م. وائل عقيلان

 

قديمة هي مقولة "اتفق العرب على ألا يتفقوا"، وذائع صيت الإنجازات العربية على المستوى الدولي؛ من حيث الفقر الثقافي والتخلف التقني والعلمي والتبعية للأمم الأخرى والسعي الجاد والمتواصل للتخلي عن الثقافة العربية الأصيلة.

 

تلك وللأسف مميزات الحكومات العربية الحديثة، ذات التطلُّع بعيد المدى للحاق بركب العبودية، ولكن ما يبكي أن تلك الحكومات التي تتناحر فيما بينها، وتغرس نصال سيوفها في بعضها البعض إنما تأكل من لحم الأمة التي يومًا كانت أعظم الأمم، والتي كانت ولا تزال تحمل في ثنايا قلوب بعض أبنائها أطهر المناهج السماوية على وجه الأرض.

 

ما يبكي أن نرى كل يوم تجمعًا يجمع بعض الملابس غالية الثمن "ماليًّا" وبعض "الجزم الملمَّعة" وبعض أربطة العنق بهيَّة الألوان، ثم يعقد مؤتمرًا يتحدث فيه الرعاع من القوم في أمور العامة الذين يستحقون ما ينالون من مهانة واستعباد وإذلال، فكما تكونون يولَّى عليكم، ومن أقفل فمه عن نصرة أخيه لم يجد لسانًا ينجده ولو بكلمة عن وقوع واقعته، تلك المؤتمرات التي كانت ولا تزال حجر عثرة في طريق تقدم شعوبها، لا تزال شوكةً في حلق الطامحين إلى العزة والكرامة، لا تزال تحفر قبر الأمة بيديها التي تكسوها القفازات الأرستقراطية.

 

ما جرى في دمشق لم يكن حدثًا شاذًّا عن أصول تلك المؤتمرات التي جرت قبل وستجري من بعد، والتي احتوت في ثناياها الكثير المبكي المضحك، فوجدنا المقاطعة من بعض الشخصيات ذوات "الجزم الملمَّعة"، الذين اعترضوا على بقاء لبنان الجريح دون رئيس؛ فغياب الرئيس حتى الآن ترك لبنان دون مجاعة، غياب الرئيس تركها دون أن ترتفع أسعار الغذاء ولم تنقص فيه إمدادات الوقود، غياب الرئيس ترك لبنان دون أن يحدُث نقصٌ في الأدوية والمعدات الطبية، كل ذلك كان سببًا كافيًا لأن تتم مقاطعة القمامة لتجمعها.

 

أما ما يجري في فلسطين وحصار أهلها بأيدٍ عربيةٍ، واعتقال مجاهديها، واستخدام أشد أساليب التعذيب قسوةً بحقهم، ومعاملة الجرحى الذين يعالجون في الخارج معاملة المساجين، وحجز جوازات سفرهم في المقرات الأمنية.. كل ذلك لم يكن كافيًا لأن تُذكر فلسطين على بال أصحاب الرؤوس الملمَّعة.

 

ثم ما لنا لم نرَ منهم من يقاطع اتصالاً هاتفيًّا من العم سام أو حتى من بعض أعوان أعوانه؛ احتجاجًا على مقاطعة الحكومة الشرعية في فلسطين حينما فازت حماس في العام 2006؟! ما لنا نرى كبار القوم يستقبلون طبَّاخي وبوَّابي العم سام في قصور الوطن العربي، وتضيق فنادق وأزقة وبيوت الوطن العربي عن استقبال وزراء الحكومة الفلسطينية المنتخبة.

 

ما يبكي أن يتمسك المجتمعون بتقديم فلسطين هديةً دون ثمن لبني صهيون، الذي يبكي أكثر أن بني صهيون قد ملوا ذلك، فقد قدمت لهم القمة في العام 2002 المبادرة العربية والتي تخلت عن فلسطين، ويتم تجديد تلك الهدية سنويًّا وللأسف العدو يريد كل سنة هديةً جديدةً، فلم تعد تلك الهدية تستهويه بعدما ملَّ من استخدامها ويريد شيئًا أكبر.

 

ما يبكيك أن تخرج بعض الحكمة من أفواه المجانين، فنحن أمة بلا وطن، في زمن يتجمع العالم كله ويتكتل ونحن نتشرذم فوق التشرذم الذي نحن عليه، فها هي لبنان ستنقسم وغزة والضفة والعراق ولله الحمد أكثرنا تشرذمًا، ثم خطة تقسيم مصر ومن قبلها السعودية.

 

أما المضحك فهو إصرار هؤلاء على الاجتماع سنويًّا، واستعراض حرس القرف، والمشي على الموكيت الأحمر أو الموكيت الأزرق لمن لديهم عمى ألوان أو عمى قلوب وضمير، المضحك إصرارهم على تلك الممارسات برغم معرفتهم أنه لا طائل من ورائها.

 

وأخيرًا.. أعتقد أن الشاعر أحمد مطر قد صدق حين وصفهم بالحظيرة فقال: "لم يرجع الثور بل ذهبت خلفه الحظيرة"، وأنا أقول إن ما يجري لحسن الحظ يجعل رائحة النتانة المنبعثة من تلك المؤتمرات تزكم أنوف الشعوب العربية، وتدفعها للابتعاد عن تلك الحظيرة بما تحوي من كائنات غير نظيفة قلبًا وقالبًا.