تتعدَّد برامج (التوك شو) في مصر والمأساة واحدةٌ، وهي غياب الحقيقة وعدم تقديمها مجرَّدةً واضحةً للرأي العام، بل والاشتراك في عملية التخدير والتنفيس وكذلك الترويج لرأي النظام أحيانًا، ناهيك عن أنها لا تقدِّم حلولاً جادَّةً وعمليةً للإصلاح والتغيير.
نحن بصدد أربعة برامج، هي: "البيت بيتك"، و"90 دقيقة"، و"القاهرة اليوم"، و"العاشرة مساءً".. واضحٌ أن منها ما هو حكومي صِرْف يروِّج للنظام بطريقةٍ واضحةٍ وصريحةٍ، ومنها من يتجمَّل؛ فظاهره أنَّه يقدِّم إعلامًا وينقل الحدثَ للناس، وفي باطنه تمرير الرأي الحكومي بطريقةٍ مثيرةٍ وجديدةٍ وسط جوٍّ صاخبٍ وساخطٍ ومثيرٍ.
النوع الأخير يلعب في المساحة المتاحة له والتي لا تتم إلا بعد الموافقات اللازمة.. لن نتكلم عن النوع الأول؛ فمادته الإعلامية واضحةٌ ويتعامل بها مقدِّمو ومعدُّو هذه البرامج كأنها بلاغات في أقسام الشرطة تتم بأساليب محدَّدة وبتعليمات صريحة دون تجمُّل، أما ما أتناوله اليوم هو النوع الثاني الذي لاقى انتشارًا واسعًا وسريعًا بين قطاعاتٍ مختلفةٍ من الشعب؛ لأنه- من وجهة نظرهم- يقدِّم الحقيقة ويتكلَّم بصراحةٍ ويقول ما لا يقوله الآخرون، وليس عنده خطوط حمراء.
تعالوا ننظر أولاً ماذا تقدِّم هذه البرامج:
1- مواضيع تخص مشاكل الحياة اليومية من حوادث وإضرابات واعتصامات ومحاكمات ومواقف هنا وهناك.
2- قضايا سياسية مهمة ومصيرية، مثل تعديل الدستور، نزاهة الانتخابات، استقلال القضاء، التوريث، الحريات، الإصلاح الاقتصادي، تجميد النقابات... إلخ.
3- مواضيع فنية وثقافية ورياضية وغيرها.
4- بعض القضايا الخارجية والدولية الهامة والطارئة.
5- مشاكل وظواهر اجتماعية متنوعة.
المهم في الموضوع أن تناول هذه البرامج لبعض المواضيع المهمة للأمة يكون بنقل الرأي والرأي الآخر أحيانًا وبطريقةٍ مجتزأةٍ، وفي الكثير من الأحيان يظل الرأي الحكومي هو سيد الموقف.
ولتوضيح ما أقصده أكثر.. تدعي هذه البرامج أنها تنتهج طريق الإعلام المحايد وتنقل الحقيقة، والمأساة التي أتحدَّث عنها اليوم أن هذا ليس الحقيقة، ولكنه تدليس على الحقيقة.
ونضرب عدة أمثلةٍ، منها حلقةٌ أذيعت في إحدى هذه البرامج منذ أيام تتناول ما يحدث في المحليات من تجاوزاتٍ، وعرضت تقريرًا من التقارير التي يتوق لها المواطنون المحرومون ممن يُنقل لهم واقعهم في الشارع.. نفرح ونهلل لها لأنها أسمعت المسئولين صوتنا، فرحنا بسذاجتنا المفرطة بأضعف الإيمان وهو نقل آلامنا ومصائبنا، ويتحدَّث الناس سويًّا: "هل شاهدتم الحلقة الفلانية؟ هل رأيتم الضيف العلاني؟" ولا نطمع في أكثر من ذلك.
وبعده تم استضافة ثلاثة من الضيوف؛ أحدهم يمثِّل الحزب الحاكم، واثنين آخرين من المعارضة والإخوان، ويتكلَّم الجميع ويعلو الصراخ هنا وهناك، وترد مقدِّمة البرنامج في براءةٍ متناهيةٍ على أحد الضيوف من الجانب المعارض: "هذا الكلام مرسل وبدون دليل"!!
وهنا- في رأيي- انتهى كل شيء؛ شكل البرنامج جميل، والجميع "انبسط"؛ الضيوف والمشاهد، والناس صرخت من المنع والاعتقال وامتلاء مكاتب التقديم بالبلطجية منذ الصباح الباكر والتجاوزات التي يعلمها أصغر طفل في مصر، والمذيعة التي يشكرها كلُّ من يتصل ومعها فريق الإعداد تقول إن الكلام مرسل وبدون دليل، وهكذا تكون قد قدَّمت الصورة بطريقة محايدة!!
