صدر قرار جمهوري بدعوة الشعب لانتخابات المجالس الشعبية المحلية في 8/4/2008، ثم صدر قرار وزير الداخلية بتنظيم مواعيد إجراءات العملية الانتخابية، ومن ثم كان من المفترض أن نعيش الفترة بين 4/3/2008 (موعد فتح باب الترشيح) و8/4/2008 (يوم الانتخابات) في ممارسة سياسية وسباق تنافسي (تقدُّم للترشيح، عرض برامج وأفكارٍ، احتكام للرأي العام من خلال صناديق الانتخابات).
ولكن فوجئ الجميع بتشكيل هيكل إداري لمنع المرشَّحين توزَّعت أدواره بين ثالوث الرعب (رجال أمن الدولة، موظفي الإدارة المحلية، البلطجية) فقاموا بكل الوسائل غير المشروعة (اعتقال وخطف مرشحين، مصادرة أرزاق المرشحين، رفض استلام أوراق الترشيح، الحيلولة دون الوصول لمكاتب تسليم الأوراق... إلخ).
وكانت المحصلة التي قامت لأجلها عشرات التظاهرات الضخمة التي نقلتها الفضائيات العالمية وتناولتها الصحف غير الحكومية، وأثبتها القضاء الإداري من خلال حوالي 3000 حكم، تعنُّت الجهات الإدارية ورفضها غير المبرر استلامَ أوراق الترشيح، بالمخالفة لصحيح القانون وصريح الدستور؛ مما دفع النواب في البرلمان إلى أن يقفوا ويُلقوا بالأحكام في وجه الحكومة التي لم تنفِّذ أحكام القضاء.
أقول: كانت المحصلة لهذا الثالوث (الذي شكَّل هيكلاً إداريًّا لمنع المرشحين) أن المعارضة والمستقلين من كافة القوى والأطياف، بمن فيهم الخارجون على الحزب الوطني، لم يستطيعوا تقديم أكثر من ألفي مرشَّح لينافسوا على أكثر من 51.000 مقعد، كان الأصل أن يتنافس عليها على أقل تقدير أمام مرشَّحي الحزب الوطني 51.000 مرشح آخر من كافة أطياف القوى السياسية؛ بما يعني أن الحزب الوطني فرض لنفسه الفوز بالتزكية في حوالي 97% من المقاعد ليكمل النتيجة إلى 99% بالانتخابات الوهمية، وهي تقريبًا نفس النتيجة التي حصل عليها في انتخابات الشورى 2007، لكنَّ التطور هنا أن الحزب لم يعُد بحاجة لتزوير الانتخابات؛ فقد منع الترشُّح أصلاً.
وهنا ترِد عدة أسئلة (كثير منها في غير حاجة إلى جواب)، وهي:
- لماذا أجَّل الحزب الوطني انتخابات المحليات حين آن أوانها في أبريل 2006 لمدة عامين (تحت زعم الحاجة الماسَّة لإصلاح المحليات الفاسدة للرُّكَب من خلال إصدار قانون جديد يعطيها الصلاحيات ويتجه نحو اللا مركزية)؟! ثم لماذا صدر القرار بالدعوة للانتخابات دون صدور القانون المزعوم الذي أُجِّلت الانتخابات من أجله؟!
- لماذا ينزل الحزب الوطني إلى المحليات وهو الذي أفسدها طوال الـ30 سنةً الماضيةً؟! وماذا عنده ليقدِّمه ولم يقدِّمْه طوال الـ30 سنة الماضية؟!
- وهل لا تكفي الشعب من هذا الحزن الوطني 30 عامًا رأينا فيها- وفي المحليات فقط-:
* سقوط الناس قتلى في طوابير الخبز بعد أن شاركت محليات الوطني في مافيا سرقة الدقيق المدعوم وبيعه؟
* سقوط الناس قتلى تحت أنقاض العمارات بعد أن تستَّرت محليات الوطني على مهندسي الأحياء وتراخيص بناء مضروبة؟!
* أكَل الناس لحومَ الكلاب والحمير بعد أن ذُبحت في المجازر الرسمية على مسمع ومرأى من محليات الوطني؟!
لن أتحدث عن تردِّي الخدمات الصحية والتعليمية؛ فقد تكيَّف الناس على أن يعالجوا أنفسهم، ويعلِّموا أولادهم بأنفسهم ومن جيوبهم، بل وينظِّفوا شوارعهم كذلك بأنفسهم، رغم الرسوم التي تُحصَّل منهم بلا مقابل.
