تحاول "إسرائيل" والولايات المتحدة بكل السبل الالتفافَ على حقوق الشعب الفلسطيني السياسية، وأهمها حق العودة؛ فقد قطعت واشنطن شوطًا بعيدًا في تقويض هذا الحق من الناحية العملية وعلى مستوى التسويات النظرية.
فمن ناحية يؤكِّد الفقه "الإسرائيلي" أن حق العودة ليس من الحقوق القانونية في القانون الدولي، ولكنه حق خاص مقرَّر لليهود الذين يساهمون في اغتصاب فلسطين، وأصدروا لذلك قانونًا يُقرُّ حق اليهود في العودة إلى فلسطين وكأنهم من سكانها الأصليين وخرجوا قسرًا ومن حقهم أن يعودوا، كما أن الفقه "الإسرائيلي" كان يؤصِّل لحق اليهود في الخروج من الدول التي يقيمون فيها رغمًا عنهم، ثم يؤكِّد حقهم بعد الخروج من بلد الجنسية "والعودة إلى وطنه ووطن أجداده" وفق التهويمات اليهودية وأساطيرهم.
من ناحيةٍ ثانيةٍ دفعت واشنطن الدول العربية إلى التزحزح بالتدريج عن حق العودة في قرار الجمعية العامة رقم 194 لعام 1948 إلى القبول "بحل مناسب" لقضية اللاجئين، حتى اضطروا رئيسَ السلطة إلى الاقتراب من القبول بعدم أهمية هذا الحق.
من ناحيةٍ ثالثةٍ تؤكِّد أمريكا و"إسرائيل" أن الاستجابة لحق عودة الفلسطينيين اللاجئين ونسلهم منذ عام 1948 يؤدي إلى إدخال أربعة ملايين في داخل "إسرائيل"، فيصل عدد العرب فيها إلى 5.5 ملايين، وهو أكبر من عدد اليهود.
من ناحيةٍ رابعةٍ أكَّدت أمريكا موافقتها على حق "إسرائيل" في أن تكون دولة يهودية خالصة، فتتخلَّص من سكانها العرب وتستولي على الأرض تمهيدًا لاستقدام مهاجرين يهود جدد.
من ناحيةٍ خامسةٍ أبدت أمريكا استعدادها مع دول عربية لتعويض اللاجئين الفلسطينيين تعويضًا ماديًّا.
من ناحيةٍ سادسةٍ تضغط أمريكا على الدول العربية حتى لا يذكروا قرار العودة رقم 194، وإنما يعمدون إلى توطين وتجنيس الفلسطينيين في أراضيهم.
من ناحيةٍ سابعةٍ، وهو أحدث حلقات ربط قضية اللاجئين الفلسطينيين باللاجئين اليهود، فصدر لهذا الغرض القرار رقم 185 في 2/4/2008 من مجلس النواب الأمريكي، وهو قرار غير ملزم، ولكنه يُبنَى على قرارات سابقة تشير إلى مصطلح "اللاجئين اليهود"، في الدول العربية والإسلامية والشرق الأوسط وشمال إفريقيا والخليج، ويدعو الحكومة الأمريكية إلى ربط حلِّ قضية اللاجئين بشقَّيها الفلسطيني واليهودي بأية تسوية شاملة للصراع العربي- "الإسرائيلي".
ويحاول القرار أن يسوق عددًا من الوثائق القانونية والسياسية التي تعتبر كلمة "اللاجئين" تنصرف إلى الفلسطينيين واليهود دون تخصيص وحصر للفلسطينيين، ويشير القرار إلى أن اليهود أقلية عرقية في تأكيد زعمهم بأنهم شعب وليسوا مجرد أتباع ديانة، ويحاول القرار أن يوحيَ بأنهم جزءٌ أصيلٌ من شعوب الشرق الأوسط، بالإشارة إلى أنهم في المنطقة منذ أكثر من 2500 عام.
وأشار القرار إلى أن اتفاقية جنيف 1951 الخاصة باللاجئين تنطبق عليهم، كما أن القرار 242 قد استخدم كلمة اللاجئين لتنصرف إلى عموم اللاجئين، بما في ذلك اليهود، وأشار إلى أن تلك هي قناعة الإدارة الأمريكية التي اتجهت إلى إنشاء صندوق لتعويض كل اللاجئين، كما زعم أن اتفاقيتَي كامب دافيد والسلام مع مصر والأردن و"إسرائيل" تؤيد الاعتراف بحق اللاجئين اليهود أيضًا، وكان قانون الكونجرس في جزئه 620 قد أشار إلى حق اليهود في الدول العربية عدا المغرب وتونس في الهجرة.
ومن الواضح أن قضية اليهود في الدول العربية والرغبة في إثارتها حسب الظروف ليست جديدةً على الأقل منذ عام 1957 عندما صدر قرار مجلس الشيوخ رقم 76 في 29/1/1957 حول يهود مصر، وطالب الرئيس بأن ترسل الأمم المتحدة مبعوثًا خاصًّا ليقدِّم تقريرًا عن أحوالهم.
