نظامنا الحاكم في مصر في طريقه إلى الانهيار، بل لا أسرف إذا قلت إنه في ساعات احتضاره الأخيرة بعد أن نخرته الأمراض، واستبدَّت به الآفات، والخطورة ليست في انهيار نظام مهترئ؛ فهو يمضي غير مأسوف عليه، ولكن الخطورة في أنه ترك في مصر المحروسة من الآثار البشعة المنكودة ما يسمح بل يحتِّم جرَّ الوطن معه إلى قاع السقوط والانهيار.

 

إنه نظام يتمتَّع بمجموعةٍ من النقائض والآفات تتفاقم وتتفاقم، وتتورَّم تورُّمًا خبيثًا مع اختلال المعايير إلى درجة الضد؛ فالباطل في نظر هذا النظام أصبح حقًّا، والحرام حلالاً، بل هو الحلال الوحيد.

 

ويأتي النفاق على قمة الحتمي المطلوب, فرُزِئْـنا ببطانةٍ من النفعيين الذين يعيشون بلا دين ولا قيم ولا رجولة، وهمهم إرضاء السيد الكبير.

 

يقبِّلون ترابَ المحسنين لهم            وفوق أرْؤسهم قرَّت لهم قدمُ

إن قال سيدهم "لا" فهْي كِلْمتهم         وإن يقل "نَعَمٌ" قالوا: "نَعَمْ" نعمُ

عُميٌ عن النور، في آذانهم صمَمُ       لا ينطقون بحقّ؛ إنهم بُكمُ

يرضون بالدُّون والدنيا إذا نعموا        أما إذا حُرِموا أطماعَهم نَقِموا

كأنهم في مسار العمر قد خُلِقوا         بلا عقولٍ فهم في عيشهم غنمُ

 

ومعروفٌ أن مدرسة المستنقع الصحفية تتبنَّى النفاق وتدعو إليه وتحاول أن تنشره على أوسع نطاق، ومن أعضاء هذه المدرسة: أسامة سرايا، وممتاز القط، وعمرو عبد السميع، ومحمد علي، وأحمد موسى... وغيرهم.

 

إنه النفاق في أبشع صوره وأحطها وأخسِّها، وقد رسم القرآن الكريم ملامح صورة المنافقين في دقة ووضوح، كما نرى في الآيات التالية: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ شْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)﴾ (البقرة).

 

وانطلق المنافقون- بالغدر والمكر والحيل- ينفِّذون مخطَّطهم، متبعين أحطَّ الوسائل وأخسَّ الأعمال وأبعدها عن الحد الأدنى من الإنسانية، ومن ذلك (في إيجاز شديدً جدًّا):

1- محاولة إشعال الفتنة بين المهاجرين والأنصار بإثارة النعرة القبلية الجاهلية.

 

2- الإساءة والتشهير بالنبي- صلى الله عليه وسلم- وأهل بيته؛ فهم أصحاب حديث الإفك، والبهتان الذي جاءوا به على أم المؤمنين عائشة.

 

3- الغدر والخيانة لإضعاف الجبهة العسكرية المسلمة؛ انتصارًا للكفار على ما هو معروفٌ في السيرة النبوية.

 

4- موالاة أعداء الإسلام من اليهود والكفار.

 

5- اتخاذ مسجد للتآمر والفساد والإيذاء، وهو مسجد الضرار الذي أمُر النبي- صلى الله عليه وسلم- بحرقه.

 

6- محاولة اغتيال النبي- صلى الله عليه وسلم- في حادثٍ مشهورٍ هو حادث العقبة بدفع ناقته وهو يمتطيها من فوق مرتفع في الظلام الدامس على ما هو معروف في كتب السيرة.

 

***

وفي عهد مبارك زاد النفاق وفاض بصورةٍ لم يحفظ التاريخ مثلها، ومن أمثلة النفاق ما كتبه ذات يوم المستشار محمد مجدي مرجان في أهرام الأربعاء 3/3/2005م تحت عنوان "مبارك يا مصر"، ومما جاء في مقاله "منذ إعلان الخطوة التاريخية (تعديل المادة 76)، والمزايدون في ذهول؛ فقد أفقدهم الرئيس مبارك الوعي، فسحب البساط من تحتهم، وأفلست تجارتهم، وانصرف الناس عنهم، بعد أن ألقمهم مبارك حجرًا، وقفز إلى أبعد مما كان يتصوَّره أو يحلم به أحد.. إنَّ ما فعله مبارك ابن مصر البار لأمه الحبيبة ولأبنائها خلال العقدين الماضيين لم يحدث منذ مئات السنين وعشرات الأجيال، ولو تدفَّقت الدماء في الشوارع أنهارًا".