- من الذي سيقدِّمهم الحزب الوطني لإصلاح المحليات؟! هل هم أشخاص جدد غير الذين أفسدوها طوال الـ30 سنة الماضية؟ أم هم نماذج جديدة غير نماذج نوابه في الشعب والشورى الذين عُرفوا بنواب القروض، نواب الكيف، نواب العبارات، نواب تلوث الدم، نواب الرشاوى السياسية، نواب سرقة المال العام والخاص؟!
- لماذا يخشى الحزب الوطني من التنافس السياسي الشفَّاف في كل ميدان؟ ألم يكن أمامه طوال الـ30 سنة الماضية، وهو يملك السلطات والثروات والميزانيات، أن يسعى لتحسين صورته في الشارع بدلاً من اللجوء في حسم معركة التنافس مع الآخر إلى البلطجية والقوة والقمع؟!
- لماذا طريقة قابيل الذي لم يُتقبَّل قربانه بينما تُقبِّل من أخيه، فلم يسعَ لمراجعة نفسه: لِمَ لَمْ يُتقبَّل مني؟ ولا لمحاولة معرفة كيف ولماذا تُقبِّل من أخيه؟ ولكن كان قراره القضاء على الآخر ﴿قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ﴾ (المائدة: من الآية 27)؟! ولماذا طريقة فرعون حين عجز عن مجاراة موسى ومقارعة الحجة بالحجة فجاء ردُّه بعد شوط قصير من المناظرة: ﴿لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ﴾ (الشعراء: 29)؟!
- هل أصبح البلطجية (أرباب السوابق، المسجلين خطرًا، الساقطات) أداةً أساسيةً في حسم معارك الحزب الوطني مع خصومه وقد رأيناها مرارًا بالفعل تحُلُّ للحزب الوطني كل مشكلاته مع خصومه؟!
تذكرون جيدًا البلطجة في المرحلة الثالثة من انتخابات مجلس الشعب 2005، وكيف أنقذت رموز الحزب الوطني من استمرار السقوط، وكذلك البلطجة يوم استفتاء 25/5/2005 والتحرُّش بالصحفيَّات على يد البلطجية أمام قيادات الحزب الوطني، والبلطجة لإخماد صوت القضاة والعدوان على القاضي محمود حمزة، والبلطجة في جامعة عين شمس لإخماد صوت الاتحاد الحر الذي شكَّله الطلاب لفضْح جريمة تزوير إرادة الطلاب طوال السنين الماضية، وأخيرًا البلطجة في المحليات لمنع المرشحين من المنبع بدلاً من الحاجة للتزوير.
والسؤال الأهم هنا: هل هناك علاقة بين توظيف البلطجة في الصراع السياسي وحالة الانفلات الأمني وغياب الأمن الجنائي الذي يعاني منه الشعب؟ هل العلاقة مجرد أولويات متعارضة أم توافق إستراتيجي؟.
- هل يقصد الفكر الجديد العابر للمستقبل "واللي بيقول إن مصر حتتقدم بيه" إلى الإفساد السياسي بتوسعة الطابور الخامس بضم 51.000 عضو مجلس شعبي محلي تمَّ فرضهم بطريقة التعيين من الحزب وليس بالانتخاب من الشعب، فصاروا أولياء الحزب وليسوا خدَّام الشعب، وبذلك يظلون أوفياء لأرباب نعمتهم الذين هم السبب في وجودهم؟! وهذا التوجه ليس بالجديد؛ فقد رأيناه يتحقَّق في فرض:
* القيادات الجامعية (رؤساء جامعات، عمداء كليات بالتعيين وليس بالانتخاب).
* قيادات صحفية حكومية.
* العمد والمشايخ.
* الرشوة السياسية للنواب.. إلخ.
- هل كان لهذه المهزلة التي سمِّيت (انتخابات المحليات 2008) علاقة مباشرة بانتخابات الرئاسة 2011، ومن ثم كانت الفوبيا والحمى التي بلغت التشكك في مرشحي الوطني أنفسهم؟!
