كتب الأستاذ (نصر القفاص) الكاتب الصحفي بجريدة "الأهرام" في عموده الأسبوعي (اسمعوني) تحت عنوان "نجوم الهتافات والشعارات" بتاريخ 27 مارس 2008، كتب يلمِّع وجه السيد (محمد دحلان) الذي كان مسئولاً عن جهاز الأمن الوقائي بفلسطين إبان الأحداث المؤسفة في قطاع غزة يوم 14/6/2007، والتي انتهت بفرار وطرد جميع منسوبي الجهاز من القطاع وانفراد حماس بإدارة شئون القطاع بحكومة "هنية" الشرعية، وأكَّدت "حماس" في تقريرها إلى جامعة الدول العربية حول أحداث غزة بتاريخ 26/7/2007، والمكوَّن من 97 صفحةً "أن ما قامت به في قطاع غزة مؤخرًا لم يكن أكثر من خطوة أمنية كمشكلة أمنية ليس أكثر، وليس لهذه الخطوة أية أبعاد سياسية بالمطلق؛ فالحركة حريصة كل الحرص على التواصل الجغرافي بين غزة والضفة، وليس واردًا في حساباتها أن تستقل بغزة لتنشئ كيانًا سياسيًّا منبتًّا عن كل فلسطين".
ومن هنا تسقط وتتهافت كل الدعاوى والاتهامات التي اتهمت "حماس" بالانقلاب على الشرعية أو أنها بصدد إنشاء جمهورية أو إمارة إسلامية على الحدود المصرية، أو أنها تسعى إلى تكريس حالة الانفصال أو التمزُّق لكيان فلسطين ككل، وأن ذلك يحقِّق أهداف الكيان الصهيوني، وأوضحت "حماس" في هذا التقرير أن ما عانته الحركة خلال الـ61 شهرًا الماضية لم يكن يطاق؛ فقد حوربت الحركة والحكومة فيما بعد على مختلف الأصعدة وفي كل الجبهات والساحات، وبات أبناؤها يُقتَلون على الطرقات ويُخطَفون من بين أبنائهم، وأُحرقت مؤسساتها التي قدَّمت لأبناء فلسطين الخدمات والمساعدات، واتُّهم قادتها وتم التشهير بهم، وبدا في النهاية أن الحركة ظهرها للحائط، ولم يعد بالإمكان التحمُّل أكثر من ذلك.
يحكي الأستاذ نصر القفاص في عمود المشار إليه أنه التقى "محمد دحلان" القيادي الفلسطيني المثير للجدل، كما يذكر، خلال جلسة جمعه فيها أحد الصحفيين، وخرج من هذه الجلسة البريئة بانطباع أن (دحلان) مَرّ في مراحل نضاله بين المعارضة بما يحمله من شعارات وهتافات تدغدغ مشاعر الجماهير وتحرِّك حماسهم، ويكسب من وراء ذلك كثيرًا، ومَرّ كذلك بمرحلةٍ أصبح فيها مسئولاً ووزيرًا ضمن نظام السلطة الفلسطينية، ويذكر أنه شتان بين المرحلتين؛ مرحلة المعارضة ومرحلة المسئولية، وأن الكاتب قدَّم له التحية والتقدير على ما عرضه حول خطورة وضع القضية الفلسطينية.