 

كل ذلك يا سيد مرجان من أجل تعديل مادة في الدستور، وهو تعديل غارق في القيود والشروط المستحيلة؟!.

 

ودخل علماء دين هذا المضمار البغيض، فوجدنا أحدهم يمدح مبارك بنصٍّ ديني وهو "مبارك الآتي باسم الرب"، ولجأ هذا الرجل- الوقور جدًّا- إلى تزوير النص الديني، وهو "مباركٌ شعبي مصر"، ومبارك في العبارة السابقة خبر مقدَّم، وشعبي مبتدأ مؤخر، ومعناه: أن شعبي مصر شعبٌ مبارك، أي باركه الله.

 

زيَّف الرجل النصَّ وعرضه بالصورة الآتية: "مباركُ شعبِ مصر"، وبذلك تكون مبارك مضاف وشعب مضاف إليه، ثم علَّق وقال: إن هذه مشيئة الله؛ إذ جعل أو خصَّ الشعب المصري بمبارك من أيام أن كان جنينًا.

***

ونرى نظامنا يهادن بل يصادق أعداءنا من الصهاينة والأمريكان وأذنابهم، ويطلب ودَّهم، ولكنه عمليًّا يعادي الشعب المصري، ويستهين بوجوده، ويفرض عليه من أثقال الغلاء ما لا يطيقه بشر، وكم طالبنا أن يتصالح النظام مع شعبنا المطحون ولا فائدة!!.

 

أما أرواح المصريين فهي عند النظام المباركي بلا ثمن؛ العمارات تنهار على رءوس ساكنيها؛ فلا يهتز شعر القائمين على الحكم، ومن نجا من الانهيارات لا مكان له إلا أرصفة الشوارع، ولا تحاول الحكومة أن تجد للأحياء مأوًى ولو في خيام.

 

بالله عليكم يا سادة.. ماذا يفعل المواطن المنكوب وهو لا يجد مكانًا يقضي فيه حاجته حين يعلم أن في القاهرة فندقًا خمسة نجوم لإيواء الكلاب التي تصاحب الأمراء والكبار من جيراننا العرب؟!.

 

وكتبت جريدة "أخبار اليوم" بحثًا وافيًا عن هذا الفندق العجيب، ومن حقي أن أتخيَّل تخيلاً مفترضًا، وهو أن عشرات من الذين نجوا من العمارات المنهارة لجئوا إلى فندق الكلاب واحتلوه، أو على الأقل احتلوا حديقته، لا شكَّ أننا سنجد آلافًا من رجال الأمن المركزي يحضرون في لحظات، ويطردون هؤلاء البشر المعتدين على وجود الكلاب وكرامتها، وطبعًا سيلقون القبض على زعماء هذه الحركة التخريبية!!.

 

***

ومن التورُّمات الخبيثة فداحة الفروق في المرتبات بين أصحاب الوظائف المتماثلة أو المتشابهة، التي قد تبلغ سبعة أضعاف، ومما يدمي القلب ظهور طبقة تتقاضى في الليلة مبالغ "قارونية" لا يصدقها العقل.

 

وأتوقف طواعيةً ليلتقط الخيطَ مني الرجل الصادق الأمين مجدي مهنا- رحمه الله- فقد تلقَّى الرسالة الآتية، ونصُّها:

 

"تحياتي بمناسبة العام الجديد، ودعواتي لكم بموفور الصحة والعافية.. أعمل نائبًا لرئيس مؤسسة تعليمية بإحدى المدن الإقليمية "المنصورة"، وعندما شرعنا في إقامة حفلة ترفيهية للطلبة والطالبات، ولما كان الإشراف على هذه الحفلة من ضمن الاختصاصات المخوَّلة لي فقد عُرضَتْ عليَّ قائمة بأسماء وأسعار بعض الفنانين المرشَّحين لإقامة هذه الحفلة، ولمَّا كانت أيضًا الأرقام التي رأيتها تضعنا موضع التساؤل والاستفزاز؛ وذلك لما تحتويه من استفزاز لمشاعر البسطاء والعلماء والباحثين والمفكرين والقائمين عليها وخلافه.. فأين العدالة في التوزيع عندما تكون الأرقام بهذا الشكل:

 

1- تامر حسني 250000 جنيه.

