في توصيفه للبعد الأفقي للحياة في الغرب عمومًا يتحدَّث د. عماد الدين خليل عن "شبكةٍ مُحكَمة من الخدمات والقدرة على توصيلها وتيسيرها لكل إنسان، وصيغة في التعامل الأخلاقي تتميَّز بالصدق والجدية والإتقان، تمنح العلاقات عذوبةً إنسانيةً؛ كاللطف والبشاشة، والكلمة الطيبة والبسمة الحانية، والنظافة وإماطة الأذى عن طريق الناس".

 

وهي معانٍ قد نتوق إليها رغم أنها من معالم ديننا، لكن ذلك يبقى وجهًا واحدًا للمسألة؛ حيث يظل هناك الوجه الآخر، وهو البعد العمقي للإنسان والحياة: "إنهم يعيشون على السطح، بينما هناك في العمق فراغ مخيف".

 

فراغ صنع الصورة البشعة للقوى العظمى وهي تتجاوز ببلاهةٍ كل القيم لتلتهم كل ما يقف في طريق مصالحها: شعوب، ومدن، وحضارات، ومبادئ.

 

يدَّعون التحضر ويرسون عن عمد الهمجية والوقاحة كمحدِّداتٍ سياسيةٍ للوصول لأهدافهم؛ لذا من غير المستغرب أن يُطرح دومًا ذلك السؤال: ما هي أسباب العداء لأمريكا، وهي الوجه الواضح للغرب، في معظم مناطق العالم؟ وهل هناك ما يبرِّر تحميل الولايات المتحدة المسئولية عن فشل مشروعات النهوض في بعض الدول؟ أم يبقى ذلك فرضًا نظريًّا رهن نظرية المؤامرة؟.

 

هذه الأسئلة وغيرها طرحتها "بي. بي. سي" منذ فترة زمنية للحوار والنقاش، وقد تمت تغطية إعلامية موسَّعة لها، وقد كانت لي فرصة للمشاركة في بعضها.

 

فريق التواصل الإلكتروني التابع للخارجية الأمريكية بدا عاجزًا وهو يقدِّم ردوده على الآراء، ومنها قوله: إن الولايات المتحدة قدَّمت مساعدات لضحايا التسونامي، وإنها أكبر مانح للمساعدات للفلسطينيين، داعين إلى الابتعاد عن نظرية المؤامرة اللا منطقية.

 

والتبرير الذي لجأ إليه الفريق هو نوعٌ لا شعوري من ألوان خداع النفس عن طريق تفسير السلوكيات غير المنطقية في ضوء أسباب مقبولة اجتماعيًّا، ولقد لجأ إلى ذلك حينما فاجأته قسوة النتائج، فجاءت كلماته غير متزنة، بل تحتاج إلى تصويبات.

 

لكن المؤكَّد، لكي نكون منصفين: أن هناك صورةً ذهنيةً تجاه أمريكا تتأرجح بين الإيجابية والسلبية، وهي تتعاظم في منطقة الخليج؛ حيث يوجد نوع من الارتهان الحضاري تجاه القوة الأعظم تغذِّيه عناصر إبهار شاركت في تسويقها "الميديا" والرفاهية، وتنحدر في المناطق الأكثر فقرًا، وتتفاوت في العراق سياسيًّا وطائفيًّا.

 

وتبعًا لاستطلاعات مؤسسة الرأي العام العالمي:

- 92% من المصريين ينظرون نظرةَ عداء للولايات المتحدة، ويرونها تريد تقويض الإسلام؛ وذلك رغم أنها أكبر مانح مساعدات لمصر!!

 

- وبنسبة تقترب من ذلك كانت نتيجة الاستفتاء أيضًا في باكستان!!

 

أعتقد أن هناك أسبابًا مختلفةً قد ساهمت في تكوين هذه الصورة؛ منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- الولايات المتحدة تتبنَّى معايير مزدوجة في تعاملاتها مع الآخرين تستند إلى مصالحها دون الالتزام بضمانات أخلاقية.

