من المعروف أن وراء كل زيارة لمسئول أمريكي إلى منطقة الشرق الأوسط أهدافًا محددة يأتي لتحقيقها، وعادةً ما تصبُّ هذه الأهداف لصالح الكيان الصهيوني وضد العرب بصفة عامة والفلسطينيين بصفة خاصة، فالكيان في عين الولايات المتحدة الأمريكية وقلبها وعقلها؛ حتى إن المرشحين لرئاستها يتبارَوْن في الإعلان عن ذلك في حملاتهم الانتخابية، ولا تخرج زيارة الآنسة رايس للمنطقة هذه الأيام عن إطار هذا المبدأ، وتركز هذه الزيارة بصفة خاصة على ما يجري في غزة وبيروت والقاهرة.
احتفاءً بقدوم الآنسة رايس استأنف الصهاينةُ المذابحَ ضد الفلسطينيين في غزة بصورة إجرامية دموية لم يسبق لها مثيل، جاءت رايس بعد منع مجلس الأمن من أن يتخذ مجرد قرار شكلي بإدانة هذه المجازر "الإسرائيلية"، وحضرت إلى هنا مؤيدةً "لإسرائيل" في شنِّها تلك الغارات الوحشية على غزة؛ باعتبارها في موقف دفاع عن النفس، وكأن "إسرائيل" هي الطرف المسكين والشعب الفلسطيني هو الطرف المتوحش!.
جاءت رايس لتؤكد دعمها الكامل "لإسرائيل" في كل ما تفعله في المنطقة؛ من إبادة للشعب الفلسطيني أو كما سماها نائب وزير حربها أنها محرقة لغزة، وكذلك لطمأنتها بأن الحكام العرب ليسوا مستمرِّين في صمتهم على هذه المجازر فحسب، وإنما هم مؤيدون لها سياسيًّا، وذلك بتكثيف الهجوم على حماس وصواريخها، والتأكيد على أن حماس هي السبب، وليس "إسرائيل"، في شنِّ هذه المجازر، وماديًّا بقيامهم بتقديم الغاز والبترول بأبخس الأسعار، وأمنيًّا بحماية حدودها المزعومة من تسلُّل المقاومين أو تهريب الأسلحة للداخل الفلسطيني.
جاءت رايس لتأجيج الصرع المشتعل بين الفرقاء في لبنان، ليعيش هذا البلد المسكين ضعيفًا مهلهلاً؛ فقصر الرئاسة خالٍ من رئيس يحكم، والحكومة مشغولة بالتحضير للمؤتمرات التي تسبُّ وتلعن فيها زعماء المعارضة، والبرلمان لا يقوم بسبب هذه الأحداث بواجبه التشريعي والرقابي والاتفاق على رئيس للبنان، كل هذا يتم لإضعاف حزب الله في الجنوب، وهو القوة الوحيدة في العالم العربي التي تخشاها "إسرائيل" في الفترة الحالية، ووصل الحال بالحكام العرب إلى أن يقول أحدهم: لن تُعقد القمة العربية القادمة إلا بوجود رئيس للبنان، ومعنى هذا الكلام أنه يمكن ألا تنعقد القمة العربية سنواتٍ طويلةً إذا استمر لبنان بلا رئيس!!، وإذا لم تناقش هذه القمة مشكلة رئيس لبنان فماذا تناقش؟ ولماذا تنعقد أصلاً؟ وحاكم آخر يتهم سوريا علنًا بأنها وراء تأخير حل المشكلة اللبنانية، ولا يجرؤ هذا الحاكم أن يوجه هذا الاتهام للمتسبِّبين الحقيقيين في هذه المشكلة وهم أمريكا وأوروبا وبالطبع "إسرائيل"، لماذا؟ لأنه يخشى على فقدانه كرسي حكمه المهزوز.
ومن ضمن أهداف الزيارة المشئومة للآنسة رايس العمل على استمرار المشكلة اللبنانية على هذا الحال أطول مدة ممكنة؛ لإلهاء العرب بها وإبعادهم عن التفكير في المشكلة الفلسطينية.
أما حضور الآنسة للقاهرة فلم يأتِ اعتباطًا، وإنما جاء لإظهار أهمية دور مصر المحوري في المنطقة من وجهة نظر الجانب الأمريكي، وذلك برغم المحاولات المستمرة التي تقوم بها أمريكا لتهميشها وإقصائها عن المشاركة في حلِّ مشكلات المنطقة المستمرة، والحقيقة أنها جاءت لدفع مصر في تنفيذ ما تريده "إسرائيل" من طلبات خاصة بغلق المعابر مع قطاع غزة، وحماية الحدود، والسماح بتوطين فلسطينيين على هذه الحدود، وأيضًا منع التقارب المصري الإيراني في أي مجال من المجالات.
ومن المؤكد أن رايس جاءت لتعلن تأييدها للنظام المصري الحاكم لما يقوم به من بطش بالمعارضة، وكبت للحريات، والتحضير للوريث القادم للحكم، رغم أنف الشعب، وكذلك التنكيل بقيادات وكوادر جماعة الإخوان المسلمين؛ بتكرار اعتقالهم، وانتهاك حرمات بيوتهم، والعبث بممتلكاتهم الخاصة، ومنعهم من الترشح في انتخابات المحليات المزمع إجراؤها الشهر القادم.
فالمهم لأمريكا أن ترى الشعب المصري متفرقًا، وحبَّذا لو كان كالشعب اللبناني أو الشعب العراقي، فساستها الكبار طالما أعلنوا مرارًا وتكرارًا أنها الجائزة الكبرى بعد العراق ولا بد من تقسيمها إلى دولتين، إنهم يأخذون الكلام على محمل الجدِّ ونحن لا نعيره اهتمامًا.
مما لا شك فيه أن هناك أهدافًا أخرى لهذه الزيارة المشئومة، منها العلني ومنها غير العلني، ولكن الهدف الأكبر للسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط هو جعل الدول العربية تعيش في حالة نزاعات وخلافات وحروب مستمرة فيما بينها وبين بعضها، وكذلك تحريض الحكام ضد شعوبهم؛ حتى يكون الحكام في احتياج مستمر لأمريكا لتحمي لهم كراسيَّ حكمهم.
هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى لتعيش هذه الشعوب في حالة تمرُّد مستمر على حكَّامها، وتوجيه جهودها وطاقاتها ضد حكامها بدلاً من توجيهها للارتقاء بالبلاد ومحاربة الأعداء.
--------