د. ممدوح المنير

 

مع غلق باب الترشيح للمحليات، ونجاح النظام في الإقصاء الكلي للمعارضة، وعلى رأسهم مرشَّحو الإخوان، مستخدمًا كافة الوسائل القذرة التي أتوقَّع أن يقدم الشيطان نفسه استقالته بعد أن أصبح موقفه حرجًا من تدنِّي مستواه أمام أبالسة وشياطين النظام المصري!.

 

ذكَّرني ذلك بمشهد زعيم العصابة (الباشا) في السينما المصرية، وهو جالس خلف مكتبه، وظهره للكاميرا، ويمسك سماعة الهاتف بيده اليمنى والسيجار الفاخر الذي يتصاعد منه الدخان في يده اليسرى بينما المكتب يلفه الظلام في مشهد يبعث الغموض والرهبة وصوت صبي الباشا يأتيه عبر سماعة الهاتف، وهو يقول للباشا: "ألف مبروك يا باشا، مفيش حدّ من الإخوان عرف يترشَّح، كله تمام يا باشا، كله من بركة سعادتك، المهم عندنا رضاك يا باشا"!!، ويضحك الباشا ضحكاته الساخرة؛ انتشاءً بالفوز الرخيص الذي حقَّقه على شعبه، ثم يظهر الباشا أمامك في الصباح وهو يوزِّع ابتساماته هنا وهناك ويمنِّيك بالسمن والعسل، ويبشرك بأزهى عصور الديمقراطية!!.

 

إن المهزلة التي حدثت دليل على أن النظام المصري يسير إلى الهاوية، بل هو بالفعل على وشك السقوط فيها، أفهم أن هناك فئةً تعشق السلطة والمال إلى حدِّ الشبق، لذا فهي تستأثر لنفسها بكل شيء، وتُلقي لنا الفتات، ولكن ما لا أفهمه أن ينجحوا في جعل كافة مؤسسات الدولة (الموظفين، الأمن،..) عبيدًا لهم أو رافعي الشعار المقيت "أنا عبد المأمور"، وليس عبد الله!.

 

مم تخاف الأجهزة التنفيذية التي شاركت في هذه الكارثة؟! تخاف بطش السلطان من اعتقال وتضييق في الأرزاق؟! ألا تعرف هذه الأجهزة أن الجرم الذي ارتكبوه وشاركوا فيها بالسكوت أو الفعل ستنزل عليهم لعناته، بل اللعنات نزلت بالفعل؛ ستجد في بيت كل واحد منهم مريضًا بالكبد أو فيروس سي أو السرطان أو السكر أو الضغط!، أيهما أفضل لك: أن تصاب بالسرطان أو تُعتقل شهرين في أسوأ الظروف، عادةً لا يحدث، ولا تشارك في هذه الجريمة النكراء؟!

 

ما المتوقَّع مما حدث ويحدث وسيحدث؟!

1- سيزداد حجم الفساد في المحليات بشكل غير مسبوق مع انهيار كلي لكافة مرافق الدولة التي تحت سيطرتهم.

 

2- استمرار مسلسل نهب المال العام.

 

3- اليأس من التغيير لدى عامة الشعب؛ مما يسبِّب ارتفاع معدل الاحتقان العام، مع وجود آلاف المواطنين لا يجدون متنفَّسًا للتعبير عن آرائهم وتوظيف لطاقاتهم.

 

4- انفلات الأسعار بشكل جنوني، ولا أقول ارتفاعها، مما يجعل تناول وجبة الفول التي كنا نتندَّر بكونها طعامَ الفقراء، تصبح نوعًا من الرفاهية التي لا تطمح إليها أحلامهم!!.

 

5- تصاعد وتيرة الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات وتحوُّلها من مطالبات جزئية مثل لقمة العيش إلى مطالب حيوية؛ كالديمقراطية والحرية، ومن الطبقات الفقيرة إلى الطبقات المتوسطة بل فوق المتوسطة كذلك.

 

6- كسر الرهبة من قوات الأمن، وهذا بالطبع أمر يشكر عليه؛ حيث إن النظام بغبائه الشديد جعل وجود قوات قمعِه الأمنية تحت عين المواطن ليل نهار؛ ظنًّا منه أن هذا كافٍ لإخافته، ولكن الذي حدث بالفعل أن المواطن تعوَّد عليها وأصبح يتعامل معها على أنها جزءٌ من روتين حياته اليومي، وبالتالي انكسرت حدَّة الرهبة منها، وعندما تحدُث لحظة الانفجار من شعب جائع ساخط، معتلٍّ بالأمراض، لن يخاف حينها من قوات الأمن، ولن تنفع حينها خراطيم المياه والهراوات في إيقاف غضبه.

 

7- تزايد معدلات العنف والإرهاب ضد الدولة؛ نتيجة حالة الإحباط العام وشعور بالظلم والقهر من نظام تعفَّن حتى أوشك على التحلُّل.

 

8- انهيار سمعة مصر داخليًّا وخارجيًّا؛ نتيجة الفضائح التي لا يتوقف النظام عن ارتكابها ليل نهار.

 

9- تحوُّل مصر إلى دولة طاردة للاستثمار، وبالتالي تراجع معدلات النمو المتراجعة أصلاً!!.
هل هذا ما يريده النظام؟ هل هذا ما يريد أذناب النظام وذيوله؟ غاية ما أقوله لأمثالهم: إن ظننتم أنكم في مأمن الآن فأذكِّركم بقوله تعالى ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾ (القصص)، وأنتم أردتم الاثنين: العلوّ والفساد.

 

وإذا قلتم إنكم تطيعون الأوامر أذكركِّم بالرجل الذي جاء لشيخ الإسلام ابن تيمية يقول له: "المولى عز وجل يقول ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ (113)﴾ (هود)، فهل أنا من أعوان الظالمين لأني أُحيك ثياب الحاكم الظالم؟ قال له ابن تيمية: لا لست من أعوان الظالمين، ولكنك من الظالمين أنفسهم"، وحسبنا الله ونعم الوكيل.