 

ويحضرني هنا حكاية الجنرال مشرَّف؛ فحينما كان يفرض الطوارئ ويعطِّل أحكام الدستور ويعطي الجيش صلاحيات واسعة، مثل الأحكام العرفية ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وحينما كانت صور الانتهاكات والسَّحْل تملأ "الميديا" كان جورج بوش يؤكِّد أن الجنرال حليفٌ قوي في مواجهة الإرهاب، وأنه لا يملك أي سبب للشك في سعيه إلى العودة إلى الديمقراطية، وقال: "هو عندي صادق حتى يثبت العكس"!!.

 

أعتقد أن بوش كاذب في ذلك كما يكذب دائمًا، ومشرَّف خانه التوفيق عندما رهن كل أوراقه على حليفه؛ فملف الإرهاب وتحصين القدرات النووية لباكستان بمنعها من الوقوع في يد أعداء الولايات المتحدة والغرب لن تؤمِّن له الحماية كثيرًا.

 

2- الدبلوماسية الأمريكية غير مؤهَّلة وتفتقد الحد الأدنى من اللباقة، وتتعامل مع الآخرين بتعالٍ واضح من منطلق الإحساس بالهيمنة والسيطرة وعدم وجود منافس حقيقي لها.

 

3- لعبت الأنظمة العربية دورًا مزدوجًا في تشويه صورتها؛ حيث إنها حذَّرت الولايات المتحدة من أن أي انفراجةٍ ديمقراطيةٍ وحقوقية ستسرع من وصول قوى معادية لمصالحها في المنطقة، في الوقت نفسه وظَّفت صور أبو غريب وجوانتنامو والأحداث اليومية في العراق وفلسطين لتنقل لشعوبها رسالةً مفادها "أنتم مخيَّرون بين بعض البطش أو فوضى كاملة"!!.

 

والجميع يدرك كيف ابتلعت واشنطن وعودها بعد خطاب كوندليزا رايس الشهير في الجامعة الأمريكية بالقاهرة مطلع 2005م.

 

4- التراجع الواضح في المستوى الأخلاقي والقيمي للقيادات السياسية الأمريكية وتحوُّلها إلى مسوخ دعمت أفكار الكراهية بتصرفاتها الغوغائية، مثل قول بوش في خطاب تولِّيه الحكم "إنه يشعر بالأسى وهو لا يستطيع تجفيف دموع طفلٍ يهودي باكٍ في طريقه لأريحا".

 

حتى إن زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ هاري ريد وصف تشيني بـ"الكلب التهجمي" وزعم أن شعبيته لا تتعدَّى 9%.

 

5- صحيفة "البرافدا" الروسية رصدت بعض أسباب الكراهية الأخرى؛ منها: غزو العراق المبني على أكاذيب خالصة، وأسوأ عمليات فساد، وأسوأ سجل لحقوق الإنسان، وأسوأ سياسة خارجية، وأسوأ حالة من الجبن لقيادات تطالب الشعب بالتضحية ويبخلون بها سوى أمام الكاميرات وفي "الاستوديوهات".

 

هذه الأسباب تؤكِّد القناعات لدى النُّخب والعوام، والتي أظهرتها نتيجة الاستفتاء، وبعضها قد يكون على أساس موضوعي والأخرى قد تكون قائمة على التسطيح والاختزال.

 

ورغم قتامة المشهد نحن ندعو الإدارة الأمريكية إلى البحث عن أسباب الكراهية لها، والتي تتزايد بشكلٍ مرعب، ونتمنَّى أن تضع حلولاً موضوعية لتحسين صورتها، ولكن على أساسٍ من العدل والمصداقية والمبادئ والقيم، وليس التبريرات.

 

فهل تأخذ الولايات المتحدة هذه الدراسات بمحمل الجد؟ قد يعتقد البعض ذلك، ولكنَّ للشاعرِ العراقي أحمد مطر رأيًّا آخرَ يطرحه بطريقته:

"بدعة عند ولاة الأمر صارت قاعدة

كلهم يشتم أمريكا

وأمريكا إذا ما نهضوا للشتم تبقى قاعدة

فإذا ما قعدوا

تنهض أمريكا لتبني قاعدة"

قاعدة غير أخلاقية على السطح، وخواء مخيف يهدِّد أمن العالم في العمق.. هذه هي الإشكالية.