الكارثة- في رأيي- تكمن في أن ما قُدِّم ليس الحقيقة، ولكنه إهانة للحقيقة.. الحقيقة أن يقوم أحد مراسلي البرنامج أو فريق العمل بالذهاب لخوض التجربة ومحاولة تقديم أوراق ترشيحه دون الإفصاح عمن وراءه لتوثيق الحقيقة ومجابهة الموجودين بها ناصعةً بيضاءً؛ حتى يكون شاهدَ عدلٍ وشاهدَ واقعٍ وليس شاهد للتمرير وللتنفيس وللتخدير.. عندها نتكلم عن واقع وحقيقة ومصداقية، ولن تقول مقدِّمة البرنامج أو غيرها هذه الكلمة: "أين الدليل؟" فتضيع الحقيقة ونضيع نحن معها.
أليس الانحياز للحق هو الحقيقة؟! فماذا فعلت؟! ولماذا لا تبحث هي عن الدليل في قضيةٍ تهمُّ الأمة بأسرها؟! ناهيك عن أنه عندما تظهر العين الحمراء فإن حالةً من الارتباك تصيب هذه البرامج وتختفي الرسالة الإعلامية ويصبح صوتهم خافتًا ويختفي الطرف الآخر.
نحن لا ننسى يا سادة.. أتذكرون معي ما حدث في قضية طلاب الأزهر وكيف انتفضت برامج (التوك شو) وقدَّمت خدمة العمر للنظام في إبراز الجريمة الكبرى الشعواء من مليشيات الطلبة الجبابرة من طلاب الأزهر وتصويرهم على أنهم وحوش قادمة لاحتلال مصر حتى وصل الأمر إلى انتقال برنامج بكامل هيئته ومذيعته في سابقةٍ نادرةٍ إلى رئيس جامعة الأزهر وجلوس مقدِّمته في دور الطالبة؛ تمصمص شفتيها وهو يصف الطلاب بالخراف الضالة؟!
وهنا يتوارى الإعلام المحايد خجلاً؛ فلا مكان للطرف الآخر (ونتذكر سويًّا الطرف الآخر) لا مكان لموضوعٍ بسيطٍ مثل اقتحام حرمٍ جامعي- وهو مدينة الطلبة- وترويع واقتياد الطلبة حفاةً بملابس النوم وضربهم وسحلهم وتغميض أعينهم واعتقالهم قبيل الفجر في مأساةٍ لم يشهد التاريخ الجامعي مثل ضراوتها وقسوتها منذ أيام واقعة كوبري عباس أيام الاحتلال الإنجليزي!!.
وممكنٌ أن تسمع للطرف الآخر مكالمةً خاطفةً هنا أو هناك؛ فالعين الحمراء جاهزةٌ وممكن أن تصل رسالةٌ لرجل الأعمال صاحب القناة "إنت نسيت نفسك وصدقت إنه إعلام محايد؟!"، ويمكن يكون شدَّه من أذنيه بشحنةٍ في الجمارك أو بقضيةٍ قديمةٍ في الضرائب!!.
إنها يا سادة مأساةٌ لا بد أن ننتبه إليها والدور الخطير التي تؤديه في التنفيس والترويج في لعبةٍ إعلاميةٍ أمنيةٍ محكمةٍ.
قد يأخذ البعض على كلامي ويتهمني بالتجني عليهم، وأقول لهم: الأمر سهل ويسير.. اجلس أمام أيٍّ من هذه البرامج التي توقن بأكثرها مصداقيةً واحكم بنفسك.. هل تبنت فكرة؟! هل دعت لحركة إصلاحٍ أو تغيير؟! هل أوقفت فسادًا؟!.
نضرب مثلاً أخر.. أدمت قلوبنا وأبكت عيوننا على 1300 مصري قضوا في عبَّارات ممدوح إسماعيل الخربة وعلى الفساد والفاسدين.. هل طالبت باستقالة حكومة؟! أو وقفت وقفةَ حق في محاكمة نظام أو حتى وزير؟! أو حتى تحديد المسئولية بدقة؟! ولكن للأسف سارت على نفس النهج الحكومي في تحميل ممدوح إسماعيل القضية برمتها بعد أن هرب طبعًا، وبقمة الاستخفاف بعقولنا وبدمائنا وبضحايانا تناست أن ممدوح إسماعيل هو واجهةٌ فقط، وأن المسئول الرئيسي هو من سهَّل ووافق واعتمد وساند هذا الفاسد، وأغفلت عمدًا المهزلة في إنقاذ الضحايا والتي تنال من جهات نافذة.. أقاموا مأتمًا وأحضروا لنا الضحايا، ووقف كل مقدِّم برنامج بكل قوته يقول: "أين ممدوح إسماعيل؟".
