استمرأ الكثير من الكتَّاب والمفكِّرين ورجال النخبة والصفوة في بلادنا كلمة "الاعتقال"، سواءٌ اعتقال 10 أو 20 أو 100 أو أكثر، وأصبحت من نافلة الحياة المصرية، وبابًا ثابتًا من أبواب صفحة الحوادث، وكأن الأمر أصبح عاديًّا من كثرة تكراره، خصوصًا لو كان الأمر يخصُّ اعتقال أفراد من جماعة الإخوان المسلمين، حتى أصابت العدوى الكثير من الفضائيات الجادَّة، والتي أصبحت تنشر خبر الاعتقالات بدون أي تعليق!!.

 

وكثيرًا أصبح لا يكتب سبب الاعتقال، وفي بعض الأحيان تنشر الأكلشيهات الممجوجة من التهم؛ مثل تكدير الأمن العام، وتهديد السلم الاجتماعي والانضمام لجماعة محظورة عندها 88 عضوًا فقط في البرلمان!!.

 

والجديد في التهم هذه الأيام تحريض المواطنين للتظاهر من أجل غزة، والتخطيط لدخول المحليات!!، وكأن انتزاع مواطن مصري من بين حضن والدته وأسرته وأولاده أمرٌ عاديٌّ؛ فقد تم ظبطه وهو يتعاطف مع غزة ويفكر في دخول انتخابات المحليات!!، وكأن حريته وحقوقه كإنسان وبشر تسقط عنه بمجرد أن يُعرف انتماؤه!!.

 

والمذهل في هذا الموضوع أمران:

الأول: أننا لم نرَ أخبار اعتقال لتجَّار مخدرات أو لبلطجية بموجب قانون الطوارئ منذ زمن، في حين أن تجارة المخدِّرات تباع هذه الأيام عيانًا بيانًا في وضح النهار وعلى النواصي بل وأصبحت خدمة (توصيل للمنازل)، وانتقل (تثبيت) المواطنين وسرقتهم من المناطق النائية والمظلمة إلى الشوارع الرئيسية صباح كل يوم!!.

 

ومن زاوية أخرى وعلى الرغم من وجود آلاف القضايا الجنائية من قتل وسرقة ونهب واغتصاب صدرت لها أحكام نهائية.. لم تقُم المباحث بتنفيذ الأحكام إلا بالقبض على نسبة ليست بالكبيرة من مرتكبيها، لكن الهمة والدقة في القبض على الناشطين السياسيين حقَّقت معدلات قياسية!!.

 

وأتساءل: لماذا عندنا مباحث لأمن الدولة وليست عندنا مباحث لأمن الشعب وهو الأهم؟!

 

الثاني: لماذا لا يوجد في مصر احترام لصندوق الانتخابات؟! لأي انتخابات!!.

 

مع دخول الألفية الثالثة وتقدُّم العلم والطب، ألا يوجد دواء لمرض التزوير العضال، الذي أصاب المسئولين في بلادنا، حتى أصابهم سلس تزويري مزمن، وأصبحوا يزوِّرون على أنفسهم!!.

 

هل المواطن في موريتانيا أو بنجلاديش أو حتى في الكيان الصهيوني.. أفضل تاريخًا وحضارةً وحظًّا من المواطن المصري أم أن حضارة 7000 عام والفراعنة لا تُستدعى إلا في أمور اللهو والكرة؟!!

 

لماذا لا يفكر من يصدرون أوامر الاعتقال ليل نهار وحرمان أسر كاملة من عائلها بأنه لا ذنب له إلا أنه تورَّط وصدَّق أن هناك حريةً حقيقيةً في بلادنا؟!

 

عمومًا سيذكر التاريخ يومًا أنه في عهد من العهود كان يُعتقل الآلاف من المصريين وكان الكتَّاب والمفكِّرون يتحدثون عن عبقرية النظام وعن بطولة إفريقيا وهروب الحضري وعودته!! أو يصمتون، ولا أبالغ إن تصورت أن صمتهم هو تواطؤ واشتراك في هذه الجريمة، وخيانة للقلم في قولة حق ودفع ظلم.

 

وأتساءل دائمًا وكلي حيرة: ما المشكلة أن يختلف المرء في بلادنا مع النظام، طالما كان الاختلاف باللسان والكلمة والقلم..؟ لماذا يحاسَب البني آدم في أوطاننا على أفكارهم وهم هم نفس البني آدم في دول العالم الأخرى يُقدَّر ويُحترَم؟ هل العيب في المواطن أم في الوطن أم في مَن يحكم الوطن؟!

 

يا سادة.. ما يحدث هذا عبث ما بعده عبث، يحوِّل الوطن إلى معتقل كبير، ماذا بقي لنا في هذا الوطن؟! أحكام قضاء لا تُنفَّذ، ودستور قديم أو معدَّل لا يُنظر إليه، وقهر وذل وغلاء!!.

 

يا كتابنا.. يا مفكرينا.. يا نخبتنا.. يا صفوتنا.. أنتم مسئولون عن هؤلاء بأقلامكم؛ فلو تعثَّر الآلاف ودخلوا المعتقلات فأكيد سيسألكم ربُّ عمر: لماذا أصابكم الخرس ومهَّدتم الطريق للنظام لسحقهم؟!!

---------

مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- http://www.dahayaa.com