2-شيرين 135000 جنيه.

3- محمد نور 40000 جنيه.

4- هيفاء وهبي 75000 دولار.

5- راغب علامة 35000 دولار.

6- محمد حماقي 120000 جنيه.

7-حمادة هلال 80000 جنيه.

8- رامي صبري 40000 جنيه.

9- نانسي عجرم 75000 دولار.

10- ميريام فارس 25000 دولار.

 

إنه الأجر في ليلة واحدة بحفلة واحدة، فكيف وُضعت هذه التعريفة أو التسعيرة؟! ومن الذي أشرف عليها؟! ومن الجهة المسئولة عن تحديد هذه الأسعار، خاصةً أن الموظف المسئول عندما تأخَّر في الاتصال بالوكيل أو المتعهد أبلغه بأن الأسعار تمَّ تغييرها للأعلى؟!.

 

فكيف لعالم مثل د. محمد غنيم يتدخَّل في جراحاتٍ عالمية تؤثِّر في حياة الناس وتؤدي إلى إنقاذ أرواح من الموت، ولا يتعاطى ربع ما يتعاطاه هذا أو ذاك في ساعة أو ساعتين؟! وما مؤهلات هؤلاء بالنسبة لأمثال العلماء؟! وما الجهد المبذول في مثل هذه الحفلات والإعداد لها مقارنةً بالأبحاث والدراسات ونحن في أزمة مع أساتذة الجامعات من أجل تحسين مستوى معيشتهم ومطالبهم بعيشة هنية وليست بملايين؟!.

 

بحسابات بسيطة جدًّا، إذا أقام أي فنان من هؤلاء حفلة واحدة يوميًّا أو حفلتين أسبوعيًّا أو حفلة شهريًّا أو سنويًّا.. فهل لديك آلة حاسبة لحساب هذه الأرقام والناس جياع؟.
ما هذا الاستفزاز؟! وأين الدولة والنظام؟! ومن يحدد هذه الأرقام؟!.

 

أعتذر عن اللهجة، ولكني وجدت نفسي راغبًا في استخراج ما بداخلي، ولم أجد غير الورقة تسعفني وسيادتكم لتقرأها.. وشكرًا".

 

التوقيع: نائب رئيس مجلس الإدارة د. رضا عبد الغفار منصور.

 

***

ويُعلِّق مجدي مهنا- رحمه الله- على هذه الرسالة بقوله:

"وماذا نقول عن لاعبي كرة القدم؟! وعن تجار الحديد والأسمنت والأسمدة؟! وتجار الأدوية المغشوشة؟! وعن تجار الدقيق الذين يهربونه في أنفاقٍ تحت الأرض لتسريبه إلى السوق السوداء؟!.

 

لا أبرر للفنانين جشعهم، لكن هذا أصبح قانون السوق؛ يفرض فيه الفنان أو لاعب الكرة أو التاجر السعر الذي يريده والربح الذي يحقق به أحلامه وطموحاته المشروع منها وغير المشروع، أما مشاعر البسطاء من الناس الذين نتحدَّث عنهم، والعلماء والباحثين والمفكرين.. فهؤلاء تحوَّل أغلبهم إلى طبقة المعدمين".

 

***

وأصبحت حياتنا غاصَّةً بالتناقضات والفروق الفادحة بين أمرين أو فئتين، أو بين الحاكم والمحكوم؛ مما يدل على الانفصام المنكود في حياتنا، ومما لم نعرفه من قبل في تاريخنا.