وكان يمكن أن نترك ما أثاره كاتبنا في هذا العمود الذي يلمِّع فيه شخصية (محمد دحلان) ولا نلقي له بالاً لولا أنه أراد ابتداءً أن يُظهر أن (محمد دحلان)، وهو الثائر المناضل كما وصفه، أنه نجح في أن يكسب حبَّ شعبه وتعاطفه معه، ويدلِّل على ذلك بأنه استحق مقعده في البرلمان بأغلبيةٍ فاقت ما حصل عليه نجوم الهتافات والشعارات من حركة "حماس" كما يدعي الكاتب، ويقينًا أنه ليس لديه دليل على ذلك، وإذا كان حصل ذلك في دائرة واحدة في خان يونس، وهو ما نشك أنه تم بهذه الصورة المبالغ في شكلها، فإنه لا يجب أن ننسى أن ما يمثِّله (دحلان) من تيار فكري وحركي قد لقي هزيمةً شديدةً عندما أبعدتهم الجماهير عن الحكم والسلطة بما جرُّوه على شعب فلسطين من ويلات، وساقوه إلى متاهات واستسلامات مرةً بعد الأخرى للعدو الصهيوني المحتل، وضياع القضية وراء سراب المفاوضات منذ (أوسلو) وحتى (أنابوليس).
ودحلان هو واحد من القيادات التي لا يثق فيها جموع الفلسطينيين لا من حيث تاريخهم في ممالأة العدو الصهيوني واختيار الحلول الاستسلامية ورمي خيار المقاومة والممانعة، ولا من حيث تاريخ كلٍّ منهم الشخصي وسوء تصرُّفهم مع المال العام، وبُعدهم عن الشفافية والنزاهة وطهارة اليد التي يجب أن يتصف بها الموظف العام.
ولذلك لا تستغرب أن يصوِّت الشعب الفلسطيني في الانتخابات التشريعية الأخيرة (2006) بأغلبية ملحوظة (76%) لتيار (حماس) في انتخاباتٍ يحكي الجميع أنها كانت نزيهةً وشفافةً وخاليةً من التزوير وسوء استغلال السلطة وقتها.
وما كنت أود أن يقحم كاتبنا المذكور في أمور خلافية لها تشعُّباتها ودهاليزها وتخفى على المحلل العابر دون الغوص في الحقائق والتجرد من الانحياز والهوى الشخصي، ولا يأخذ ما يظنه حقائقَ من طرف واحد، وهو (محمد دحلان)، ويرمي الطرف الآخر، وهو "حماس"، بصفات هي- حسب ما نعتقد- بريئة منها؛ فهم ليسوا نجومَ هتافات وشعارات، إنما هم يقدِّرون مواقفهم وعلى علم بأن قضية فلسطين تمر بأخطر المراحل، وأن الأمر في نظرهم يحتاج إلى حكمة وعمق.. لا يُغفل أنهم تحت احتلال استيطاني بشع، وأن خيار المقاومة لا يجب أن يسقط إلى أن يرحل المحتل أو يُجبَر على ذلك، وأن هذه المقاومة تقرُّها كل الشرائع الدينية والدولية، وأن الحرص على التراب الوطني وعدم التفريط في حبَّةٍ منه أو التهاون في أحد ثوابت النضال الفلسطيني ابتداءً من القدس عاصمةً لفلسطين وانتهاءً بالحق الشرعي لعودة اللاجئين إلى ديارهم.
وعجيب أن يطعن الأستاذ القفاص في "حماس" ويدَّعي أن حقائق دحلان تكشف أوهام وأكاذيب قيادات حماس التي يدَّعي أنها تدمِّر القضية الفلسطينية، وهذه بلا شك كبرى الأكاذيب والتلفيقات التي يتذرَّع بها خصوم حماس ويروِّج لها دحلان ومن سار في دربه وما جاء هنا في مصر ويسعى إلى الالتقاء ببعض الكتَّاب ورجال الإعلام إلا لهذا الهدف، تحت زعم أن التيار الدحلاني بيده إنقاذ فلسطين، وطبعًا هذا الادعاء خالٍ تمامًا من الصدق وينقضه الغالبية من الشعب الفلسطيني.
ثم هو يحمل في طياته عوامل كذبِه وهدمه؛ فلم يعد خافيًا على أحد هناك أن (دحلان) شريكٌ لرجل أعمال مصري في استثماراته، وأنه ليس وحيدًا في، ذلك وإنما هناك آخرون من رجال السلطة من شركائه أيضًا، وقد قُدِّرت الأموال التي ضخُّوها في مشروعاته بأكثر من 300 مليون دولار.
