يُثير حادث إطلاق البارجة الحربية الأمريكية في الجزء المجاور للسويس من قناة السويس يوم 23/3/2008م عددًا من الملاحظات المهمة والخطيرة؛ أول هذه الملاحظات أن الحادث أبلغ عنه أهالي الضحايا؛ حيث قُتل شخص وجرح شخصان وهم عائدون على قارب صيد وظهرهم للباخرة، ولم يكن لهم بها أية علاقة، ثم بدأ التعليق الرسمي الأمريكي والمصري على الحادث بعد أن أثار بعض أعضاء البرلمان القضية رسميًّا مع رئيس الوزراء ووزير الخارجية، وبعد أن تناقلتها جميع وسائل الإعلام.
معنى ذلك أن مصر والولايات المتحدة لم تكن لديهما النية في الحديث العلني عن هذا الحادث خشيةَ أن يُثير الرأي العام الملتهب أصلاً بسبب السياسات الأمريكية و"الإسرائيلية" والقضايا الداخلية المتشابكة؛ معنى ذلك أيضًا أن مصر قد دأبت على السكوت عن العدوان على انتهاك سيادتها الحقيقية وعلى مقتل مواطنيها داخل مصر دون أن تجرؤ على حمايتهم أو أن تتخذ موقفًا بشأنهم.
وأظن أن سجل "إسرائيل" في ذلك يشهد بموقف مصر، كما أن الاستهانةَ بالمصريين في الخارج العربي والأجنبي أصبح شهادةً رسميةً بتدهور مكانة مصر وقدرتها ورغبتها في حماية رعاياها.
الملاحظة الثانية هي أن روايات الحادث المصرية والأمريكية وتطورها تُثير الألم والقلق؛ فقد نفت البلدان في البداية، ثم أصر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أن الحادث لم يقع أصلاً وليس هناك ضحايا من الأساس، وأخيرًا، وفي الطبعة الأخيرة، قدَّمت البحرية الأمريكية الاعتذار عن "هذا الحادث الذي وقع بطريق الخطأ، والذي تسبَّبت فيه طلقة تحذيرية", وكانت الخارجية الأمريكية قد غيَّرت موقفها بعد ساعاتٍ من إنكار وقوع الحادث إلى التأكيد أن القارب أصرَّ على الاقتراب ولم يكترث بالطلقات الضوئية التحذيرية، فاضطرت البارجة إلى وقف تقدُّمه بنيران حية.
أما الطبعة ما بعد الأخيرة في مصر وأمريكا فهي اعتذار السفير الأمريكي عن "الحادث المؤسف"، وتصريح رئيس مجلس الشعب بأن مصر لن تتهاون في هذا الحادث, وكذلك تصريح وزير الخارجية بنفس المعنى.
المتأمل في هذا السلوك المصري والأمريكي لا يستطيع مقاومة الانطباع بأن عدم مصداقية هذا السلوك ينطوي على استهانةٍ كاملةٍ بدماء المصريين في بلادهم، ناهيك عن دمائهم خارجها، كما لا يستبعد توافق البلدين تمامًا على ذلك؛ حرصًا على علاقة التحالف الوثيق بين البلدين التي تهون بسببها دماء كل المصريين، وكأنَّ المصري لم يعد ينقصه إلا إراقة دمه ظلمًا وعدوانًا على أرضه.
الملاحظة الثالثة هي أن تواترَ سكوت مصر على امتهان كرامة ودماء المصريين جديرٌ بأن يستخلص المصريون أن الدولة لم تعد قائمةً لحمايتهم، وإنما هي أسدٌ لقمعهم وتجويعهم وامتهان كرامتهم وجمع الإتاوة منهم.
هذا الاستنتاج يفتح الباب على احتمالات خطيرة؛ أبسطها أن المواطن لا يتوقَّع حماية دولته وإنما يحمي نفسه وينتقم لنفسه، وهذه إساءة كبرى للدولة في الخارج، وتحدث فوضى في الداخل، كما أن المواطن ليس ملزمًا بأي شيء قِبل دولته ما دامت الحماية هي أهم وظائف الدولة والتزاماتها.
لهذا السبب فإن التصريحات المصرية والأمريكية الهادفة إلى مجرد امتصاص الغضب سوف تدفع الناس دفعًا إلى هذه النتائج الخطيرة التي لن يكون مجرد القمع الأعمى حلاًّ لها، وإنما تصعيدًا وتسريعًا بنتائجها.
الملاحظة الرابعة هي أنه من المعلوم أن مصر ملتزمة بالسماح بمرور سفن جميع الدول دون تمييز؛ حربيةً كانت أم مدنية أم تجارية، ولكن أهم قواعد المرور هو أنه يحظر مطلقًا على السفن الحربية إطلاق النار لأي سبب؛ لأنها تعبر داخل الأراضي المصرية، وإطلاق النار هو اعتداء على سيادة مصر.. على أراضيها، ويخول مصر صلاحيات واسعة لحماية أراضيها ومواطنيها؛ من بينها منع السفن الحربية الأمريكية من المرور في القناة ما دامت تُهدِّد أمنها, والمهم أن تعترف مصر بأن إطلاق البواخر الأمريكية النارَ على المصريين هو أحد مهددات هذا الأمن مهما كانت علاقة التحالف والحب بين مصر والولايات المتحدة.
ولذلك لا يكفي الاعتذار بعد الإنكار والتخبط والتواطؤ المكشوف على الاستخفاف بدماء المصريين، وعلى الولايات المتحدة أن تعلن اعتذارها العلني والرسمي للحكومة المصرية عن هذا الاعتداء على سيادتها ومواطنيها بذات العبارات، ولا أظن أننا بحاجةٍ إلى تعازي أحد في شهداء هذا العدوان وأن تقدم واشنطن ما لا يقل عن 6 ملايين دولار تعويضًا؛ لأنها حصلت على نفس المبلغ لكل مواطن أمريكي قُتل في لوكربي في حادثٍ إرهابي، فما بالنا بحادث مُتعمَّد من القوات الرسمية الأمريكية على الأراضي المصرية؟!.
فهل يقيض الله للمصريين مَن يحميهم من حلقات دنشواي رمز الإهانة وإراقة دماء المصريين في أرضهم؟!.