محمد السروجي

 

في نفق الاستبداد والفساد المظلم، دخلت مؤسسة الحكم بجناحيها الحزبي والحكومي، وأرادت أن تُدخِلَ معها كلَّ مفردات المعادلة السياسية المصرية، وفقد النظام عقله بعد ما تأكد من فقدان شعبيته، وتآكُل شرعيته، وتهديد مصالحه الشخصية.

 

وبدلاً من أن يتدارك أزمته بإعادة حساباته وتصحيح مساره، منح الجهاز الأمني تفويضًا رئاسيًّا عامًّا لإدارة شئون البلاد على كافة المستويات (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية حتى الأبحاث العلمية)، ووفقًا لهذا التفويض تحوَّلت الدولة بكامل هيئاتها ومؤسساتها ورجالاتها إلى تابع للجهاز الأمني، والذي أصبح تقريره هو تأشيرة العبور أو التوقف!!.

 

لذا كانت الوظائف العليا وكافة التعاملات والإجراءات والتقارير ذات خلفية أمنية، وأصبح الكل متَّهمًا وفقًا لهذا الفكر؛ من تكلَّم فهو محرِّض ومشاغب، ومن سكت فهو مخطِّط وخائن، ومن تظاهر فهو مكدِّر للأمن والسلم الاجتماعي، ومن كان إمعةً وتابعًا فهو متعاون ويعمل للصالح العام!!.

 

وازدادت الأمور تعقيدًا بعدما تحوَّل الجهاز الأمني من مجرد أداة أو عصا غليظة في يد النظام إلى جزء أساسي وفاعل في عقله! بل أصبحت القيادة السياسية فريسةً لابتزازه، وبات ترتيب الأولويات المحلية والإقليمية من مهام هذا الجهاز واختصاصاته، الذي كان وما زال حريصًا كل الحرص على زيادة الفجوة بين القيادة السياسية وكل ألوان الطيف السياسي بل وكل فئات الأمة للمحافظة على مصالحه الشخصية وامتيازاته المالية والأدبية، وضع ما شئت من عناوين تبرِّر القمع؛ مثل الحفاظ على أحكام الدستور والقانون وحفظ الحريات الشخصية والوحدة الوطنية والسيادة والأمن القومي!!.

 

وسط هذا الركام من الأحداث والممارسات غير القانونية وغير الحقوقية والجوّ الملبَّد بغيوم الاستبداد والفكر الأمني لإدارة الدولة، قرَّرت النخبة الحاكمة إجراء انتخابات المجالس الشعبية المحلية، فاستباح الجهاز الأمني لنفسه كل شيء؛ السجن والاعتقال والمطاردة واقتحام البيوت والاستيلاء على الأموال والممتلكات ومحاربة الناس في أرزاقهم؛ بغلق المحلات والمكتبات وانتهاك الحرمات وإرهاب الأطفال والنساء والشيوخ والعجائز، في مناخٍ استدعى لذهني صور المسلسلات والأفلام الوطنية القديمة حول الصراع بين القلم السياسي الموالي للإنجليز والقصر وبين الوطنيين من طلاب الجامعة ورجال الأحزاب والفدائيين!!.

 

وصدرت التعليمات فتجمَّدت الدماء في عروق الوطن، وتعطَّلت المصالح والمؤسسات، فامتنع الشهر العقاري، فلا توكيلات لمندوبي المرشحين، وتوقفت وحدات البحث الجنائي، فلا صحائف للحالة الجنائية وغيرها من الأوراق والمستندات المطلوبة!! ثم تجمَّدت اللجنة المشرفة على الانتخابات، فامتنعت عن قبول أوراق الترشح، تارةً لعدم صدور تعليمات بالاستلام وتارةً أخرى لعدم وجود مندوب أمن الدولة!!.

 

ثم حُوصرت مقرات اللجان بجيوش الأمن المركزي، وأصبح الوصول إليها من المحال، ثم اعتُقل المرشحون أثناء تقديم أوراق الترشح ولفِّقت لهم تُهَم حيازة السلاح وخلافه أو حبسهم داخل مديريات الأمن لحين انتهاء وقت التقديم أو إعطائهم مشروباتٍ تدخلهم في نوم عميق!!.

 

وبعد هذا المسلسل الدرامي رفضت أقسام الشرطة والنيابات تحرير أو استلام أي محاضر أو بلاغات، والعجيب والمريب هو حدوث هذه المذابح الدستورية والقانونية تحت سمع وبصر الأحزاب السياسية والقوى الشعبية والرموز الإعلامية وكأن شيئًا لم يكن!!.

 

حالة من الخرس والصمت تُوحي بأن هناك شيئًا دُبِّر بليل!! عمومًا كل هذه الأساليب نفِّذت في الانتخابات السابقة ونحن في انتظار الجديد، من هنا طرحت الأسئلة: لماذا الانتخابات إذًا؟! ولماذا لا يحدث تعديل دستوري- بدعم وفكر أمني- بإلغائها، طالما أصيب النظام بعقدة نفسية منها ومن الإخوان؟! ولماذا لا يُريح النظام نفسه ويوفِّر مليارات الجنيهات التي تُنفَق وتُنهَب تحت بند الانتخابات؟! وهل سيستمر هذا النوع من الإدارة والحكم طويلاً؟! وهل سنعود للوراء لنصبح بحاجة فعلية للضباط الأحرار- بجد هذه المرة-؟! وهل سيكفي النضال السياسي السلمي لإخراج مصر من تحت وطأة الجهاز الأمني؟!

 

أسئلة كثيرة وخطيرة وُضِعت في بريدي الإلكتروني، احتفظت بالكثير منها لعدم مناسبته النشر، لكن الجديد هو تحليل أحد القراء الأعزاء أن كل هذه التجاوزات ما هي إلا إجراءاتٌ يقوم بها الحزب الوطني وجهازه الأمني دون وعيٍ، ليؤكد للشعب المصري بجميع ألوانه وفئاته أنه بات عاجزًا عن منافسة الإخوان، بل أعلن إفلاسه على مستوى الفكر والممارسة، وبالتالي هو يُعِد الساحة لقدوم البديل ولا بديل مهيَّأً حاليًاً إلا الإخوان، وأصبح السؤال هو: متى سيجلس الإخوان على منصة الحكم رغم كل ما يحدث؟!