توقيت صدور القرار مع الرغبة الأمريكية في تسوية المشكلة الفلسطينية قبل نهاية حكم الرئيس بوش جزءٌ من حملة الإعراب عن دعم "إسرائيل"، واتجاه إلى حذف حق عودة اللاجئين الفلسطينيين بدلاً من الدخول في تعقيدات مع الدول العربية، أو إخراج هذا الحق من عداد موضوعات الوضع النهائي.
ومن الواضح أن اليهود فرُّوا أو طُرِدوا من الدول العربية بعد قيام "إسرائيل"؛ إما للانضمام إليها ضد دولهم الأصلية، وإما بسبب العداء بين دولهم و"إسرائيل"، خاصةً يهود مصر بعد عدوان "إسرائيل" على مصر عام 1956، أما الفلسطينيون فإنهم لجئوا إلى الدول المجاورة فرارًا من المذابح الصهيونية ضدهم بعد اغتصاب فلسطين؛ فقيام "إسرائيل" في الحالتين هو السبب في لجوء اليهود إلى "إسرائيل"، وفرار العرب من أراضيهم التي استولت عليها "إسرائيل".
والحق أن ملف اللاجئين الفلسطينيين مختلف تمامًا عن ملف اليهود من الدول العربية؛ ذلك أن قيام "إسرائيل" بموجب القرار 181 الصادر من الجمعية العامة عام 1947 على نصف فلسطين تقريبًا قد ارتبط بصدور القرار 194 من الجمعية في العام التالي؛ حيث يلزم "إسرائيل" بإعادة اللاجئين إلى وطنهم أو تعويضهم عن أملاكهم، وكلا القرارين 181، 194 مترابط ومترادف، ولا يجوز الفصل بينهما، ولهما نفس القوة الإلزامية، وإن نفاذ أحدهما (وهو 181) يتطلب إنفاذ الآخر (194)، بل من شروط قبول "إسرائيل" عضوًا في الأمم المتحدة أن تحترم "إسرائيل" القرار 181 بالسماح بإقامة الدولة العربية، والقرار 194 بعودة اللاجئين أو تعويضهم.
والمعلوم أن العودة تكون للوطن، أما التعويض فيكون عن الممتلكات؛ ولذلك فالمطلوب أصلاً هو العودة للوطن وليس الأصل هو التعويض؛ لأنه لا يمكن التعويض عن الوطن مهما كان قدر هذا التعويض؛ ولذلك عرف هذا القرار الدولي في الخطاب السياسي العربي بحق العودة، وفي الخطاب السياسي "الإسرائيلي" اختُزل حق العودة في حق التعويض، استنادًا إلى أن القرار يخيِّر بين العودة أو التعويض، والردّ على ذلك هو أن الذي يقرِّر هو المضارُّ المخيَّر بين حقَّين، وقد اختار الشعب الفلسطيني حق العودة، رغم كل المغريات المادية على سبيل التعويض.
لكل ذلك أشار قرار الكونجرس إلى حق التعويض وصندوق التعويض، وقلَّل تمامًا من حق العودة، ولم يذكرها لليهود إلا في إشارة عابرة في قرارات سابقة.
ونحن نرى أن يتمسك العالم العربي بموقف حازم يقوم على أسس ثلاثة:
الأساس الأول هو التركيز على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وإسقاط الحق في التعويض تمامًا ما دام من حق اللاجئ أن يختار، وليس من حق "إسرائيل" أن تختار نيابةً عنه، ويجب أن يتمسك العالم العربي بحق العودة وفق القرار 194.
الأساس الثاني هو الترحيب بعودة اليهود النازحين من الدول العربية إلى بلادهم الأصلية في العالم العربي، وأن يتم تعويضهم إذا قامت "إسرائيل" بتعويض الفلسطينيين العائدين.
الأساس الثالث هو التمسك بعدم الربط الزمني بين حق العودة للفلسطينيين وحق عودة اليهود؛ فالمفهوم أن هدف القرار وإثارة هذا الموضوع وتوقيته هو تبديد التركيز على حق عودة الفلسطينيين، ويجب الانتباه إلى عدم إضاعة الوقت في الجدل حول ما إذا كانت الوثائق القانونية تورد لفظ اللاجئين لتشمل اليهود من عدمه؛ فهو جدل لا طائل من ورائه.
يكفي التسليم بأن اليهود النازحين من العالم العربي هم أيضًا لاجئون أحيانًا، مع الفوارق التي سبق إيضاحها والالتزامات "الإسرائيلية" المباشرة في القرار 194 والسعي إلى إثارة هذا الموضوع في الأمم المتحدة بشأن عضويتها المشروطة بشروط واقفة.
إن حق العودة للاجئ الفلسطيني يختلف عن حق المواطن في الخروج والعودة إلى بلده؛ فالفلسطيني اللاجئ اقتُلع من أرضه، ومن حقه أن يعود وفق أحكام القانون الدولي، وكذلك وفق القرار 194.
ويُتوقَّع أن تسعى واشنطن في الأمم المتحدة وفي المرجعيات السياسية إلى عملية السلام الوهمية لتأكيد هذه السياسة الجديدة.