![]() |
|
د. ممدوح المنير |
أعترف أننا قصَّرنا كثيرًا في تناول الشأن العراقي؛ فكمُّ الكتابات التي تعالج الأزمة الكارثية في العراق لا يتناسب إطلاقًا مع حجم الجرح النازف هناك، رغم أني أعتقد أنَّ مَن يُتابع مجريات الأحداث سيكتشف سريعًا أنَّ الخطرَ في العراق أكبر منه في فلسطين.
أعلم أنَّ البعضَ قد يختلف معي في هذا على اعتبار أن قضية فلسطين فيها من الرمز والمقدس الكثير؛ ففيها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة والحرم الإبراهيمي ومراقد الأنبياء وعدد من الصحابة، وهي أرض المحشر... إلخ؛ مما يجعلها في مقدمةِ الأحداث على الدوام، ولا غضاضةَ لديَّ في ذلك، لكن مَن قال إنَّ المقدسَ في الإسلام هو الحجر أيًّا كان قيمته؟!
لقد تعلَّمنا منذ الصغر أنَّ هدمَ الكعبةِ أهون عند الله من سفك دم امرئٍ مسلمٍ، ولكن يبدو أننا سرعان ما ننسى أو نتناسى ذلك بمعنى أصح!، ولم تعد مشاهد القتل ولا صرخات النساء ولا دموع الأطفال تُثير عاطفةً لدينا أو حتى تُحرِّك فينا ساكنًا، بل أصبح الكثير منَّا عندما يجد أخبارَ العراق تُذاع على شاشة التلفاز سرعان ما يُغيِّر القناة حتى لا يتعكَّر مزاجه أو حتى لا يُصاب بالملل!!.
أكثر من مليون قتيل حتى الآن.. عشرات الآلاف من العلماء تمَّ اغتيالهم.. مليارات الدولارات نُهبت.. ثروات نفطية لا تعد ولا تحصى تقوم الناقلات الأمريكية وحلفاء أمريكا بنهبها يوميًّا.. فتنٌ كقطعِ الليل المظلم.. سنة وشيعة وأكراد.. أكثر من نصف الشعب عاطل عن العمل والنصف الآخر لا يجد قوت يومه.. نساء حرائر أُجبرن على ممارسةِ الدعارة بالإكراه أو سعيًا وراء لقمةِ العيش بعد أن مات الأخ والزوج والأب وتُركن وحدهُنَّ يصارعن الموت في بلدٍ أصبح الموت فيه أصلاً والحياة استثناءً!!.
مياه شرب لا تُوجد.. الكهرباء رفاهية لا تُتاح للجميع.. مقاومة بألوان الطيف؛ فمَن يقاوم الاحتلال؟ ومَن يقاوم الطائفة؟ ومَن يقاوم الدين؟ ومَن يقاوم حتى نفسه؟!.
خونة وعملاء بالجملة في كافةِ مرافق الدولة.. تعذيب وحشي سادي لا مثيلَ له في التاريخ البشري من الاحتلال وأعوانه.. أمراض وأوبئة وأدوية فاسدة.. خوف ورعب وسيارات مفخَّخة في وقتٍ وكلِّ شبرٍ من أرضِ العراق.. ملايين اللاجئين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء.
هذا هو العراق بعد الاحتلال، لا تجد هناك للحقيقة وجهًا واحدًا بل عدة أوجه، إننا أمام عملية إعدام لأمةٍ بكاملها على الهواء مباشرةً مع فاصلٍ إعلاني للترويح عن النفس!!.
المفجع في الموضوع أننا- الشعوبَ العربيةَ والإسلاميةَ- ولأول مرة نتفق مع حكمانا، الذين نلعنهم كل صباح، في الصمت المخزي والتجاهل المريب، خرج مئات الألوف حول العالم للاحتجاجِ على احتلال العراق في ذكرى الغزو الأمريكي له.. جمعيات حقوقية ونشطاء غربيون يطوفون العالم للتنديد بالجريمة وكشف أوجه المأساة فيها، بينما لم تخرج مظاهرة واحدة في العالم الإسلامي للتنديد بالجريمة!!، تواطأنا جميعًا على الصمت (شعوب، جمعيات حقوقية، إعلام، كُتَّاب، حكام) لماذا صمتنا جميعًا؟!.. حقيقةً لا أعرف، لكن ما أعرفه جيدًا أننا جميعًا مشتركون في الجرم وسندفع الثمن عاجلاً أو آجلاً، وما يحدث في السودان ولبنان ومصر هو جزءٌ من الثمن الذي سيطال الجميع شئنا أم أبينا.
فرصتنا الوحيدة للنجاة هي أن نتذكر أننا أمة واحدة، كالجسد الواحد؛ إذا تداعى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
أعلم جيدًا أنَّ الحديثَ عن الأمةِ الواحدةِ في زمنٍ تتفكك فيه الدولة الواحدة إلى دويلات قد يعد في نظر البعض نوعًا من المجاز أو الدعابة، وهذا شأنهم ولا تثريبَ عليهم، أما نحن فنُدرك جيدًا أنه لن تكون هناك نجاة إلا بعد أن يقدم مفهوم الأمة على مفهوم الفرد، حينها نتحرَّر جميعًا من أنانيتنا المَقيتة إلى رحاب الأمة العظيمة.
﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)﴾ (الصف).