أقول: حين تم إقرار تعديل المادة 76 على النحو الذي عُرِف بالخطيئة الدستورية في سابقةٍ لم يعرفها العالم أن تأتيَ مادة كان يمكن أن تكون في جملة واحدة: "يتم انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري المباشر من الشعب بين أكثر من مرشح"، فجاءت في خمس صفحات تفصيلية لتضمن بقاء الاستفتاء السابق في شكل انتخاب (استختاب)، وبينما طلبت المادة الجديدة من الأحزاب أن يكون لها عضو واحد في أيٍّ من مجلسَي الشعب والشورى ليحق لها الدخول في هذه المسرحية، ألزمت المرشح المستقل أن يأتيَ بتزكية 65 عضوًا من مجلس الشعب، و25 عضوًا من الشورى، و140 عضوًا مجلس شعبي محلي محافظة من 14 محافظةً، والمعروف أن هذه المجالس الشعبية المحلية ستبقى لمدة أربع سنوات، إذًا فهي يمكن أن تشارك في تزكية المرشح المستقل في انتخابات الرئاسة لعام 2011، ولكن:
* مجلس الشعب الحالي، والذي يضم أكثر من 100 نائب مستقل سينتهي في نوفمبر 2010، ومعلوم من السياسة بالضرورة أنه لن يُسمح بمجيء هذا العدد من الإخوان والمستقلين مرةً ثانية.
* مجلس الشورى الحالي لا يضم عضوًا واحدًا منتخبًا لغير إرادة الحزب الوطني، وسيتم استكماله في أبريل 2010.
- إذا كانت تزكية مرشح الرئاسة المستقل لا بد أن تأتيَ من أعضاء مجالس المحافظات المحلية، فلم تمَّت المعركة بنفس القدر لمنع المرشحين في مجالس محلية للقرى والأحياء والمدن وليس للمحافظات فقط؟
- هل كانت نفس البلطجة والتعويق في انتخابات (اتحاد الطلاب، والعمال، والغرف التجارية) لها علاقة بانتخابات الرئاسة؟.
- هل فَرْض الحراسة على نقابة المهندسين لـ15 سنة وتجميد وشل سائر النقابات المهنية الأخرى له علاقة بانتخابات الرئاسة؟.
أظن أن الأمر يتعلَّق بالرسالة المترتبة على نتائج الانتخابات، وهي السقوط الذريع للحزب الوطني في رسالة رَفْض شعبي عام لاستمراره، ثم رسالة قدرة المعارضة والإخوان (في حالة نجاحهم في بعض المحليات) على تحقيق خدمات ملموسة للمواطن، وعلاقة ذلك بالتغيير السياسي العام.
بالمناسبة.. أردوغان في تركيا وأحمدي نجاد في إيران وميتران في فرنسا، كانوا رؤساء بلديات قبل اختيار الشعوب لهم ليكونوا رؤساء حكومات أو دول.
أما السؤال الأخير والمحيِّر فعلاً والذي يحتاج إلى جواب حقًّا فله شقان:
أولاً: هل يعي الجميع خطورة الرسالة التي يدفع النظام بها للمجتمع من خلال هذا القمع والقهر والمصادرة لكل من يريد الإصلاح والتغيير؛ من خلال الممارسة السياسية والوسائل الدستورية والقانونية، وكأنه يقول للجماهير: "لا فائدة من الحلول السياسية، ولا تغيير من خلال هذا الطريق"؟!.. إذاٌ ما البديل؟
- وهل لا يدرك الجميع أن الشارع المصري في حالة غليان عنيف من جرَّاء الظروف المعيشية القاسية التي طالت الجميع (ليس فقط العاطلون ونتاج الخصخصة، ولكن أعضاء هيئة التدريس، الأطباء، موظفو الضرائب العقارية، العمال... إلخ)، وأن الأمر لا يتحمَّل هذا؟! أم أن هذا هو المدخل الوحيد لظهور الفجر علي يد الفارس المغوار الذي سيبدد الظلام ويَحلُّ على يديه الخير والرخاء وزيادة الأجور وانخفاض الأسعار؟!
ثانيًا: لماذا يُقدِم الإخوان على هذه "المطحنة"؟ ولماذا يُلقون بأنفسهم إلى هذه التهلكة؟ ولماذا يدفعون كل هذه التكلفة؟ وهل لِمَا يفعلون أية جدوى؟
سؤال سأله الكثيرون، ومن حقِّهم أن نجيب عنه في مقال آخر إن شاء الله.