منير شفيق

قَبِل الرئيس الفلسطيني بالحوار وفقًا لمبادرة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، التي تضمَّنت إعادة الوضع في قطاع غزة إلى ما كان عليه قبل الأحداث في أواسط يونيو 2007، وكان هذا أول شرط له طالب بتطبيقه قبل إجراء أية مفاوضات، وهو الآن يقبله باعتباره مُتضَمَّنًا في المبادرة اليمنية.
"محمود عباس وممثلوه الذين ناقشوا كل المبادرات التي طالبت بالحوار، وضعوا مجموعةً من الشروط المسبقة التي تشبه شروط قائد عسكري على عدوِّه الذي هُزم في الميدان، وجاء ليوقِّع وثيقة الاستسلام".
وهذا ما جعل حماس تتحفَّظ قبل الموافقة على المبادرة؛ لأنها أرادت أن تعرف ما المقصود بعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الأحداث المذكورة، وذلك بمعنى: هل الأمر يقتصر على إعادة المقرات الأمنية؟ أم يشمل العودة إلى الوضع كما كان في القطاع والضفة؟!
فالتعبير فعلاً إذا أُخِذَ بحرفيته يجب أن يشمل عودة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة إسماعيل هنية، وحل حكومة سلام فياض، وعودة الاعتراف بالمجلس التشريعي والرجوع إليه، كما يقتضي النظام الداخلي المعدَّل (بمثابة الدستور).
ولكن محمود عباس وممثليه، الذين ناقشوا كل المبادرات التي طالبت بالحوار، وضعوا مجموعةً من الشروط المسبقة التي تشبه شروط قائدٍ عسكري على عدوِّه الذي هُزم في الميدان، وجاء ليوقِّع وثيقة الاستسلام، كما فعل الجنرال أيزنهاور حين رفض أن يقرأ الجنرال الألماني وثيقةَ الاستسلام قبل أن يوقِّع عليها، قائلاً له: "عليك أن توقِّع، ولا يحق لك أن تقرأ ما ستوقِّع عليه؛ فأنت مهزوم".
فالشروط المسبقة التي وُضعت من قِبَل الرئيس محمود عباس أوضحت ما المقصود بعبارة عودة الوضع في القطاع إلى ما كان عليه قبل انقلاب حماس على حدِّ تعبيره؛ وذلك بحصرها في الجانب الأمني بما يشمل حلَّ القوة التنفيذية التي كانت موجودةً قبل الأحداث، والموافقة على حلِّ حكومة إسماعيل هنية وتشكيل حكومة سلام فياض، والالتزام بكل ما التزمت به منظمة التحرير من قراراتٍ دوليةٍ واتفاقاتٍ وتعهُّداتٍ؛ بما في ذلك اتفاق أوسلو، وخريطة الطريق، والاعتراف بالكيان الصهيوني، وبعد ذلك يتم الذهاب فورًا إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية.. ومن هنا يبدأ الحوار، ليس بين حماس وفتح، وإنما فيما بين كل الفصائل الفلسطينية، أي رفض الحوار مع فتح وحماس مباشرةً أو بدرجةٍ من الخصوصية باعتبارها صاحبة الأغلبية في المجلس التشريعي.
إنه التوقيع على الاستسلام الذي لا يقبل به حتى مهزوم في ميدان المعركة وقد ألقى سلاحه على الأرض؛ فهذه السياسة التي اتُّبِعَت منذ أحداث يونيو 2007 من قِبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس؛ كانت رافضةً للحوار حتى من حيث المبدأ، وقد تحدَّت الرغبةَ المصرية والسعودية ومختلف الأطراف التي طرحت مبادراتٍ للحوار، بما فيها مبادرة سابقة للرئيس اليمني نفسه، وأخرى في الشهر الفائت دعا إليها الرئيس المصري حسني مبارك علنًا.
أما من يتابع السياسات والممارسات التي أخذ بها الرئيس الفلسطيني وحكومته منذ تلك الأحداث حتى اليوم؛ فيلحظ أن عباس شقَّ طريقًا جديدًا لم يُعهَد أن سلك مثلها هو نفسه عندما أجرى مفاوضات أوسلو السرية التي انتهت بالاتفاق المشهور.
ولكن حتى هذه كانت سريةً ولم تأخذ طابع التحدي لأحد؛ فمنذ تولِّيه الرئاسة أبقى سياسته ضمن التفاهم مع مصر، ووضعها بالصورة قبل كل خطوة وبعدها، وكان ملتزمًا بالعمل ضمن المعادلة الفلسطينية حتى بعد أن فازت حماس بالأغلبية في المجلس التشريعي.
ذلك كله تغيَّر بعد الانقسام بين الضفة والقطاع؛ فقد شكَّل حكومة سلام فياض بعيدًا عن فتح ومن دون الرجوع إلى النظام الداخلي الذي كان ملتزمًا به إلى حدِّ ترك الفرصة لحماس لتفوز بالانتخابات، وأطلق يد حكومة سلام فياض لتطارد سلاح المقاومة وتعتقل المئات والآلاف، وهو ما لم يفعله من قبل قط لا في أثناء توليه رئاسة الحكومة ولا رئاسة السلطة ومنظمة التحرير.
"عباس أدار ظهره لمصر والسعودية وتركهما للضغوط الأمريكية لابتلاع ما يفعل، وعبَّر عن ذلك بمضيِّه في مشروع أنابوليس والمفاوضات الثنائية المباشرة حتى مع استمرار التوسع في الاستيطان والحفريات وبناء الجدار وحصار القطاع واستمرار الاعتقالات ويهودية الدولة".
وواضح أيضًا أنه أدار ظهره لمصر والسعودية وتركهما للضغوط الأمريكية لابتلاع ما يفعل، وعبَّر عن ذلك من خلال رفضه مطالبتهما له بالحوار، ثم مضيِّه في مشروع أنابوليس والمفاوضات الثنائية المباشرة حتى مع استمرار التوسع في الاستيطان والحفريات تحت المسجد الأقصى وبناء الجدار ومحاصرة القطاع واستمرار الاعتقالات والاغتيالات في الضفة الغربية والإعلان عن يهودية الدولة.
واتضح أكثر بعد أن فسَّر الرئيس جورج دبليو بوش في زيارته الأخيرة وعلى سمع من عباس مباشرةً رؤيته لحل الدولتين؛ وذلك عبر الاعتراف بما قام من وقائع جديدة على الأرض (المستوطنات، وتهويد القدس الكبرى، ويهودية الدولة، وتشكيل آلية دولية للتعويض على اللاجئين).
وهذا كله يهبط درجاتٍ حتى عن السقف العربي والفلسطيني الهابط أصلاً؛ مما يؤكد أن الرجل شقَّ طريقًا بالتفاهم مع بوش وأولمرت، وما على الآخرين إلا أن يؤيِّدوه عن رضا أو غير رضا، أو أن يسكتوا وينتظروا طوال عام 2008 نتيجةَ المفاوضات السرية التي تفرَّعت عنها لجان سرية تبحث في التفاصيل.
فهذه السياسة والممارسة تفسِّر الشروط المسبقة التي راح يضعها محمود عباس للحوار؛ وذلك للمضي في الوضع الراهن إلى أن تستبين نتيجة المفاوضات.
وهنا يجب علينا أن نتذكَّر أن حقيقة الموقف لا تُقرأ من خلال ما يُعلن بقدر ما يجب أن تُقرأ من خلال ما يمارَس؛ فالممارسة التي طبَّقها هو وحكومته حيال حماس والمجلس التشريعي، واختراعه المجلس المركزي المسيطر عليه من قبله بديلاً، وممارسته إزاء سلاح المقاومة في الضفة الغربية، وفي استمرار المفاوضات رغم كل ما يُفتَرَض من وقفها، وإزاء التعامل مع مصر والسعودية؛ تدل على أن الرئيس محمود عباس مرتاح تمامًا لبقاء حماس بعيدةً في قطاع غزة المحاصَر وتحت الضربات الأمنية في الضفة الغربية؛ وهذا ما لا يحتاج إلى دليل أكثر مما مورس من سياسات وإجراءات على الأرض.
وفي الحقيقة لم يكن لينغِّص عليه غير علاقته الفاترة وأحيانًا المتوترة مع كلٍّ من مصر والسعودية وضغطهما ليدخل حوارًا غير مشروط، وربما خشيتهما مما يجري في المفاوضات وقد أخذت طابعًا جديًّا، والأهم مبدأ أن "يستقل" الرئيس الفلسطيني بقراره فيما يتعلَّق بالتسوية ومصير فلسطين؛ لأن ذلك في النهاية سيُلقى في وجه الفلسطينيين والعرب ليقبلوا به راضين أو كارهين.
ولكن ما الذي حدث حتى يوافق محمود عباس على المبادرة اليمنية للحوار ويعلن ذلك من القاهرة فور خروجه من اجتماع مغلق مع الرئيس المصري حسني مبارك؟! يمكن الاستنتاج أن تقاربًا حصل بين مبارك وعباس من دون أن يغيِّر عباس موقفه فيما يتعلَّق أولاً بالمفاوضات واستمرارها تحت كل الظروف، وثانيًا من سلاح المقاومة، وثالثًا من تصعيد الاتهامات العدائية لحماس.
"قبول حماس بالمبادرة ضرورة حتى لو كان الطرف الآخر يناور ليس أكثر؛ لأن السعي للخلاص من الانقسام الفلسطيني قضية ملحَّة، ولأن إلزام عباس بالدخول في الحوار مع كل الفصائل ضرورةٌ لوقف مطاردة المقاومة من قِبل حكومة سلام فياض ولوقف المفاوضات السرية".
وإذا صحَّ هذا الاستنتاج يكون الموقف من المبادرة اليمنية قد اتُّفِق عليه بينهما، وهو لا يعني أكثر من موقف شكلي إزاء الحوار؛ فبدلاً من رفضه ما لم ترضخ حماس لشروط الاستسلام، قَبِل به ما دام قد تضمَّن بندًا يتعلَّق بإعادة الوضع في القطاع إلى ما كان عليه، وذلك- كما يبدو- تلبيةٌ لحاجة مصر من أجل حلِّ مشكلة معبر رفح.
وهذه القضية ضاغطة الآن على مصر والقطاع، ويُخشى إذا لم تُحلَّ أن يتكرَّر ما حدث في الشهر الماضي من انفجار للوضع، ولكن لا يمكن أن يُفهم من هذا التراجع الشكلي لعباس أيّ تغيير في موقفه السابق من الحوار؛ فمن يرد حوارًا لا يصرِّح ضد محاوره بما صرَّح به لصحيفة (الحياة)، وحتى في المؤتمر الصحفي الذي وافق فيه على الحوار، ولكن الموافقة يجب أن تُقرأ باعتبارها محاولةً لتبرئة الذمة من رفض الحوار وإلقاء الكرة في ملعب حماس، فضلاً عن حاجة مصر إلى حلِّ مشكلة معبر رفح.
ويبدو أن وضع بند عودة الأوضاع في قطاع غزة إلى ما كانت عليه قبل 13 يونيو 2007 ثم من خلال تشاورٍ مسبق لم تكن فيه حماس طرفًا.. هو ما يفسِّر رد فعلها الأوَّلي على المبادرة، كما يفسِّر موافقة عباس عليها فورًا وبلا شروط.
ردة فعل حماس في السؤال عن المقصود من عودة الأوضاع في القطاع إلى ما قبل 13 يونيو 2007م هو مشروع من جهة، ولا يعني من جهةٍ أخرى رفضَها للمبادرة كما حاول بعض المعلِّقين أن يروِّجوا للموضوع.
حماس هي التي طالبت بالحوار بلا شروط، بل قَبِلت أن يضع الطرفان شروطهما على طاولة الحوار؛ لأن العودة بالأوضاع إلى سابق عهدها لا يستقيم إذا اقتصر على جانب واحد فقط؛ لأن المطلوب من الحوار الوصول إلى وفاق فلسطيني ووحدة وطنية وليس مناكفةً لتسجيل النقاط على الآخر؛ علمًا أن تسجيل النقاط جزءٌ من إدارة الصراع كما حصل حتى الآن.
قبول حماس بالمبادرة ضرورة من أوجه كثيرة، حتى لو كان الطرف الآخر يناور ليس أكثر؛ لأن الحوار مطلب فلسطيني وعربي وإسلامي، ولأن السعي للخلاص من الانقسام الفلسطيني قضية ملحَّة، ولأن إلزام محمود عباس بالدخول في الحوار- ليس مع حماس فقط وإنما لاحقًا مع كل الفصائل- ضرورة لوقف مطاردة المقاومة من قِبل حكومة سلام فياض ولوقف المفاوضات السرية، وهذان مرفوضان من محمود عباس حتى الآن.