 

فالمواطن المصري كان يعيش من قبل- حتى في عهد الاستعمار الإنجليزي- تحت مظلة القانون، أما في عهد حكم الحزب الوطني فالقانون في إجازة بل القانون في جنازة، فأصبحت أحكام القضاء لا تنفَّذ, وأصبح الأمن يمثِّل القضاء الجديد، بل له السلطة العليا في كل مجالات الحياة، وإلا ما معنى أن يصدر حكمٌ بالإفراج عن معتقل ولا يمر على إفراجه إلا يوم أو اثنان، ثم يُقبض عليه بأمرٍ من الداخلية عملاً بقانون الطوارئ؟!.

 

وما معنى أن يقدَّم مدنيون إلى المحاكمات العسكرية، والذين يحاكمونهم يعلمون تمام العلم أنهم أبرياء حريصون على مصلحة الوطن أكثر من القائمين على حكم هذا الوطن المطحون؟!.

 

وما معنى التمسُّح فيما يسمَّى قانونًا جديدًا للأمن بدلاً من قانون الطوارئ، والمطلعون على بواطن الأمور يقولون إنه أشد من قانون الطوارئ، وأبعد عن العقل وعن مصلحة الوطن؟!.

 

مع أن في مصر قانونًا لمواجهة الإرهاب من سنة 1992م نُشر بالجريدة الرسمية بالعدد 29 مكررًا بتاريخ 18/7/1992م، وهو قانون متكامل متزن فيه شمول ودقة في الصياغة والمضمون، ولكن حكومة الحزب الوطني تحرص الحرص كله على أن تُمكِّن لنفسها بما تريد، وعندنا المجلسان الموقران مجلس الشعب ومجلس الشورى، لا يعملان إلا بما يوافق إرادة الحاكم، على حد قول الشاعر:

ها هم كما تهوى فحركهم دُمَى                 لا يفتحون بغير ما ترضَى فما

إنا لنعلم أنهم قد جُمِّعُوا                        ليصفقوا إن شئتَ أن تتكلما

بالأمس كان الظلم فوضى مهملاً               واليوم صار على يديك منظَّمًا

***

 

ثم جاء ميعاد الترشيح للمحليات، وصدَّق المواطنون أن الحرية ممنوحة لكل من يريد أن يتقدَّم للترشيح، وأصرَّ الإخوان على أن يشتركوا في هذه المحليات، هادفين بذلك إنقاذ الشعب من الفساد المؤسف المخزي الذي ارتكبه أعضاء المحليات السابقون, حتى إنَّ كبيرًا من كبار الحكومة عبَّر عن هذه الحالة بقوله: "إن الفساد على يد هؤلاء وصل إلى الرُّكَب" فماذا كانت النتيجة؟.. النتيجة كما يعرفها المواطنون جميعًا: ملاحقة مرشحي الإخوان وإلقاء القبض عليهم، ومنع كثير منهم من التقدُّم للترشيح، ومطاردة أقاربهم والمتعاطفين معهم، حتى يظل الوضع كما هو؛ فالمهم عند الحاكمين هو الحكم ولا شيء غير كراسي الحكم، أما أن يغرق الوطن وتخرب مصر المحروسة، فهذا شيء من قبيل اللمم.

 

والذين يقولون إن حكام هذه الأمة من القوة بحيث يمسكون بزمام الأمن ويضربون على أيدي الإرهابيين, أي أعضاء (الجماعة المحظورة) ينسون أنهم يعيشون في اللحظات الأخيرة، ويرقصون رقصة الطائر الذبيح، والطائر الذبيح قد يقفز قفزةً لا يستطيع أن يقفزها في حالته العادية، وإذا كان العدل هو أساس الملك، فقد عكست حكومة الحزب الوطني هذه المقولة، وأصبح "الملك هو أساس العدل"، فما يراه الحاكم هو العدل، ونقيضه هو الظلم، وما يراه هو مصلحة الوطن، وما يراه معارضوه إنما هو إرهاب ورجعية وتدمير لواقع الأمة.

 

وفي النهاية نقول: رحم الله مصر المحروسة لو استمر هؤلاء ممسكين بزمام الحكم، ولكن عليهم أن يتذكَّروا أن الخيبة تكون في النهاية لمَن افترى، وأن دولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة، وكأن بشار بن برد كان يعنيهم بقوله:

أعمى يقود بصيرًا لا أبًا لكمو            قد ضلَّ من كانت العميانُ تهديهِ

-------------

* Komeha@Menanet.net