وأوضحت اللجنة التي شكَّلها رئيس السلطة الفلسطينية للتحقيق في ملابسات الفشل الذي مكَّن حماس من أن تحسم الموقف لصالحها في غزة- كما يذكر الأستاذ فهمي هويدي في (الدستور) يوم 16/3/2008 أن دحلان تلقَّى 25 مليون دولار لإنفاقها على تعزيز جهاز الأمن الوقائي، لكن هذا المبلغ اختفى ولم يظهر له أثر.
وغير بعيد أن يتعمَّد (دحلان) إفساد بعض جوانب إعلامنا المصري بما يحمله من أموال طائلة ينثرها هنا وهناك ليعطيَ بعض "الطيبين" فكرة أنه المصلح المناضل في كل الميادين، سواءٌ في المعارضة أو في مواقع السلطة.
ومواقع الإنترنت والصحافة الإلكترونية وغيرها بها قصص كثيرة تحكي أشياء عن هذه الشخصية التي يدافع عنها الأستاذ القفاص ونشير إلى القليل جدًّا منها:
- لقد سقط على أيدي جهازه (الأمن الوقائي) من الضحايا بالرصاص أو تحت التعذيب في المعتقلات، وهذه الوحشية في التعامل مع المقاومة بناءً على اتفاق بين دحلان ومسئولين من جيش الاحتلال (والشين بيت)، فيما عُرف بـ(خطة روما) لاحتواء حركة حماس، وطبَّقها دحلان بحذافيرها بحسب ما يرى د. إبراهيم الحمامي في 1/8/2004م.
- برز اسمه من خلال مشاركته الدائمة في وفود التفاوض، وكَثُر ظهوره على الشاشات، وعُرف بـ(الكونونيل الوسيم)؛ حيث يلبس أغلى الملابس ويصفِّف شعره على أحدث الموضات، ولا يعنينا ذلك كثيرًا بقدر ما يهممنا كيفية صناعة البطل أو الزعيم.
- من أين له الأموال ليمتلك فندق الواحة بشاطئ غزة، وهو فندق خمس نجوم، ويشتري أكبر وأشهر منازل غزة (منزل الشوا)، وهو من بدأ حياته فقيرًا معدمًا؟!
- وتعلن (كوندا ليزا رايس) وزيرة خارجية أمريكا في مؤتمر صحفي يوم 4/3/2008: "ساعدنا دحلان وحكومة فتح بالسلاح والمال لضرب حماس"، مبرِّرةً ذلك بما تزعمه من دعم إيران في المقابل لحماس على حد قولها، وإن الدعم الذي تقدِّمه أمريكا لحكومة فتح يأتي من باب كبح جماح زمام حماس، خاصةً أنها تهدِّد أمن "إسرائيل"، مؤكدةً حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها.
- وفي غضون 4/8/2007م أبلغت (رايس) الرئيس محمود عباس "أنها تفتقد القيادي في حركة فتح (محمد دحلان)، وحاولت رفع المسئولية عن دحلان فيما يتعلَّق بالفشل في مواجهة حركة حماس في قطاع غزة، كما أبلغت (رايس) أمنياتها وأمنيات الرئيس "بوش" والإدارة الأمريكية بشفاء دحلان سريعًا، وطالبت عباس أن يُبقيَ على علاقته الجيدة بـ(دحلان) ورجاله وإن خسروا الجولة الأولى".
فهل ما يزال الأستاذ القفاص عند رأيه في (محمد دحلان) بعد ما بانت ولاءاته ووضحت جذوره وانكشف المعين الذي ينهل منه.
ويا أيها الأبطال المصنوعة زيفًا من الشمع.. كم من الأموال تُصرف عليك!!، ولكن مع بزوغ الشمس وانبلاج الحقيقة سرعان ما تذوب وتتلاشى وتصبح أثرًا بعد عين (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) (الرعد: من الآية 17)