في التاسع من أبريل 2003م احتلت الولايات المتحدة العراق بعد عملية الغزو، والتي بدأت في العشرين من مارس 2003م عقب قمة عربية عُقدت في شرم الشيخ في الأول من مارس، ناشدت الولايات المتحدة ألا تغزوَ العراق، رغم أن بوادر العملية والقوات جاهزة حينذاك في الخليج.
ولا شك أن احتلال العراق طوال السنوات الماضية دون أن يعرف أحد على وجه التأكيد تاريخًا لنهاية هذا الاحتلال، قد أثار اختلافًا كبيرًا في النظر إلى الاحتلال حسب الزاوية التي يتم النظر منها إلى المشهد العراقي؛ فعلى المستوى العراقى لا يزال الاحتلال واستمراره عند البعض كسبًا كبيرًا لطائفة أو أخرى، كالأكراد وبعض الشيعة؛ لأن الاحتلال أزاح نظامًا لم يحظَ يومًا بثقتهم, بينما السنَّة في ظل الانقسام العرقي والطائفي الذي فرضه الاحتلال هم الذين عارضوا الاحتلال وقاوموه ويتمنَّون زواله ويتحدثون دائمًا عن سوءاته.
في العالم العربي لم يستخدم الخطاب السياسي والإعلامي العربي مفردات الاحتلال والغزو والمقاومة؛ حتى لا يُغضِب الولايات المتحدة, ثم بدأ يتحدث عن أن قوات الاحتلال الدولية قد أصبحت قوات متعددة الجنسيات مهمتها حفظ السلام في العراق بموجب قرار مجلس الأمن 1546 الذي تحدَّث أيضًا عن العملية السياسية في العراق، وحيث سمح بإقامة نظام سياسي طائفي سيطر فيه الشيعة واستقل فيه الأكراد وانعزل فيه السنة.
وهكذا أصبحت المواقف العربية الرسمية عامةً دون أن تتعمَّق في صلب المشهد العراقي, ولا تصلح هذه الصيغ للحل العملي, وتجنب الموقف الرسمي دائمًا مناهضة المواقف الأمريكية, ولم يصرِّح الموقف العربي إلا بانتقاد الموقف الإيراني؛ ربما لأنه يتفق مع رغبة أمريكية, بل إن بعض المواقف الرسمية العربية تنتقد سوريا بسبب ما تسميه واشنطن تشجيعًا ومساندةً للإرهاب في العراق.
أما الرئيس بوش فيرى أنه حقَّق نصرًا مؤزرًا في العراق، وأنه سوف يستمر في محاربة الإرهاب في العراق؛ حتى لا يضطر إلى محاربته في المدن الأمريكية، ومن الواضح أن رأي الرئيس بوش يعني أن القوات الأمريكية سوف تستمر في العراق, على خلاف بعض مرشحي الرئاسة الأمريكية الذين أجمعوا على ضرورة الانسحاب من العراق لأسباب اقتصادية كما رأى أوباما, أو لأسباب تتصل بأسر الجنود كما رأت هيلاري كلينتون, أما المرشَّح الجمهوري ماكين فهو استمرار لسياسة بوش.
هذه الزوايا الثلاثة لم تستطع أن تحجب الحقائق التي تكشَّفت خلال السنوات الخمس الماضية في المشهد العراقي:
الحقيقة الأولى هي أن غزو العراق عدوان صريح على دولة مسالمة, ولا يوجد أي سند قانوني لهذا العدوان, كما أن كل المبررات "الأخلاقية" للغزو ليست قانونية, كما أنها تعكس قمة اللا أخلاقية.
الحقيقة الثانية أن الحملة على العراق كان تستهدف ضرب أكبر دولة عربية في المشرق العربي لدوافع صهيونية، وأيًّا كان الرأي في العراق وسياساته وتوجُّهات صدام حسين, فإن الغزو درس بليغ، يتعيَّن استخلاصه, وهو أن الاحتلال الوطني للحاكم العربي لشعبه وإغلاق فرص الحوار والحرية يغري المحتل الأجنبي في ثرواته والتلاعب في مصيره.
الحقيقة الثالثة هي أن كارثة العراق استهدفت وحدته الوطنية وثرواته، وسبَّبت مآسيَ للشعب؛ فأبادت الملايين وشرَّدتهم، وحوَّلت ربعه إلى لاجئين، يتكفَّفون الملجأ والعيش في بلادٍ كان العراق ملاذًا لمواطنيهم، مثل الأردن وسوريا ومصر بشكلٍ خاص.
الحقيقة الرابعة أن واشنطن قد أظهرت أن دعاوى الديمقراطية وحقوق الإنسان وكل المبادئ النبيلة التي ينادي بها الأمريكيون مجرد ذرائع في يد حكومتهم، تتلاعب بها، وتتاجر بشعاراتها، حتى ضيّعت قضية الحرية في العالم كله, وأهدرت كل حقوق الإنسان في بلاكواتر وأبو غريب, وتجاسرت واشنطن على كل مبادئ القانون الدولي.
الحقيقة الخامسة هي أن واشنطن جعلت العراق ساحةً لكل طوائف الإرهاب، وارتفع معدل الإرهاب بسبب سياسات مناهضة الإرهاب الأمريكية, وكان وقودها الشعب العراقي وأمنه وموارده، التي تعرَّضت لأكبر حملة نهب في التاريخ مثلما نُهِبت ثرواته الأثرية وذاكرته التاريخية.
الحقيقة السادسة هي أن واشنطن تسبَّبت في تزايد النفوذ الإيراني في العراق, وأصبحت الورقة العراقية وفق الأجندة الأمريكية والإيرانية وضد المصالح العراقية والعربية، تدعو كلاًّ إلى الانسحاب وترك العراق لصاحبه؛ وذلك كله في ضوء غياب عربي كامل وصراخ عربي وأنين ونواحٍ حول مستقبل العراق.
في ظل هذا الوضع المضطرب، والذي يرجع أساسًا إلى عددٍ من العوامل التي لا يمكن تجاهلها، ومن بينها الموقف العربي، تبدو صورة العراق بعد خمس سنوات بائسةً، كما تبدو الصورة الأمريكية في العراق والعالم كله بشعة, مثلما يبدو العراق ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية والعالمية من كل صوب.
ولعل هذه الصورة المؤلمة تدفع العالم العربي إلى أن يراجع موقفه بأمانة من العراق، وأن يكون له دور فاعل بعيدًا عن إيران وواشنطن؛ لأن تداخل واضطراب الرؤية العربية ومساندتها للخط الأمريكي كانت سببًا مباشرًا في الالتباس بين الحق والباطل، ما دام المصطلح الواحد يحمل دلالات مختلفة عند مستخدميه, أما إذا تُرك العراق فسوف تتناهشه مخالب إيران والولايات المتحدة, ولكنه لن يعود أبدًا عربيًّا موحَّدًا كما يريد الجميع في العالم العربي؛ ولذلك يجب أن تتوقف الحكومات العربية عن التعامل مع المشهد العراقي بدون رؤية واضحة تخدم هذا الهدف, وإلا استمر العالم العربي يُسهم بنفسه في نصرة المؤامرة ضد العراق.