اشتدت أزمة الخبز في مصر لدرجة غير مسبوقة حتى أصبحت قضية- بل فضيحة- يتندر بها العالم كله، وأصبحت مادةً للجدل والحوار في القنوات الإخبارية العالمية وعلى صفحات الحوادث ومانشيتات الصحف التي تمتلئ بقصص وأخبار ضحايا طابور الخبز، وهي آخر إنجازات الحكومة وحزبها الوطني الديمقراطي من أصحاب الفكر الجديد الذين وضعوا "نيولوك جديد" لحياة وموت المواطن المصري أكثر إثارةٍ من حياته ومماته التقليدية.
فبعد مسلسل تصادم السيارات والحافلات وانهيار العمارات وحرائق القطارات، وغرق العبارات وسقوط الطائرات، جاء الفكرُ الجديدُ ليجعل المواطن المصري يقضي يومه منذ الفجر في طابور العيش، فمن يعش ينهي يومه منهكًا فكريًّا وجسديًّا فلا يستطيع أن يُطالب بأي شيء بعد ذلك، ولا أن يُفكر في أي حقٍّ من حقوقه الضائعة.. بل يُفكِّر في كيف سيحصل على رغيفِ خبزِ اليوم التالي- وهل سيعود إلى أولاده أم لا؟!!.
ومَن يمت يموت بطعنةِ سكين أو طلقة مسدس أو قنبلة مولوتوف أو بأزمة قلبية- كمدًا على ما وصلت إليه أحوال البلاد- وقد سقط حتى الآن خمسة عشر مواطنًا صرعى وشهداء في طوابير الخبز والعدد في تزايد.
وحين وصلت الأزمة إلى هذا الحد انطلق الفكر الجديد- محاولاً حل الأزمة- فإذا بعبقرينو الحزب والحكومة يقرر الآتي:
1- أن تقوم القوات المسلحة الباسلة- جهاز الخدمة الوطنية- بإنتاج وتوزيع الخبز.
2- تكليف جهاز الشرطة في أسيوط بالإشراف على توزيع الخبز.
حيث نشرت الصحف أن المواطن في أسيوط سيحصل على كوبونات بعدد 8 أرغفة يوميًّا يُوقَّع عليها صاحب الفرن الذي يتم الصرف منه ثم يذهب المواطن بالكوبون المُوقَّع عليه من المخبز لقسم الشرطة للإقرار بالاستلام، وكأنه مطلوب من المواطن- في عهد الفكر الجديد- أن يقضي يومه بين الأفران وقسم الشرطة في حالة تسليم وتسلم وحتى لا يذهب الدعم لغير مستحقيه؛ حيث سيعامل المواطن أو رغيف الخبز- أو كلاهما لا أدري- معاملة "المسجل خطر" والموضوع تحت رقابة الشرطة.
* قراءة في خبر نشرته صحيفة قومية تبشر به المواطنين
وبعد أن وصلت الأمور لهذا الحد من العجز والفشل غير المسبوق، وبعد قرارات عبقرينو الحكومة والحزب الوطني تبشرنا جريدة قومية بخبر باللون الأحمر: المحافظون بدءوا التصدي لطوابير الخبز والمطلوب أن تلهج ألسنةُ الشعب المصري بالشكر والتقدير للسيد عبقرينو الذي تذكر فجأةً أن هناك محافظين وأنهم بدءوا والحمد لله في التصدي لطوابير الخبز ويكتمل الخبر بقوله: بدأ المحافظون في التصدي لطوابير الخبز تنفيذًا لتعليمات د. أحمد نظيف رئيس الوزراء بإطلاق يد المحافظين في تنفيذ قرار فصل إنتاج الخبز عن توزيعه. الله أكبر.. اللهم لك الحمد والشكر. أخيرًا إطلاق يد المحافظين بعد أن كانت مغلولةً- الحمد لله- شدي حيلك يا بلد طوابير الخبز انتهت.
وفعلاً بدأت تصريحات السادة المحافظين- فورًا وبعد إطلاق يدهم التي كانت مغلولةً- "علشان مصر تتقدم بينا" فكانت هذه التصريحات والقرارات:
في الدقهلية تم تخصيص ثلاثمائة ألف جنيه كقروضٍ لشباب الخريجين لشراء تريسكلات لتوصيل الخبز إلى المنازل!! (وكأن المشكلةَ كانت في المواصلات أو أن المخابز في أماكن بعيدة عن المواطنين وستكون المشكلة في التريسكلات التي ستصادرها الحكومة كما فعلت في التوك توك والمُدْرَج في برنامج الرئيس الانتخابي- وما زال المواطنون يلطمون الخدود).
في الإسماعيلية استمرت ظاهرة الطوابير واتهم مدير عام التموين بالمحافظة المواطنين بعدم الوعي!!
