمع المدني ويُشعرنا بالقلق على كيفية إدارة هذا البلد لو هي تدار أصلاً!!

 

أخيرًا.. إلى أن تحل هذه المعضلة المصرية لي طلب؛ هو: أن يتدخل سيادة الرئيس لتوفير الحديد، والذي وصل سعر الطن جنيه إلى 7000 جنيه وتوفيره بسعر طبيعي وعادي حتى يتم إطفاء نار أسعار الشقق، وأن يتدخَّل سيادته في توفير إسكان للشباب لحل مشكلة العنوسة التي تعصف بملايين الفتيات.

 

وأن يتدخَّل سيادته بنفسه لإنجاز ما جاء في برنامجه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة من تشغيل 4.5 مليون شاب وإنشاء الألف مصنع بعد فشل الحكومة في تشغيل أو بناء 10% من هذا المستهدف رغم مرور 3 سنوات!!

 

عمومًا.. حتى لا يقال عني "متشائم، وأنظر إلى الجانب المظلم أو الجزء الفارغ من الكوب"، هناك إنجاز لحكومة الديكور نظيف، وهو مظهر وزرائها "الشيك" في اجتماعاتهم وهم يرتدون أفخر البدل المستوردة وأغلى أربطة العنق وأثمن أنواع الساعات العالمية.

ألم أقل لكم إنها حكومة ديكور أحمد نظيف؟!!

--------

* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان