وسط حالة التردي العام التي تشهدها الأمة العربية، انعقدت على مستوى تمثيل منخفض لمعظم الدول العربية قمة دمشق.
ووسط ترقُّب وحذَر شديدين لما تجهِّزه أمريكا للمنطقة العربية وما حولها، يأتي غياب أبرز الملوك والرؤساء عن حضور القمة.
كنا نتساءل عن جدوى العمل العربي المشترك، وجدوى الانعقاد الدوري لمؤسسة القمة العربية، فإذا بنا نصل إلى التساؤل عن غياب الزعماء والقادة وأسبابه الحقيقية، وهل رضخ هؤلاء للضغوط الأمريكية الصريحة، والتي تستهدف عزل سوريا عن سياسة الممانعة وفكّ التحالف القائم بين إيران وسوريا والذي يحتضن المقاومة في لبنان وفي فلسطين؟!
كنا نتندَّر على بيانات القمم التي لا يتم تنفيذ بنودها ولا متابعة قراراتها، فإذا بنا نفتقد بيانات الشجب والتنديد، وخطب الهجوم الهوائي على السياسات العدوانية الأمريكية والصهيونية، فهل غياب البيانات واختفاء الخطب دليل على الجديَّة المفقودة أم قرينة على الاستسلام للأمر الواقع والخضوع للتعليمات الأمريكية والتماهي مع الخطط الصهيونية؟!
الفائدة الكبرى من عقد هذه القمة العربية هي حالة الفرز التي أنتجتها على مستوى الرؤساء والملوك، فهناك من يشكو من الحلف الإيراني السوري، بينما يقف هو في صف الحلف الأمريكي بوضوح تام، لدرجة المشاركة العملية في تنفيذ المخططات المرسومة ضد المقاومة في لبنان وفي فلسطين وفي العراق، وكذلك التمهيد لحرب مقبلة على إيران، فأيهما يصبُّ في صالح الأمة العربية في الوقت الراهن؟!
إن ظروف نشأة "الجامعة العربية" والاحتضان البريطاني لها، وتأييد الإخوان المسلمين لقيامها رغم كل الملابسات كخطوة على طريق توحيد الأمة الإسلامية تطرح السؤال الحائر منذ عقود: لماذا نجح الآخرون (أوروبا) وفشل العرب في تحقيق آمالهم في العمل المشترك والوحدة المنشودة؟
غياب الإرادة المستقلة للزعماء والحكومات العربية هو أبرز الأسباب، وغياب الحريات العامة والديمقراطية السليمة التي تفرز حكومات وقيادات تعبِّر عن آمال الشعب العربي وتسعى إلى تحقيق طموحاته ويتم محاسبتها في البرلمانات عن فشلها وإخفاقها، كذلك من أهم الأسباب.
العامل الخارجي الذي يسعى دومًا لتنفيذ سياسته الشهيرة "فرق تسد" لا يمكن إغفاله، بل هو المتهم الرئيسي اليوم لإفشال الانعقاد الدوري للقمة العربية في دمشق، وهو الذي يسعى للانفراد بالدول العربية، كلّ على حدة.
الغياب الكبير للمواطن العربي نفسه وانشغاله بهمومه اليومية وأحواله المعيشية في سياسة مفروضة في كل البلاد العربية الكبيرة، والتي وصلت أيضًا إلى البلاد الريعية الغنية، رغم ضخامة عوائد النفط فيها، جعلت السياسة من آخر أولويات المواطن العربي؛ فغاب الاهتمام المطلوب بوحدة العرب ومشاكل المؤسسات العربية.
العين الأمريكية الحمراء، وتضخيم الخطر الإيراني، والاستسلام للأمر الواقع في الملف الفلسطيني رغم ازدراء العدو الصهيوني للمبادرة العربية للسلام والمطروحة منذ عام 2002م، والرغبة العارمة في البقاء في كراسي الحكم إلى ما لا نهاية، بل وتوريث تلك المقاعد جمهوريًّا وملكيًّا للأبناء.. كل تلك العوامل أدَّت إلى غياب معظم القادة العرب عن قمة دمشق، وهو غيابٌ يُشعِر المواطن العربي أنه كالحضور نفسه، لا يؤثر كثيرًا سلبًا في نتائج القمة؛ لأن حضورهم السابق في القمم السابقة لم يؤثر إيجابيًّا، فقرارات القمم السابقة ما زالت حبرًا على ورق في كل المجالات تقريبًا، باستثناء التعاون الأمني لقمع المواطن العربي وإرهابه، والتنسيق الإعلامي لتغييب وعي العرب، وتزييف الحقائق أمامهم، وإلهائهم بتوافه الأمور لشغلهم عن عظائمها.
لهذه الأسباب يخرج وزير الخارجية السوري ليعلن أن مجرد انعقاد القمة في وقتها وفي دمشق نفسها بأي تمثيل يكون، ورغم غياب لبنان التي قاطعت القمة، هو نجاح لسوريا، هو هنا يخاطب المواطن الذي يدرك أن حضور القادة مثل غيابهم لا يقدِّم ولا يؤخِّر؛ لأن القرارات اللاحقة ستكون كالسابقة، مجرد كلام في كلام وحبر على ورق.
اللاعب الرئيسي اليوم في الساحة العربية هي أمريكا، في العراق بالبصرة وبغداد وفي فلسطين بغزة والضفة، وفي لبنان، وفي الصومال والسودان، وهي من الواضح تُحضِّر المشهد لحرب جديدة ستتوالى فصولها من غزة إلى لبنان، وقد بدأ التحضير في العراق بالبصرة.. هذه الحرب لحصار التمدُّد الإيراني، وقد تنتهي بضربة جوية تمَّ الإعداد لها من سنوات، ويتم التحريض عليها من جانب العدو الصهيوني.
والمطلوب الآن قصقصة الأجنحة الممانعة وضرب المقاومة؛ حتى ينتهي المشهد بالضربة الجوية ضد المنشآت النووية الإيرانية، والتي لا يعلم إلا الله وحده آثارها ونتائجها على مجمل الأوضاع في الخليج وفي الوطن العربي والإسلامي كله؛ فإيران ليست كالعراق، وهي اليوم لاعب رئيسي في العالم العربي والإسلامي، والذي أهداها هذه المكانة هو الرئيس الأمريكي بوش الابن؛ بسياسته الخرقاء في الحروب الاستباقية، وها هو يريد أن يكفِّر عن أخطائه القاتلة فيرتكب خطأً مميتًا آخر ليجعل إيران هي القائدة الوحيدة لجبهة الممانعة والمعارضة للسياسة الأمريكية وللعدو الصهيوني، ويعزل بالتالي حلفاء أمريكا عن شعوب المنطقة تمامًا؛ المهم ليس انعقاد القمة بل الأهم هو ماذا بعد القمة؟!
تهنئة للدستور وفريق العمل
تلاحقنا الأحداث وتطوراتها، فلا نتمكن من عرض كل ما نريد، ولكن لا بد من تهنئة إبراهيم عيسى وفريق عمل "الدستور" على النجاح الذي حقَّقته الجريدة اليومية والعدد الأسبوعي، الاستمرار رغم التفرُّد بمدرسة صحفية جديدة وغريبة على القارئ العادي، والمراهنة على قارئ جديد من جيل الشباب، والصمود رغم الهجمات والمحاكمات.. كل ذلك يستحق التهنئة.
المحليات بالتزكية
نجحت السياسية الأمنية في فرض أعضاء المجالس المحلية بالتزكية، ومنع ترشيح المستقلين والمعارضين، وحتى أعضاء الحزب الوطني الغاضبين، وبالتالي حقَّقت الحكومة رغبة الذين نادوا بمقاطعة الانتخابات؛ فقد فرضت هي المقاطعة بقوة الأمن وبنسبة وصلت إلى أكثر من 95% بالتزكية.
المحكمة الدستورية: أفرجوا عن الشرفاء
إلى متى يستمر هذا الظلم؟! ولماذا يتم التلاعب بعواطف عشرات ومئات الأسر والبيوت الذين يفتقدون عوائلهم منذ 16 شهرًا؟! وهل يتوقع النظام والذين يرسمون سياسته أن محكمةً عسكريةً ثامنةً يمكن أن تحقق ما فشلت فيه 7 محاكم عسكرية سابقة سجنت أكثر من 120 من الإخوان لمدد بين 3- 5 سنوات؟!
تحيه واجبة
لكل من شارك في الإعداد الجيِّد لمؤتمر القاهرة الدولي السادس ضد العدوان الأمريكي والاحتلال الصهيوني، وتحيةً واجبةً أيضًا لكل الحضور؛ خاصةً من خارج مصر.