محمد رجب سالم

 

أرأيتم جسدًا بلا روح، وشكلاً بلا مضمون، وبنيانًا بلا إنسان، وحجَّةً بلا برهان؟! إنها مؤتمرات القمة التي يلتقي فيها رؤساءُ الدول العربية وملوكها بصفة دورية أو شبه دورية، يلتقون وكأنهم دُمى تحركها أيدٍ خفية من وراء ستار.. لماذا يلتقون؟! وماذا يفعلون؟!

 

سؤالان يؤرِّقان كلَّ عربي من المحيط إلى الخليج، وباستقراء الواقع الأليم، وباستنطاق الحال الأسيف، تأتينا الإجابة: فأما لماذا يلتقون: فلحفظ ماء الوجه، إن كانت هناك بقية منه، ولتتناقل وسائل الإعلام العالمية أخبارهم وصورهم، وأما ماذا يفعلون؛ فلا شيء سوى أن يُلقوا خطبًا جوفاء فارغةً من أي مضمون، صفرًا من أي معنى، ثم تنفضّ اجتماعاتهم بعد أن يسجِّلوا توصياتٍ لا تعدو كونها حبرًا على ورق أو ورقًا عليه حبر، ومن ثم فإننا لا نجاوز الحقيقة قيد أنملة إذا قرَّرنا أن مؤتمرات القمة العربية ليست إلا قمم أبواق وأوراق.

 

إن ولاة الأمر في أمة العرب قد باتوا مأمورين بعد أن كانوا آمرين، وتابعين بعد أن كانوا متبوعين، إبان غابرهم المجيد، وماضيهم التليد، وأضحى مصير أمتهم في أيدي أعدائهم، وآلَ أمرُهم إلى غيرهم، بل صاروا كأيتام على مائدة لئام، حتى صدق فيهم قول الشاعر:

ويُقضى الأمر حين تغيب تيم       ولا يستأمرون وهم شهود

 

فمنذ نكبة فلسطين التي مضى عليها حتى الآن ستون عامًا، ومؤتمرات القمة تنعقد، ثم تنفضُّ ولا يزداد حال العرب إلا انكسارًا وبوارًا؛ حيث تم استكمال احتلال فلسطين في سنة 1967م، بالإضافة إلى احتلال أجزاء غالية من مصر وسوريا والأردن، ثم حلَّت طامَّة أخرى باحتلال العراق ونهب ثرواته، ثم امتدَّ السكين الصهيوأمريكي ليقطع أوصال السودان، فيفصل جنوبه عن شماله، ودارفوره عن خرطومه، ثم ها هي نار حارقة ماحقة، أُعِدَّ زيتُها وحطبُها لتحرق لبنان الأبي الصامد خلف المقاومة الإسلامية الباسلة لحزب الله.

 

إنها الفوضى الخلاَّقة التي تحدثت عنها، واتخذتها شعارًا ومنهجًا السيدة "كونداليزا رايس" مديرة مطبخ السياسة الأمريكية، فأين قادتنا الأشاوس من ذلك كله؟! وماذا صنعت مؤتمراتُهم لمقدساتِ الأمة التي تُداس، وحرماتِها التي تُنتَهَك، ودماء أبنائها التي تُسفَك، وأوصال دولها التي تقطَّع القطعة تلو الأخرى؛ كأغنامٍ تُقاد إلى سكين الجزَّار؟! حتى صدق فينا قول الشاعر السوري الراحل بدر الدين الحامد:

تتلاعب الأيدي بنا فكأننا   غنمٌ تقاد إلى شفار المجزر

لقد كبر الطغيان، وتفاقمت قوتُه، وقويت شوكتُه بفرقتنا نحن، وبتبعية ساستنا لأعدائنا، وقبولهم الضيم والمهانة لشعوبهم، وصدق فينا قول القائل:

لما ارتخى عنق الرجال         وأدمنوا ذل القيود

وتعودوا الصبر المهين         وأتقنوا لغة العبيد

كبر الطواغيت الصغار         وكافئونا بالمزيد

 

لقد بُحَّت أصواتنا نحن الشعوب، راجين حكامنا أن يتقوا الله فينا، وأن يوحِّدوا كلمتهم وصفَّهم، وأن يحشدوا قواهم لردِّ هذه الهجمة الشرسة التي تتعرَّض لها الأمةُ العربيةُ، وإلا كان الموت الزؤام، وعلى العرب السلام، ولكن لا حياةَ لمَن تنادي:

قد أجبت لو أسمعت حيًّا    ولكن لا حياة لمن تنادي

وإن نارًا نفخت بها أضاءت   لكن أنت تنفخ في رماد

 

آه لو أنَّ الساسةَ والقادة يُستأجرون كما يُستأجر حكَّام الكرة، لتحقيق الحيادية والعدل، لفعلت الشعوب العربية والإسلامية؛ علَّها تجد ولاءً مفقودًا، وانتماءً ضائعًا.

 

يا أصحاب الحقوق الضائعة، والدماء المسفوكة، والمقدَّسات المغصوبة: إن أعداءكم يمضون نحو أهدافهم بخطى ثابتة، وعزم لا يلين؛ وفقًا لخطة مرسومة مسبقًا، ومؤامرة أعدت سلفًا، يقول الزعيم الصهيوني "الفردموند": "إن اليوم الذي سيُعاد فيه بناء الهيكل أصبح قريبًا جدًّا، وإني سأقف حياتي على بناء هيكل سليمان في مكان المسجد الأقصى".

 

أيها القادة، الغافلون عن مكائد أعدائهم، المشغولون بكراسيهم وعروشهم عن مآسي الأمة وجراحها: لن يشفع لكم خضوعكم وتبعيتكم لأعداء دينكم وعروبتكم؛ فالسكين الصهيوأمريكي قد أُحِدَّ لجزِّ رقابكم، ولكن بعد أن تؤدوا أدواركم المرسومة لكم، وتعلموا أن أمن "إسرائيل" في العقيدة الصهيونية لن يتحقق إلا باحتلال دولكم وأوطانكم، وهاكم الدليل؛ يقول الزعيم الصهيوني نورمان بنتويش: "لا حاجةَ إلى أن تكون فلسطين المستقبل محدودة بحدودها التاريخية؛ ففي إمكان المدينة اليهودية الامتداد إلى جميع البلاد التي وعدوا بها في التوراة، وهي من البحر المتوسط حتى الفرات، ومن لبنان حتى نهر النيل.. هذه هي البلاد التي أُعطيت للشعب المختار".

 

وقد جعل البرلمان الإسرائيلي "الكنيست" شعاره: "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل".
أفيقوا يرحمكم الله قبل فوات الأوان، ونقص البنيان، وحلول الخسران.

-------

* داعية وكاتب إسلامي.