تتعرَّض مصر لانتقادات حادة بشكل متزايد، كان أحدثها النقد الأوروبي لأوضاع حقوق الإنسان, ونقد الخارجية الأمريكية يوم 14/3/2008 لمنع الحكومة ترشيح عناصر من الإخوان وغيرهم في انتخابات المحليات.

 

وفي الحالتين ردَّت الحكومة بشكل حادٍّ على النقد؛ حيث اشتركت الدولة برموزها الكبيرة: رئيس مجلس الشعب والشورى ووزير الخارجية والشئون البرلمانية في صدِّ هذه الهجمة على استقلال مصر وسيادتها، وحرصًا على صيانة شئونها الداخلية.

 

وأمام نقد الخارجية الأمريكية قال المتحدث باسم الخارجية المصرية: إن هذا النقد ينطوي على عدم فَهْم الواقع المصري, رغم أن بيان الخارجية الأمريكية يقول إنه صدر بعد تبرير وتمحيص ومفاتحات مع الجانب المصري, فرأى أن يسجِّل موقفه في النهاية, بل إن موقع الوكالة اليهودية يقول إنه هو الذي حرَّض على صدور هذا البيان، ولولاه لما تورَّعت واشنطن عن نقد حليف كبير.

 

في الحالتين أكَّد الاتحاد الأوروبي والخارجية الأمريكية أهمية مصر لهما وقلقهما في نفس الوقت على أوضاعها، والمتابع للفعل الأجنبي ورد الفعل المصري قد يرى أن الحكومة تدافع عن استقلال مصر ضد العدوان الأجنبي, وأن هذا ضربٌ من الوطنية، كذلك اعتبر البعض أن مهاجمة الفلسطينيين والدفاع عن المواقف السياسية لمصر مهما كان عوارها هو ضربٌ من الوطنية أيضًا, وأن غير ذلك معادٍ للوطن وخارج دائرة الوطنية.

 

وهكذا أصبح الجميع يتحدَّثون باسم الوطن, وهذه ظاهرة تسود عادةً عندما تختلط الأوراق وتضيع الخطوط الواضحة الفاصلة, فترتكب أعمال عنف ضد شخصيات فيدَّعي القاتل والقتيل أنه هو الوطني المدافع عن مصلحة الوطن.

 

في العراق فعل صدام كل ما فعل وأودى إلى ما هو فيه باسم الوطن, ورآه غيره خيانةً وتآمرًا أو في أحسن الفروض غباءً، هكذا فعل ميلوسوفيتش وهتلر وغيرهما, بل إن الجنود البسطاء الذين يتصدَّون للمتظاهرين والذين يسومون السجناء سوء العذاب تنفيذًا لتعليمات قيادتهم يعتقدون أنهم كلما أمعنوا في عملهم كلما كان ذلك قربى إلى الله والوطن, فضاع الفارق بين المجرم والضحية.

 

وعلى المستوى الدولي عندما تضعف سلطة القانون والضمير المركزي الضابط للقيم يضيع الفارق بين الدفاع الشرعي وغيره من صور استخدام القوة؛ فأصبح العدوان "الإسرائيلي" دفاعًا عن النفس, كما أصبحت المقاومة الفلسطينية هي رأس الإرهاب والعدوان!.

 

هذه الظاهرة في مصر تُثير ثلاث قضايا خطيرة:

القضية الأولى: هي أن الحقيقة في مصر واضحةٌ جليةٌ، وهي التي تسبَّبت في كل هذا الخلط، ومفادها أنه لا يوجد فاصل بين أداء الحكومة وأداء الدولة, ويُفترض أن رأس الدولة هو الذي يحدِّد المصلحة العليا كما يراها المجتمع, ويرى المسافة بين الوطن والنظام, ولكن الخلط بينهما أدَّى إلى أن يكون نقد أداء النظام نقدًا للوطن، كما أصبحت مصلحة النظام هي نفسها مصلحة الوطن.

 

حدث ذلك لسبب رئيسي، وهو عدم التمييز بين المجتمع والدولة والحكومة, وهذا أيضًا هو سبب الأزمة التي تعصف بمؤسسات المجتمع المدني، وجذر هذا كله هو عدم وجود نظام لمحاسبة المسئولين وتقييم أدائها, وعدم الفصل بين الثروة والامتيازات والسلطة.

 

القضية الثانية: هي مدى مطابقة صور النقد للواقع, بعبارةٍ أخرى أن ما يوجَّه من نقد بالنسبة للمراقب صحيح, ولكن الحساسية تجاه أي نقد، خاصةً من الخارج، وبشكل أخص عندما يكون النقد صحيحًا، هو السبب في حدَّة الردّ.

 

وقد يكون السبب في حدة الرد، وهذا هو الأخطر، هو أن تكون الحكومة مقتنعةً فعلاً بأنها تحسن صنعًا، ولكن هذا الخارج القريب قد ظلمها, فتتناسب حدة الرد مع حرقة الشعور بالظلم.

 

القضية الثالثة: وهي مدى إدراك المتحدثين باسم الحكومة صحَّةَ ما يتحدثون به، بعبارةٍ أخرى: هل يدرك المتحدثون أن عملهم يقتضي التعبير عن هذا الموقف وهم غير مقتنعين به, فيكون هناك فاصل بين الموقف الرسمي والشخصي يبرِّره الحرص على التزامات الوظيفة.

 

وقد لفت النظر في تصريح المتحدث الرسمي للخارجية المصرية أنه يؤِّكد أن الخارجية الأمريكية لا تفهم الواقع المصري, فهل الواقع المصري لدى الحكومة المصرية يختلف عما نراه في الحقيقة، وهو منع المرشحين من الترشيح؟! أم يقصد أن دوافع المنع غير القانونية يبرِّرها هدف سياسي أعلى وهو حرمان أي مرشح من غير الحزب الوطني من الترشيح؟! وكيف يبرِّر المتحدث المصري ذلك وهو يكرر أن مصر دولة ديمقراطية؟! أم تراه يرى أن الديمقراطية المصرية أنموذج حديث، من خصائصه ليس فقط تزوير إرادة الناخبين, وليس مجرد منع الناخبين من الوصول إلى صناديق الاقتراح، وإنما منع المرشَّحين أصلاً من القيد في جدول الترشيح, أي علاج المسألة من المنبع؟!