(الناس هي اللي مش عارفة تاكل.. هذا هو الفكر الجديد بصحيح ثم كيف سنطبق شعار بلادنا ببتقدم بينا وإحنا بناكل عيش فقط ولا نأكل لحمًا ولا سمكًا ولا كفيار ولا جاتوه- هذا تخلف وليس تقدمًا).
وفي دمياط قرر المحافظ د. محمد البرادعي تخصيص مفتش تموين لكل مخبز ووقف أي مفتش يثبت تواطؤه.. (تسلم قراراتك يا برادعي بيه، يا ريت تعمل مراقبة زي المراقبة النووية بتاعة زميلك البرادعي إياه، يعني مراقبة نووية على مفتشي التموين كاميرات وأجهزة، واللي يخالف اشتكيه لأمريكا أو لمجلس الأمن يفرض عليه عقوبات رادعة).
في قنا قرر المحافظ مجدي أيوب إنشاء 7 مخابز جديدة، (أهيه دي القرارات بصحيح، مخابز جديدة لتوفير الخبز للمواطنين على شرط أن يتم توفير حصة إضافية جديدة لها وليس إعادة توزيع الحصص الموجودة أصلاً، وتوفيرها من خلال الانتقاص من الأفران الحالية عن طريق توقيع جزاءات عليها كما حدث في الإسكندرية، وهوه ده الفكر الجديد بصحيح!!.
في الشرقية قرر المحافظ يحيي عبد المجيد أن يكون الحد الأقصى لكل مواطن 2 جنيه خبز، الشرقية بلد الكرم والجود، الشرقية المضيافة، انتهى بها عبقرينو إلى حد أقصى 2 جنيه للمواطن، للفرد أم للأسرة؟ لا أدري كيف سيطبق القرار؟!.
في السويس تقرر إنشاء مائة وخمسين كشكًا في أماكن التجمعات السكنية لتوزيع الخبز، يعني الزحام سينتقل من أمام الأفران إلى أمام الأكشاك، وسينتهي الأمر إلى تدميرها أو حرقها في إحدى ثورات المواطنين المنتظرة، لا يا عبقرينو لا، مستواك هبط جدًّا في السويس، لو سألت محجوب الإسكندرية لعرفت أنها كانت تجربة فاشلة؛ حيث تم إزالة الأكشاك بعد أن أصبحت مأوى لتجار المخدرات وغيرها من الأعمال المنافية للآداب وتجمع للفئران والحشرات، بالإضافةِ إلى إشغالات الطريق وشكلها غير الحضاري.
في المنوفية أصدر حسن حميدة محافظ المنوفية قرارًا بوضع تسعيرة 2.5 جنيه لتوصيل 5 أرغفة، و3.5 جنيه لتوصيل من 6-10 أرغفة و7 جنيهات من 11-15 رغيفًا و9 جنيهات لتوصيل من 16-20 رغيفًا، هوه ده عبقرينو بصحيح فكر جديد ورايق لم يسبقه أحد لهذه الفكرة اشتراك شهري يتم تحديد رسومه وفقًا لعدد الأرغفة المطلوبة- معقول جدًّا- ماذا لو أراد المواطن الانتقال من شريحة إلى أخرى، هل هذا متاح أم سيكون الربط نهائيًّا؟ وماذا لو تغيب المندوب لأي عذرٍ كان؟ وماذا لو لم يحتج المشترك خبزًا في هذا اليوم؟ وماذا لو احتاج زيادة لطارئ عنده في يومٍ آخر؟.
في كفر الشيخ اكتفى المحافظ اللواء صلاح سلامة بالقول إن كفر الشيخ هي التي بدأت تنفيذ التجربة.
إذًا هناك نزاع على صاحب الملكية الفكرية لتجربة المنوفية، ويبدو أنها ناجحة لذلك سنرى لها ألف أب، والشاطر هو الذي يسرع بتسجيل الفكرة في أكاديمية البحث العلمي لتنسب رسميًّا إليه الملكية الفكرية للتجربة، أو يسجلها في موسوعة جينيز للأرقام القياسية!
في بورسعيد قرر المحافظ مصطفى كامل مصادرة الخبز المدعم الذي يقوم الزائرون بشراء كميات تجارية منه لبيعه خارج بورسعيد، يا خبر أسود.. الناس بتزور بورسعيد الباسلة المدينة الحرة للتزود بالخبز.. جديدة فعلاً، يعني زوار بورسعيد سيتم تفتيشهم جمركيًّا وعلى العيش قبل المشتروات وستتم مصادرة أي رغيف خبز حتى لو كان ساندويتش فول.