وهناك الكثير من الأمثلة الصارخة والتي تعاملت معها هذه البرامج بنفس الأسلوب، ومنها انتخابات مجلس الشعب الأخيرة ذات 14 شهيدًا من ضحايا البلطجية والمنع التام للناخبين والتزوير الفاجر في المرحلة الثالثة، وكذلك انتخابات مجلس الشورى، والتي نُشر فيها بثٌّ مباشرٌ لتسويد البطاقات من داخل اللجان، ولن أتكلم عن المواضيع الوهمية إياها والتي يشغلوننا بالأيام فيها، مثل: كلاب الأمير، أو فتاة الجيب الشيروكي، أو المذيعة الهاربة، ورواتب الدعاة، وغيرها.. قد تكون أهم من وجود آلاف المعتقلين من عشرات السنين في سجون النظام، وأهم من أن كيلو العدس الذي أصبح بـ9 جنيهات!!
يا سادة.. حذارِ؛ قد تكون عندنا برامج تبث مادةً إعلاميةً فاجرةً تبرِّر الظلم وتزينه وتقنِّنه وتصنع من الجلاد ضحيةً، وهذه البرامج مكشوفة لا نخشاها؛ فشعبنا أوعى من ذلك، ولكن من ينكأ جراحنا ليهدئنا بمخدرات ذات قوة فهو يشارك في جريمة تجميل الشكل العام الديمقراطي لنظامٍ مستبدٍ مصَّ دماءنا وأزهق أرواحنا.
يا سادة.. لا تعوّلوا على هذه البرامج كثيرًا؛ فوسط كل هذا الضجيج والصخب الذي تحدثه سيظل بلا طحن، ويظل القهر هو هو، والظلم هو هو، والفساد هو هو، ولن يكون الإصلاح والتغيير من مشاهدتها ولكن بسواعدنا وعزيمتنا لإصلاح هذا البلد.
قد يتهمني البعض بأنني تحكمني نظرية المؤامرة، وأنني مغرض، ولهم أقول: برجاء الإجابة على الأسئلة التالية:
1- هل كان سيجد رجال السلطة والحزب الوطني ولجنة السياسات ومن يقف وراء ممدوح إسماعيل مكانًا أكثر انتشارًا من هذه البرامج حتى يعرضوا وجهة نظرهم المتهافتة؟!
2- لماذا وجهة النظر متاحةٌ للسفَّاح والجلاَّد وغير متاحة للضحايا وللطلاب الذين سُحلوا بليل، والتي كانت نتيجة قضيتهم تمرير قضية أكبر، وهي المحاكمة العسكرية التي يحاكَم أمامها عشرات الشرفاء؟! أم أن الطرف الآخر لا وجود له الآن؟!!
3- لماذا نرى محاميًا يدافع عن ضابطٍ أدخل عصاه في دبر مواطن، ولواءً يجمِّل القهر والاعتقال، ولا نرى موقفًا ودعوةً لوقف هذه المأساة في بلادنا؟!
هذه البرامج لا أطالبكم بعدم مشاهدتها؛ فالشعوب المقهورة مثلنا مطالبةٌ بأن ترى ما يحدث في بلادها حتى ولو كانت برامج تمثِّل علينا وتقدِّم لنا صورةً من الواقع وحوله مئات الصور التي تدس لنا السم في العسل، ولكن كل ما أطلبه هو اليقظة في التعاطي مع هذه البرامج، وألا تنطلي علينا التمثيليات التي تشارك فيها، وعدم الاعتماد عليها في توضيح الحقيقة وزيادة الوعي والفهم للأمة؛ فهذه تحتاج إلى رجال وطنيين مخلصين يهمهم الوطن أولاً وأخيرًا، وليست الأمور عندها "بزنس" ومرتبات بآلاف الجنيهات.
فالنظام يقول إن التنوع مطلوب مع الفكر الجديد والمجابهة الشرسة للفضائيات المختلفة، والتي يحكمون السيطرة عليها الآن باتفاقاتهم المشبوهة؛ فلا مانع أن يجلس مفيد فوزي أمام وزير الداخلية يمدح ويتملَّق ويجمِّل؛ فهذا له شريحته ونسبته من المشاهدين، وتستهدف برامج (التوك شو) النسبة الباقية وتجلس مع الضحايا وتستمع لشكواهم وأنّاتهم، ويقدِّم الجلاَّد ويعطي له مساحةً قد تقنع الكثيرين أو تجعلهم في المنطقة الرمادية.
4- بالله عليكم.. لو مرَّ النظام الحاكم بجريمته في منع جميع المرشَّحين المعارضين والمستقلين الراغبين من الترشُّح مثلما مرَّت جرائمه المختلفة من تمرير قانون استقلال القضاء وتزوير الانتخابات وتعديل الدستور واعتقال الآلاف ورفع الأسعار بصورةٍ لم يسبق لها مثيل.. فما هي أهمية تلك البرامج إذن؟! وماذا قدَّمت؟!.
قالت لنا: ما إحنا عارفين!!.
------------
* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- www.dahayaa.com