ما هي المعايير التي يجب الاحتكام إليها لتقييم القمم العربية ومن بينها قمة دمشق؟ هناك عدد من الحقائق المحيطة بالقمم العربية يجب أن تكون في حسبان المراقب والباحث في وضع معايير النجاح والفشل لهذه القمم:
- الحقيقة الأولى هي أن الدولة المضيفة مبدئيًّا لا تتحمَّل فشل القمة المعقودة فيها إلا إذا كانت هذه الدولة قد تسبَّبت بسلوكها في فشل القمة، وعلى امتداد ستين عامًا لم يحدث أن ارتبط عقد القمة في دولة بمواقف هذه الدولة وسياساتها، لكن على الجانب الآخر يمكن أن يكون للدولة المضيفة ثقلٌ ودورٌ يساعد في إنجاح القمة.
معنى ذلك أن سوريا ليست مسئولةً عن فشل القمة وفقًا لأي معيار إلا بالقدر الذي تكون هي مسئولة عن هذا الفشل، ولا يخفى أن سوريا تعرَّضت منذ البداية لضغوط حتى توعز إلى حلفائها في لبنان بأن يتسم موقفهم الداخلي بالمرونة حتى يشجِّع ذلك بعض الدول على حضور القمة, وقد أسمت سوريا ذلك ابتزازًا غير مقبول ومقايضة ملف بأكمله على حساب سوريا مجاملة لسوريا بالحضور, وهو لا شك ثمن بخس، والنتيجة التي نؤكد عليها في هذا المقام هو ضرورة الفصل بين القمة كساحة لبحث الملفات وبين سياسات الدولة المضيفة, وينحصر واجبها في حسن الضيافة وتسهيل أعمال القمة الإدارية والفنية والدبلوماسية.
- الحقيقة الثانية هي أن ترتيب جدول الأعمال يجب أن يتحدَّد وفق الأولويات الحقيقية وليس وفق المناورات السياسية، ولا شك أن الملف الفلسطيني يسبق كل الملفات لأسباب عديدة؛ منها أن الإبادة مستمرة، صحيح أن القمة لن توقف الإبادة, ولكنها على الأقل يمكن أن تسجِّل قلق العالم العربي, وهذا أمرُ تدخله "إسرائيل" في حساباتها بشكل ما؛ فهي تتمنَّى لو أغفلت القمة القضية تمامًا وجعلت اهتمامها الوحيد هو الملف اللبناني حتى يمثل ضغطًا على سوريا, وأظن أن الحسابات "الإسرائيلية" تلتقي في النتيجة- وبالصدفة- مع بعض الحسابات العربية، من ناحية أخرى لا يجوز أن تشعر سوريا بأية غضاضة إذا أصرَّت دول أخرى على دفع الملف اللبناني إلى الصدارة.
- الحقيقة الثالثة هي أن مستوى التمثيل لا شك أحد معايير النجاح والفشل، ولكن الأهم أن تنعقد القمة حسبما تقرر في الميثاق، صحيحٌ أن مستوى التمثيل في كل القمم السابقة لم يكن نموذجيًّا، ولكن في حالة سوريا يمكن أن يتم الربط بين مستوى التمثيل وموقف الدولة المشاركة من سوريا، وأظن أن إقبال العالم العربي على قمة دمشق يمكن أن يحقِّق لدى سوريا ما تطمح إليه السعودية ومصر؛ حيث تأمل الدولتان أن تنصح سوريا معارضةَ لبنان بالمرونة في تسوية الأزمة الداخلية، ولا سيما إذا بدأت مصر والسعودية بنصيحة فريق الموالاة من جانبهما بنفس النصيحة.
وفي هذه الحالة تحقق قمة دمشق ما لا تحقِّقه أية قمم أخرى؛ لأن هذا المنهج يمكن أن يُزيل لدى سوريا الشعور بأن واشنطن تضغط عليها بالدول العربية الرئيسية، وتستطيع عزلها ما لم تستجب للإملاءات الأمريكية.
أما في الصيغة المقترحة, فإن الهدف المشترك بين العرب وسوريا وإيران وأمريكا وهو تجنُّب تدهور الأوضاع في لبنان، سوف يتحقَّق دون أن تضطر سوريا إلى تقديم هذا الجهد تنازلاً في إطار الحسابات الأمريكية.
- الحقيقة الرابعة هي أن انفراج الموقف في قمة دمشق بما ينقله إلى لبنان سوف يحقِّق ميزةً كبرى للمصالح العربية، وهي تعزيز جبهة التوافق بين أبناء الشعب اللبناني وانطلاق لبنان لدور جديد مطلوب؛ فيصبح عونًا للصف العربي بدل أن يظلَّ عبئًا عليه, وتنتقل لبنان من رجل العالم العربي المريض إلى مرحلة التعافي والصحة، وهذا المناخ سوف يشجِّع حتمًا على التوافق في فلسطين، وسوف يُعيد النظام العربي حتى يقوى على معالجة المأساة في العراق.