إذا رخُصت الأسعار، وتوفَّرت الثمار، وهطلت الأمطار، وسالت الأنهار، وأخصبت الديار، فإنَّ ذلك الخير قليلٌ إذا قيس بشيوع العدل بين الناس؛ ولذلك كان الصالحون يقولون "عدل السلطان أنفع من خصب الزمان"، بل إن العدل الذي أمر الله تعالي به، والذي تُصدَّر قاعاتِ المحاكم بالآية التي ذُكِر فيها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ (النحل: من الآية 90)، يكون سببًا مباشرًا في شيئين أساسيين يبحث الناس عنهما، الرخاء والأمن.
ورُوِيَ أن واليًا خرج يسير في رعيته متنكرًا، فنزل على رجلٍ له بقرةٌ تحلب قدر ثلاث بقرات، فتعجَّب، وحدثته نفسه بأخذها، فلمَّا كان من الغد، حلبت له النصف مما حلبت له بالأمس، فسأل الوالي صاحبَ البقرة: ما بال حلْبُها نقص؟، هل رعَتْ في غير مرعاها بالأمس؟، فقال الرجلُ لا، ولكن أظنُّ أنَّ والينا همَّ بأخذها، فنقص لبنُها، فإنَّ الراعي إذا ظلم، أو همَّ بالظلم ذهبت البركة.
إننا إنْ كنا نشكو من ارتفاع الأسعار، ونُدرة الثمار، وقلة الأعمال، وتدهور الأحوال، فيجب أن نشير للمظالم الأساسية التي هي سببٌ لكل ذلك، والتي يستطيع أولياء الأمور أن يقضوا عليها، لتعودَ الأحوال إلى التحسن والارتقاء؛ وذلك حتى لا نظلّ ندورُ في حلقاتٍ مفرغة، فنُلقي باللائمة على جشع التجار، وعلى تهريب الدقيق، وعلى غش الأسمدة، وعلى..، فنعزو هذه الأزمات إلى مظالمَ فرعية، هي نتائج وليست أسبابًا أصليةً.
إننا يجب أن نربطَ بوضوحٍ بين سوء الأحوال والمظالم الأساسية، مثل التزوير في الانتخابات، والتعيين في المناصب الكبرى لغير ذوي الكفاءات، وإهدار بعض أحكام القضاء، وتغيير القاضي الطبيعي كما يحدث في إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية، وغضِّ الطرف عن التجاوزات والتعديات غير المسئولة لبعض جهات الأمن، هل يُعقل أن تُختصرَ انتخابات المحليات في عملية الترشيح فقط؟!!.
نعم.. لقد تم السماح بتقديم أوراق الترشيح تقريبًا فقط لمَن انتخبوه هم، أو عيَّنوه في الحزب الوطني، وسوف يتمُّ انتخابه بالتزكية النزيهة، أما باقي المرشحين فقد استُبعدوا، لا بتزوير الانتخابات لا سمح الله، ولكن بمنعهم ابتداءً من تقديم أوراقهم من خلال مراحلَ سبعٍ ماكرة مبتكرة جديدة يتحملون هم أمام الله وزرها، ويسوقون ساعتها مبرراتها.. كلُّ هذه المظالم الرئيسية هي سببٌ رئيسيٌّ ومباشرٌ لما ينزل بالناس من غلاء وبلاء، وقد تكون، إن لم يُتدارك الأمر، سببًا مباشرًا في زوال مَن يقومون بهذه المظالم، ويُصِرُّون عليها.. فمن طال عدوانه زال سلطانه، فيا مَن تشاركون في هذه المظالم نُشفق والله عليكم من عاقبتها، في الدنيا ثم يوم يقوم الأشهاد، ونقول لكم ناصحين مشفقين.. جرِّبوا حلاوة العدل.. ولو مرة.. لتَسعَدوا بها، وتُسعِدوا بها، فإنَّ عدلَ السلطان والله أنفع من خصب الزمان.
---------------------