الفكر الجديد في بورسعيد بعد أن خرب المدينة تجاريًّا قرر أن يقعد على تلها أقصد جماركها لمصادرة أي رغيف خبز منعًا لتهريب الرغيف لغير مستحقيه.. يدفعنا هذا للتنبيه إذْ كيف يترك عبقرينو، مطار القاهرة وبقية المنافذ الجمركية؟ لماذا لا يتم تفتيش المغادرين تفتيشًا دقيقًا بحثًا عن أرغفةٍ مهربةٍ مع السائحين أو المصريين- سبق للرئيس السادات معايرة بعضهم بأنهم يأخذون معهم في رحلاتهم للخارج كل شيء حتى العيش- لذا يجب وضع أجهزة دقيقة وحساسة لكشف محاولات تهريب الرغيف للخارج وأيضًا العجين لا يجب أن نسمح بتهريب العجين للخارج! على عبقرينو والحكومة أن يأخذوا بالهم من العجين، مهم جدًّا لسد كل منافذ التهريب والاحتيال!.
في الوادي الجديد قرر المحافظ أحمد مختار إنشاء أكشاك بجوار كل مخبز على أن تعمل بها فتيات،- لا حول ولا قوة إلا بالله- الأزمة وصلت إلى الوادي الجديد وعبقرينو فشل في حلها، العملية وسعت جدًّا وقد استغل عبقرينو هذه الفرصة للعناية بالمرأة في الوادي الجديد وتعليمها خبرات جديدة، بائعة خبز مدعم؛ خاصةً ونحن نحتفل بيوم المرأة العالمي، لكن عبقرينو لم يُفكِّر كيف يرد كرامتها التي تمَّ إهدارها في حلوان أثناء افتتاح سيدة مصر الأولى لأحد قصور الثقافة وكسرت في الزيارة أنوف وأيادي وأرجل المرأة المصرية وأطفالها- ولم يواسهن أحد للأسف الشديد.
ما رأيك سيد عبقرينو أن نجعل هذا اليوم، يوم الاعتداء على نساء حلوان، يومًا للمرأة المصرية تخرج فيه لتعبر عن رفضها للقهر والإهانة والبطش والظلم والفساد والاستبداد؟!.
في الغردقة قرر المحافظ بكر الرشيدي توصيل الخبز إلى موظفي الحكومة في أماكن عملهم: آه ولد بصحيح، عرف من أين تؤكل الكتف، هوه ده عبقرينو ولا بلاش، وأعتقد أنه سيتم تسليم كل موظف خبزه مع إمضاء الانصراف- أفضل من الحضور- ومَن سيتأخر في الحضور صباحًا سيتم خصم عددٍ معين من الأرغفة وفقًا لمدة تأخيره، وستصرف الحوافز والمكافآت عيش ناشف أو مُحَسن والغياب بدون عذر يتم خصم حصته.
إلى هذا الحد بلغت أزمة الخبز في مصر المحروسة بالحزب الوطني وقوانين الطوارئ والإرهاب؟!!.
أزمة رغيف الخبز في مصر محتدة، تشتد يومًا يعد يوم، حتى عمَّت جميع محافظات الجمهورية من مطروح والوادي الجديد حتى قنا وأسوان وحلايب والشلاتين ثم يجيء عبقرينو الحزب الوطني ليعهد بإنتاج وتوزيع الخبز للقوات المسلحة؛ مما يعني فشل الحكومة نهائيًّا في حل أزمة الخبز، ورغم ذلك لم تُفكِّر الحكومة في تقديمِ استقالتها وأن ترحل!.
اشتدت الأزمة حتى وصلت إلى المدن الجامعية والمطلوب أن يترك الطلاب جامعاتهم ومحاضراتهم ومعاملهم ليقفوا في طابور الخبز.
المكان الوحيد الذي لم نسمع عن نقص الخبز فيه، بالنسبة للشعب والمواطنين المطحونين، هي السجون والمعتقلات، فالشكر كل الشكر للداخلية وأجهزتها التي وفَّرت الخبز للسجناء والمعتقلين (هذه ليست دعوة لدخول السجن لأي سببٍ حتى لو كان لتوفير رغيف الخبز).
اشتدت الأزمة فعهد عبقرينو الحكومة وحزبها الوطني لجهاز الشرطة لمراقبة توزيع الخبز، وكأنَّ الشرطةَ نجحت في مراقبة ومنع توزيع المخدرات فعهدت إليها بمهمةٍ أخرى وهي مراقبة الرغيف أو المواطن أو كليهما رقابة المجرمين الخارجين من السجون والمعتقلات والمفروض عليهم رقابة شرطية، وهو أيضًا إعلان فشل، ورغم ذلك لم تُفكِّر الحكومة في تقديم استقالتها وأن ترحل.
أخيرًا.. أليس غريبًا بعد كل هذه المعاناة والفضائح من عجزِ الحكومة وحزبها عن توفير أدنى متطلبات المواطن اليومية أن يفوز الحزب الوطني بانتخابات المحليات وباكتساح؟!.
لن يهدأ لي بال حتى أعرف مَن هو عبقرينو الحكومة وحزبها الوطني الديمقراطي، وهناك مكافأة سخية لمَن يعرفه ويدلني عليه.
-----------------------
* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين