كان من سنَّة الله في خلقه أن خلقهم متفاوتين في درجات القوة والضعف، العلم والجهل، الحلم والغضب، الفقر والغنى، الإيمان والكفر.. إلخ من هذه الأمور التي يتفاوت فيها بنو البشر بين بعضهم.
وعليه فإن من طبيعة هذا التفاوت أن يحتويَ الفضاء الإعلامي، بغض النظر عن انتمائه العلماني أو الإسلامي، على عمالقة وعلى أقزام.
ونعني بالعمالقة هنا، قياسًا على واقعنا الفلسطيني، أولئك:
- العمالقة الذين يتبنَّون ويتقنون مفردات خطاب يجمع ويوحِّد، ويتخلَّص من ضيق المحلية وينطلق نحو العالمية، التي هي من أهم صفات رسالة الإسلام، وبما أن قضية فلسطين هي بالإساس قضية مسرى رسول الإسلام، رسول العالمين، فكان لا بد للعمالقة أن يتقنوا هذه اللغة العالمية لتبصير أمة الإسلام بقضيتهم الأولى وواجبهم تجاهها.
- العمالقة الذين يترفَّعون عن المناكفات مع الآخرين حول تفاصيل الجزئيات المَقيتة لصالح مفردات خطاب آخر يمثل المشروع الإسلامي الطموح الذي بدأت أولى خطواته الحركةُ الإسلاميةُ من منطلق وعيها بأولوية الدور الإعلامي في قضية الأمة الأولى؛ انطلاقًا من أن الأمة العربية والإسلامية أمة المسرى هي من أكبر الأمم التي تنتشر على مساحة عملاقةٍ وغنيةٍ من الأرض، فكان لا بد من امتلاك منابر فضائية توصل رسالة أرض وشعب المسرى إلى هذه الأمة.
- العمالقة الذين يعتمدون خطابًا يوحِّد جهود الأمة، ويستغل طاقاتها الهائلة ويصهرها لتصب في بوتقة الهدف الإسلامي الكبير المتمثِّل في التغلب على المشروع الصهيوني الماكر الذي انطلق في نهاية القرن الثامن عشر لمحاربة أمة الإسلام باحتلال مسرى نبيهم صلى الله عليه وسلم.
- العمالقة الذين نجحوا- وعلى مدار سنوات طويلة- في تحقيق كمٍّ هائل من الإنجازات والقفزات الإعلامية الكبيرة على صعيد الإعلام الفضائي والمرئي، فضلاً عن الإعلام المطبوع، كالصحف والنشريات بمختلف مسمياتها وجهات التعبير عنها، ناهيك عن امتلاك ناصية الإعلام الإلكتروني وتوظيفه ليصب في النهر الإسلامي الكبير الذي يتعاظم يومًا بعد يوم باتجاه جرف بيت العنكبوت الصهيوني وأذنابهم وأدواتهم في أرض فلسطين.
- العمالقة الذين يحاولون بكدٍّ وأناةٍ تكملةَ البناء الإعلامي أفقيًّا وعموديًّا، وخوض جميع الميادين الإعلامية، مستغلين المكانة العظيمة التي باتت تتبوَّأها الحركة الإسلامية كرأس حربة المشروع التحرري النهضوي، ليس لفلسطين ولكن للأمة جمعاء.
- العمالقة الذين يسجِّلون نجاحات مهمة في معركة استفزاز احتياطي الإمكانيات والقدرات للذهاب بها إلى أقصى حد ممكن لوضع الإعلام الإسلامي المقاوم في الخنادق المتقدِّمة للدفاع والهجوم؛ ليس لتسجيل النقاط في مرمى العدو فقط، ولكن نحو تحقيق الضربة القاضية.
- العمالقة الذين يبرعون في تسويق الخطاب السياسي الفلسطيني برؤيته ومرجعيته الإسلامية عبر الخطاب الإعلامي القادر على محاكاة المرحلة الجديدة والمهمة من تاريخ الحركة الإسلامية وتاريخ الشعب الفلسطيني.. المرحلة التي بدأت تزويها كلُّ المنابر العلمانية مهما اختلفت مسمياتها- مع الاحترام لكل نضالاتها- لصالح المنبر الإسلامي الفطري الذي يحاكي سنن الله في كونه وخلقه.
- العمالقة الذين باتوا يتقنون التحدث باللغة التي يرتاح لها المواطن الفلسطيني محليًّا في الداخل والخارج، والعربي والإسلامي في كافة أماكن وجوده؛ الأمر الذي يفرض على هؤلاء العمالقة مراعاة فلسطينيي الشتات واللجوء كشريحةٍ باتت هي الأكبر عددًا والأكثر إمكانيات وطاقات، والأشد شوقًا وحماسةً للعمل والتضحية والإبداع، لجهة زرع الولاء والمحبة في قلوبهم كما في قلوب العرب والمسلمين وشدهم نحو إنجاح المشروع الإسلامي الذي تتبنَّاه الحركة الإسلامية وتحمله.
- العمالقة الذين نجحوا في نسج خطاب إعلامي يشرح القضية الفلسطينية بأدوات فكرية وثقافية عالمية وليس محليةً فقط، ويخاطب العالم باللغة التي يعرفها ويفهمها، مع الاحتفاظ بالثوابت وعدم المداهنة أو النفاق أو المجاملة على حساب الحقوق والثوابت الوطنية والشرعية.
- العمالقة الذين يتميَّز خطابهم بالمصداقية، وينقلون الصورة الحقيقية للأوضاع التي تعيشها الأراضي الفلسطينية بموضوعيةٍ سهلةِ الاستيعاب من شعبنا الفلسطيني والعالم لجهة تفهُّمها وتقبُّلها في سياق الصراع مع الاحتلال الصهيوني الغاشم الذي يمارس أبشع وأشد أنواع القمع والإرهاب ضد الشعب وفي سياق المخطط الأمريكي الذي يقوم على الفوضى الخلاَّقة وإشعال النزاعات الداخلية.
- العمالقة الذين يوجِّهون الخطاب إلى الشعب الفلسطيني كله بعيدًا عن الفئوية الضيقة والهادف إلى توحيد المواقف والجهود لمواجهة الاحتلال وشركائه.. الخطاب الذي يساعد على إقناع الشعب والعالم بمواقف الحركة الإسلامية كحركة مقاومة هدفها التحرير وليس الحكم والاستئثار، وإقناعهم ببرنامجها السياسي بطريقة علمية مدروسة غير تصادمية تقوم على المنطق والبراهين وبلغة يفهمها الجميع، وإقناعهم بأن المعركة الحقيقية هي بين الشعب الفلسطيني بكل مكوناته وبين الاحتلال ورعاته الغربيين وأذنابهم.
- العمالقة الذين يركِّزون على دور المقاومة الإسلامية في التصدي للمخططات الصهيونية التي تستهدف وجود أمتنا وتمكين كيان الاحتلال من مدِّ أذرعه المدمِّرة إلى قلب العواصم العربية والإسلامية؛ بهدف إقامة علاقات طبيعية مع الأنظمة، فيسهل على الغرب تحقيق أطماعه في إذابة الثقافة الإسلامية وطمس هويتها الإسلامية، وبالتالي القضاء على كيان الأمة الإسلامية.
- العمالقة الذين يستفزون الحركات الإسلامية السياسية والجهادية واسعة الانتشار لجهة تحمُّل مسئوليتها تجاه القضية الفلسطينية والمقدسات الإسلامية، لجهة إخراجهم من التيه في تفاصيل صراعاتهم الجانبية لجهة الانخراط في جبهة الصراع المفتوحة بين الغرب والصهاينة، وبين الإسلام والمسلمين، والتي يمثل مسرى نبينا ساحتها الأبرز.
- العمالقة الذين يستحثون الجهود ويفجِّرون الطاقات ويستلهمون إبداعات الشباب المسلم في فلسطين وفي كل مكان، ويفتح أمامهم آفاقًا جادَّةً وجديدةً لمواجهة العدو الصهيوني الذي يتربَّص بأمتنا في سياق الصراع الحضاري الراهن بين الأمة الإسلامية والغرب المتغطرس.
إلا أن هؤلاء العمالقة- وعلى كبر مسئولياتهم وعظيم جهدهم وحاجة الأمة الماسة إليهم- نراهم قلةً، ولا تراهم يجمعهم كيان أو مؤسسة، أو ينخرطون كلٌّ في موقعه في تنفيذ إستراتيجية واضحة ترعاها جبهة عالمية، بل تراهم موزَّعين على المؤسسات والمراكز التي ينطلق منها العمل الإسلامي الإعلامي وغير الإعلامي، يطلقون العنان لجهودهم الفردية لتثمر وتزدهر في حقل العمل الإسلامي، تاركين لبعض الأقزام الذين واتتهم الفرص تبوُّءَ مراكز قيادية في طليعة العمل الإسلامي والإعلامي؛ الأمر الذي بات يشكل عقبة إضافية أمام هؤلاء العمالقة في تنفيذ رؤيتهم العالمية الشمولية الواسعة.
ومواصفات هؤلاء الأقزام في ساحتنا الفلسطينية على الأقل باتت لا تخفى على أحد..
- فهم يمتلكون ناصية بعض المواقع الفضائية والإلكترونية، والنشريات المطبوعة كالصحف والمجلات ويقبعون في زوايا بعض الفضائيات والمرئيات، وقد حباهم الله عقولاً قاصرةً وأفهامًا عاجزةً، ويتميَّزون بقصر النظر وطول اللسان، ويصرون على النظر إلى الأمور- كل الأمور- عبر نظارة حزبيَّتهم وفئويَّتهم.
- هم أقزام تعساء، وبأفكارهم السوداء يطعنون نزاهة أهدافهم، ويهدرون بريق شرف رسالتهم، ويلطِّخون سموَّ غاياتهم، ويقبِّحون جمال صورتهم.
- وهم أقزام يستغلون طهر مواقعهم على مختلف ألوانها لبثِّ بذور الفتنة والتأليب والتحريض لدرجةٍ هدَّدت أهدافهم الشخصية الصغيرة.
- أقزام باتوا لا يميِّزون كثيرًا بين الجاني والمجني عليه، بين الجلاد والضحية، ويضعون من يحاول وضعهم وجهًا لوجه مع قصورهم ومثالبهم على القوائم السوداء المحظور نشر إبداعاتهم الإعلامية على مختلف أشكالها، بغض النظر عن كونها تدافع باستماتة عن الأهداف التي تبوَّءوا مناصبهم للدفاع عنها.
- هم أقزام يستفزُّهم ويزعجهم إيقاظ العدالة المستغرقة في سباتها؛ خوفًا على امتيازاتهم.
- أقزام يبهر أبصارَهم الكفيفة نورُ الرسالة الإعلامية الواعية، ويصنِّفون أصحابها في خانة الطرف الآخر حتى ولو كانوا من الرواحل في حمل أمانة المشرع الإسلامي.
- أقزام توخزهم الكلمات، وتوجعهم الحقيقة، وتعريهم الوقائع البسيطة، وتفضحهم الأدلة المنشورة، وتبدِّد أوهامهم شمس الخلاص القريب من الذين يشوِّهون الغايات والأهداف السامية بوسائلهم الرخيصة.
- أقزام يتحسَّبون للشمس التي لم تشرق، وللقمر الذي لم يكتمل، كما يتحسبون للحلم الذي لم يتحقَّق، وللأمل الذي لم يصل إلى غايته؛ فجميع ما سبق يهدِّد لديهم وسائلَ وغاياتٍ باتت تخنقها الوظيفة التي يشغلون.
- أقزام لا يعيرون أدنى اهتمام للشرف المذبوح ولا للدم المسفوح، لا للحقيقة العارية ولا للأدلة الساطعة؛ ربما لأنها كانت في الزمان الخطأ أو في المكان الخطأ، وربما في المجال الخطأ؛ فهم يعتبرون أن هذا مكانهم ومجالهم وزمانهم زمان الأقزام أمثالهم.
---------------
* صحفي وباحث سياسي