الحرية للهدهد

بعد أن نُقلنا إلى سجن مزرعة طرة، سمحت لنا إدارة السجن بعد عدة أسابيع أن نُصليَ صلاتَي الظهر والعصر بالمسجد المجاور للعنبر رقم 2، على أن يُغلق المسجد بعد صلاة العصر مباشرةً.

 

وذات مرةٍ وبعد أن صلينا العصر، وأغلق الفرد المنوط به خدمة المسجد الشبابيك كلها، لاحظنا وجود هدهد يُحلِّق في سقف المسجد، وظنَّنا أنه حبيسٌ يرجو الخلاص، فرقَّ له كلُّ مَن كان بالمسجد في ذلك الوقت، ولِمَ لا ونحن نذوق طعم السجن وفقد الحرية؟!.

 

لقد أحسسنا بما قد ينال هذا الهدهد من ألمٍ إن هو ظل حبيسًا ولو في المسجد، كيف سيقضي وقته وهو يحاول الخلاص من سجنه؟ كيف سيكون حال الخلاص من سجنه؟ كيف سيكون حال رفيقته إن كان ذكرًا ورفيقها إن كانت أنثى؟ هل لديه صغار يرعاهم؟ وكيف يكون مصيرهم إن تأخَّر عليهم أو فقدوه تمامًا؟.

 

وتذكَّرنا أن الهدهد كطائرٍ له على البشرية جميل وفضل؛ فقد كان سببًا في إيمان ملكة سبأ وقومها مع سليمان عليه السلام؛ إنه صاحب رسالة، بل هو إيجابي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فعملنا على خلاصه من سجنه، فظللنا نُوجِّهه ونُحاصره حتى خرج من المسجد ونال حريته، فحمدنا الله جميعًا وعدنا إلى غرفنا شاعرين أننا قد حرَّرنا أسيرًا وأدَّينا واجبنا نحوه.

 

الحرية يا سادة تلكم القيمة العظمى التي جعلها الإسلام مقدَّمةً على أية قيمة أخرى حتى الإيمان بالله، وخيرُ دليلٍ على ذلك أن الله تعالى قال: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: من الآية 256)، بينما الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يندِّد في حديثٍ صحيحٍ برجلٍ باع حرًّا ثم أكل ثمنه، هكذا على سبيل التنكير "حرًّا"، أي سواءٌ كان مسلمًا أو غير مسلم، وما كانت الحروب في الإسلام إلا لرفع الظلم والقهر عن الشعوب لتنال حريتها، ثم تختار طريقها بيدها وبإرادتها دون إكراهٍ على شيء حتى لو كان الإيمان بالله.

 

الحرية يا سادة هي أغلى قيمة في حياة البشر، ولكنها حُذفت من قاموس الحياة في العالم العربي، وحلَّ محلها الذل والهوان الذي أصبح الدرس الرئيس في كلِّ مراحل العمر؛ يتلقَّاه المواطن من كلِّ ممن هو فوقه، ويلقِّنه كلَّ من هو تحته، إلا من رحم ربي.

 

أذكر أنني كنتُ في زيارةٍ لإحدى كليات التربية في مصرنا الحبيبة، وكان ذلك في امتحانات نهاية العام، فرأيتُ عميد الكلية يحتجز مجموعةً من الطلاب في ركنٍ من الأركان ضبطهم الحرس وقد دخلوا لجان الامتحانات قبل الموعد المسموح به، فوقفتُ أرقب ما سيحدث، فإذا برجلٍ ضخم الجثة، جهوري الصوت، جاء يحمل في يده عصا غليظة وأمر كل طالبٍ أن يفتح يديه، ثم ضرب كلاًّ منهم ضربتين على يديه عقابًا له على ما فعل ثم صرفه.

 

انظر: هكذا في كلية التربية!!، مصنع المربِّين المعلمين الذين سيقومون بعد تخرُّجهم على تنشئة الأجيال التالية، هؤلاء الطلاب في كلية التربية يتلقَّون درسًا في الذلِّ لن ينسَوه أبدًا ما بقَوا في هذه الحياة، وسيشكِّل وجدانَهم ويعلمهم أنه لا كرامةَ لأحدٍ في مصر؛ فطالب الجامعة يُقرع بالعصا، والذي يقوم على قرعه هو أكبر سلطة في الكلية؛ عميدها، وهنا يتأكَّد لديه أنه عبد؛ حيث إن الحكمة تقول: "العبد يُقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة".

 

ومما زادني ألمًا في هذا الموقف أن ذلك الشخص الذي يضرب هؤلاء الطلاب قد وقعت منه العصا أثناء الضرب، فإذا بالطالب الذي جاء دوره ليُضرب يُسرع فيلقف العصا ويناولها الضاربَ ويفتح له يديه لينال حظَّه من الضرب.

 

لقد أخطأ الطلاب حين دخلوا قاعاتِ الامتحان قبل الموعد.. هذه حقيقة، ولكن أليس من سبيلٍ لتأديبهم إلا بالذلِّ والمهانة؟! ولو كان هذا الموقف في غير كلية التربية لوجدت نفسي اقترح لهم بدائل لمعاقبة هؤلاء الطلاب، ولكن القوم هم أساتذة التوجيه والتربية والتقويم!!.

 

وأذكر أيضًا أنه في أحد الامتحانات الشفهية في كلية التربية أيضًا سأل الأستاذ الممتحن طالب الدراسات العليا الذي سيُصبح أستاذًا جامعيًّا بعد قليلٍ سؤالاً قال فيه: "هل أنت حر؟" فلم يُجب الطالب جوابًا؛ فقضية الحرية ليست مطروحةً في ذهنه أصلاً، بل لقد اعتاد على الذلِّ في كل وادٍ في البلاد، فكما قلت: الذل هو الدرس الأول، والحرية هي الدرس المنسي في العالم العربي!!

 

الذل هو الدرس الذي نتلقَّاه يوميًّا من سائق (الميكروباص)، وهذا السائق يتلقَّى معنا نفس الدرس من ضابط المرور، والضابط وكلُّ موظفي الدولة يتلقَّون دروس الذل من رؤسائهم؛ حيث لا ترقيةَ ولا تميُّز، ولا ينال أحدٌ الحقوقَ إلا بالتزلُّف والنفاق الذي هو عين الذل، والكل في مصر ذليل؛ لأنه يحصل على لقمةِ عيشه بصعوبةٍ بالغة، وليس أدل على ذلك من طوابير الخبز التي يموت فيها المواطنون كل يوم.

 

إنَّ المواطنَ الذليلَ يجيد الخنوع والتزلُّف، ولكنه لا يمكن أن يكون منتِجًا، ولا يمكن أن يحميَ حمى بلاده، ولا يمكن لولاةِ الأمر أن يجدوه عند الحاجة، فهل هذا هو المراد؟!

 

إنني أسكن في حي عين شمس الذي شهد أحداثًا داميةً مؤسفةً بين جماعة الجهاد والشرطة، ومنها أن ضابطًا قُتل وهو يركب سيارة الشرطة ومعه جندي يركب السيارة من الخلف، وأشاع الناس أنه عند التحقيق مع ذلك الجندي سألوه: لماذا لم تدافع عن الضابط أو تحاول إمساك الجناة. قال: "ما حدش إداني أوامر يا فندم"!!، وأنا أصدق هذه الشائعة، أو على الأقل فدلالتها صحيحة؛ فجندي الأمن المركزي من أهم خصائصه أنه يُجيد فنَّ الذل، ولا يعرف معنى الحرية حتى يَسْهُل توجيهه حيث يُراد له، فإنَّ قيلَ له "اضرب" ضرب، وإن قيل له "كُف" كفَّ، ولكن لا سبيلَ لأن يُعمل عقله؛ ولذلك لم يجدوه حين احتاجوه، وترك قائده يموت، حتى لم يطارد الجناة ولو على سبيل المحاولة!!

أيها السادة.. أتراكم تحبون مذلة شعبكم؟! أم أنكم لا تجيدون إلا قيادة العبيد؟!